بقلم / أحمد الرازحي :
من الذاكرة المقال رقم (12)كان الرئيس الشهيد الصماد رجل حزمٍ وعزمٍ وتدبيرٍ، لا يتسرع في إلقاء الأحكام، ويحمل الناس على السلامة، وكان يُذكرنا بما قال الامام علي "عليه السلام" لولده الحسن:
" دع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تُكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكفَ عند حيرة الضَلال خيرٌ من ركوب الأهوال".
فكان -رحمة الله عليه- يتمهّل ليتبين في أي أمرٍ يصلُ إليه، ولي ذكريات أخرى سأرويها في مكانٍ آخر -إن شاء الله- إذا قدرت لي الحياة، وسأذكر في هذا المقام شاهداً على فنِّ وحُسنِ تعامله.
ففي يومٍ من أيام حُكمه التقى بشخصين من قيادات الدولة، ومن ضمن ما تم عرضه على الرئيس "صالح الصماد" آنذاك، بأنهم أوقفوا أحد الموظفين عن عمله وأعطوا تكليفاً لشخصٍ ثان؛ نتيجة ارتكابه بعض الأخطاء الشخصية، والأخطاء العملية أهمها: عدم الالتزام بالتسلسل الوظيفي، وضعفٌ في الأداء الإداري، وأن تعامله مع الإدارات التي تحت إدارته غير جيد، وقد كثُر شاكوه وقلّ شاكروه، فقطع الرئيس حديثهم -وكان يبدوا على محيّاه الزّعل- وتحوّل إلى محققٍ يُلقي عليهم الأسئلة الكثيرة حول توقيف ذلك الشخص، ولماذا تسرّعوا بهذا الشكل حتى تأكد له صحة أقوالهم؟ ثم طلب الرئيس منهم ألاّ يشعروا ذلك الشخص الذي تم توقيفه بأن الرئيس قد اطلع على أمره.
وقال الرئيس حينها: لابدّ أن نعملَ لهُ برنامج استعادة، ونعمل على إصلاحه، وننصحهُ حتى لا ينزلق ويضيع فالله رحيمٌ بعباده، التغيير لا يكون حلاً إن لم يكن مربوطاً ببرنامج الإصلاح، وبعد مغادرة الشخصين من عند الرئيس، طلب الرئيس حضور ذلك الشخص الموقف عن عمله.
ولم تمضِ إلا دقائق معدودة وذلك الشخص قد أقبل علينا ودخل على استحياء إلى مكتب الرئيس، واستقبله الرئيس في الباب مرحباً به بحفاوة، بالرغم أنه ليس للرئيس علاقة بذلك الشخصُ من قبل إلا علاقة رئيس الدولة بموظفي الدولة علاقة عمل ليس إلاّ.
جلسَ ذلك الشخص أمام الرئيس، وكان ينظر إلى الرئيس نظرةً وكأنه ألمّ بكل شيء فشعر بالرّعدة تتمشى في أعصابه، وسكَنَ في كُرسيّه سُكون المحتضر على فراش الموت، وكان الرئيس يبتسم له كثيراً، ويُقدم له العصائر والماء بنفسه، ويُظهر كل ما يستطيعه من صنوف العطف وألوان الإحسان لينسيه ما فآت وأنّه لم يبق أمامه إلاّ ما هو آت.
وقد كُنتُ أتوقع بأن الرئيس سيُأنبه، ويلقي عليه الكلام القاسي والجارح، لكنّ ما سمعتُ إلا النُصح غير المباشر وبأسلوب المحترف الذكي، وبالحفاوة والتذكير، لعلّ الذكرى تنفعهُ، ثم دعاه الرئيس لتناول وجبة الغداء معه ليحكي معه أكثر؛ لأن المكان لا يسمح بالكلام الكثير والبقاء لوقت أطول، وقام ذلك الشخص من عند الرئيس بنفسٍ غير النفس التي دخل بها وقلبٍ غير قلبه، وكان الرئيس يتعهده ويتواصل به ويحنو عليه، ويتفقد شأنه حتى شعرَ بذنبه وبما فعل، وماهي إلا أيامٌ قلائل حتى بعث للرئيس برسالةٍ خطيّةٍ كتبها من صميم قلبه عندما قرأتُها فاضت عيناي بالدموع، وأدركتُ حُسن التصرف وفن التعامل مع الناس، وأدركت معاني ما ذُكر في الأثر: "إِنَّكُمْ لا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ".
فيا سيدي الرئيس الشهيد الراحل إلى ربه المودّع: إن بين جنبيّ لوعةٌ تعتلجُ لفراقك، لا أعرف سبيلاً إلى التعبير عنها إلا قطرة من المداد يعصرها قلمي الضعيف العاجز عن تبيين ما جادت به حياتك، وأنا أتوارى خجلاً منك فقد أرويتَ بدمك الطاهر قطرةً قطرةً ... فشتان ما بين قطرة المداد وقطرة الدم.
فأنت الآن في عالم الأرواح عند الخالق المعبود، وكما روي لنا في الموروث: بأنه ينكشفُ للشهيد أسرار القلوب وخفايا الصدور فلا تزعل مني إن كُشفَ لك ما يكنُّ قلبي من الوجدِ عليك، وأنا لله وإنا اليه راجعون.
وما أصدق ما وصفه من يعرفه أكثر وأكثر "قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي" -حفظه الله- في مساء ليلة تشييع الشهيد الرئيس صالح الصماد حيث قال:
"الشعب اليمني ودّع في هذا اليوم رجلاً عزيزاً عظيماً من خيرة رجال اليمن، كان وفياً وصادقاً وصامداً وثابتاً، وتحرك في موقعه في المسؤولية، وأدّى واجبه على نحو مشرفٍ وعظيم، رحمة الله تغشاه، أحيا مشاعر الإباء والعزة والاستعداد للتضحية".
