طه العامري..حتى فبرائر 2011م كنت كغيري من ابناء هذا الوطن وتحديدا الغالبية نعيش حياة شبه مستقرة ، لم تكن حياتنا في تلك الفترة هي الحياة المثالية لكنها كانت مقارنة بواقع حالنا لمرحلة ما بعد هذا التاريخ تعد فعلا شبه مثالية ، كانت احداث فبرائر 2011م _ مع احترامي الكبير لكل رموزها والمتحمسين لها _ تمثل بداية ولوجنا دائرة الفوضى الخلاقة واستراتيجية الصدمة والرعب وعلى مختلف المناحي الحياتية الوطنية ..
اعترف صادقا ان موقفي المعارض لتلك الاحداث لم يكن نتاج تمسكي بالنظام الذي خرج البعض عليه ، ولم يكن بدافع الولاء والانتماء لنظام كان هو من اسقط نفسه وهو من هيئا كل الاسباب والعوامل للانقلاب عليه ..؟!
فنظام ( صالح ) لم تسقطه الثورة الشبابية كما يزعم البعض للأسف بل اسقطته عوامل اخرى ذاتية وموضوعية هو من صنعها ونسج خيوطها بفعل تنافر المصالح بين رموزه _ اولا _ و_ ثانيا _ بفعل خارجية إقليمية ودولية وصلت إلى طريق مسدود مع النظام ومع بعض رموزه تحديدا ، كنت على يقين بفساد النظام وفشله في تحقيق تطلعات الشعب في ظل شيوع بل وطغيان الانتهازية السياسية وغياب الرغبة لدى بعض الفاعلين في السلطة والمعارضة الذين وصلت علاقتهم الى مفترق طرق ومن ثم ذهابهم جميعا الى اسقاط فكرة التفكير الجمعي وتبني مشروعا وطنيا يغلب المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة حزبية كانت او فئوية او قبلية او مناطقية ، لقد وصل الجميع _ يؤمها _ سلطة ومعارضة الى مرحلة الإفلاس الحقيقي الذي جعلهم في حالة تبلد واخفاق وعجز كلي عن رؤية مصلحة الوطن والشعب وانحصر تفكير كل طرف في كيفية الانتصار لخياراته واهدافه .. يؤمها تبنيت موقف بداء للبعض وكأنه دفاعا عن النظام والحقيقة انني وقفت في ذاك الموقف دفاعا عن وطن وشعب فقد كنت ارى _ يؤمها _ ما نعيشه اليوم وبكل وضوح ، والمؤسف ان البعض ممن اعماهم الحقد على بعظهم البصر والبصيرة تمترسوا كل في خندقه باحثا عن ذاته الحزبية والوجاهية والمناطقية والقبلية ، عارضا بالذات الوطنية عرض الحائط ..بل حتى الشباب الذين كانوا هم طليعة تلك الاحداث وكانوا صادقين في تحركهم وفي مطالبهم وحماسهم للتغير ، ومع ذلك تم تجاوزهم حين تسلق الفاشلون قطار الشباب ليعملوا على افراغ ذاك القطار من ركابه الفعليون ويحلون هم بدلا عنهم ، لهذا قلت ان ماحدث لم يكون ثورة بل كانت ازمة نخب اطرافها سلطة ومعارضة وهم أطراف الفشل وسبب النكبة التي حلت بالوطن والشعب ولاتزل منذ عقد وليس هناك ثمة افق او نهاية لهذا النفق المظلم الذي نحن فيه اليوم بعد ان تحولت الازمة الى ازمة اقليمية ودولية وانتزعت كل اوراقها من ايدي اليمنيين بمختلف توجهاتهم وقناعتهم ومشاريعهم ..؟!
بعيدا عن كل هذا السرد دعونا نقف امام متغيرات حياتية القت بظلالها على جميع ابناء الوطن جراء هذه التداعيات بعد عقد كامل من تفجرها وساحكي هناء وضعي الذاتي _ رغم صعوبة السرد ومرارة الحكاية لكن ساحكيها ليس لشيء بل لكي ندرك ويدرك البعض فداحة ما نحن فيه _ كمواطن كان يحسب مجازا على الطبقة الوسطى ، وصحفي مستقل غير مرتبط بعمل رسمي وليس لديه وظيفة ولا راتب ثابت ياتيه كل اخر شهر وليس لديه لا ضمان صحي ولا ضمان اجتماعي ، لكني كنت اكتب في اكثر من مطبوعة ولدي موقع اخباري واعيش حياة مستقرة ثم اندلعت الاحداث وتطورت وانقلبت حياتي وحياة اسرتي راسا على عقب ، ليزداد الامر سوءا من عام 2015م حيث وجدت نفسي انزح من العاصمة صنعاء الى تعز وما ان وصلت تعز حتى تفجرت الحرب فيها واول ثمن دفعته كان توقف اولادي عن الدراسة تماما وتوقفت بدوري عن اي نشاط مهني فلا كتابة ولا صحف والموقع توقف فوجدت نفسي عاطلا عن العمل وانا مسئول عن اسرة مكونة من عشرة افراد ..وهناء اجدني اسجل كل شكري وتقديري وامتناني لكل الزملاء والاصدقاء الذين وقفوا الى جانبي وهم كثر وبفضلهم بعد الله اعيش حتى اليوم انا واسرتي .
يؤسفني ما سردته في حلقة الامس و ما ساسرده هنا لكن هذه هي الحقيقة التي لا مناص من قولها في سياق تقيم المرحلة وما ساقوله هناء لا يندرج في سياق الدفاع عن الماضي ورموزه كما قد يفهم البعض بقدر ما هو تذكير لمن غفل بان الثورة لم تكن يوما فعل عبثي ولا مغامرة نحو المجهول ، بل للثورة عوامل ذاتية وموضوعية ولها طليعة ثورية منظمة وقادرة على توجيهها نحو اهدافها ، وان كانت ذات طابع شعبي فالثورة الاشتراكية الكبرى التي قادها العظيم ( لينيين ) كانت ثورة شعبية شعر مئات الملايين من الشعب السوفيتي بمنجزاتها في عامها الاول ، لكن ما حدث في بلادنا كان فوضى_ وما حدث يتماهي مع حكاية _ امين مخزن عبث بمحتويات ما بداخل مخزنه وفرط بمحتوياته نهبا وسرقة فتشكلت لجنة جرد ومحاسبة لكن وقبل ان تصل لجنة الجرد والمحاسبة تعرض المخزن لحريق التهم كل ما فيه فضاعت بالتالي كل الادلة _ ...؟!!
وما حدث في فبرائر _ مثلا _ ان النظام انقسم على نفسه والمعارضة افلست والشباب حين خرجوا لم يكونوا يدركون هذه الحقيقة وهذا تحولت ( ثورتهم ) المزعومة الى ازمة بين اركان النظام الذين انقسموا فانقسمت معهم ( القبيلة ) وهي التي كانت صمام آمان للنظام الذي لم يكن نظام مؤسسي بل نظام قبلي ولم تكن احزاب المعارضة ورموزها اكثر حظا من النظام ورموزه فالكل كان في حالة فشل وارباك وليس لدى اي طرف مشروع او رؤية وطنية فكانت الحصيلة هي الازمة والفوضى وما نحن فيه اليوم ، دون ان نغفل العامل الخارجي اقليميا ودوليا والذي كان يوجه الكل إلى النفق المظلم لحساباته الخاصة ليس هناء مجال سردها .
بيد ان اسقاط حالتي الشخصية _ مثلا _ كمواطن يمني فان تلك الاحداث قد حولت حياتي الى جحيم ، وعلى مختلف المناحي الحياتية وانعكست بصورة مباشرة على اسرتي واولادي الذين شردتهم الاحداث وقلبت حياتهم راسا على عقب فتخلوا مكرهين عن حقهم في التعليم والرعاية والحياة الآمنة المستقرة يقاسون حياة التشرد والنزوح من محافظة الى اخرى بحثا عن الاستقرار فيما رب الاسرة الذي هو انا والدهم انقطت بي السبل فلا شغل ولا وظيفة ولا كتابة ولا عائد مادي وليس هناك جهة سيادية يمكن اللجوء اليها لتعطيك حقك بالمواطنة وتكفل لك واسرتك حياة كريمة ، فوجدت نفسي منبوذ من كل اطراف الصراع فوجدت نفسي ولا ازل عالة على الكثير من اصدقائي الذين ادين لهم بالكثير من الفضل في بقائي واسرتي على قيد الحياة في بلد كنت استغرق فيها شهريا ( غاز باربعة الف وخمسماىة ريال ، اليوم استهلك من هذه المادة ب ثمانية واربعين الف ريال ) ، وكنت ادفع شهريا ( ثمانية الف ريال كهربا ، وخمسة الف ريال ماء ، اليوم استهلك كهرباء خاصة باربعة واربعين الف ، فالفواتير تاتي اسبوعيا وتتراوح قيمة الفاتورة بين اثناعشر الف وتسعة الف ريال ، والاشتراك يضاف اسبوعيا على كل فاتورة ، وبين عشرين وخمسة وعشرين الف شهريا فواتير المياه ، وكنت ساكن في قلب العاصمة وفي ارقى احيائها بايجار ستين الف ، اليوم ادفع نفس المبلغ وفي قرية خارج العاصمة كان قبل بضعة سنوات ملاك العقارات فيها يبحثون عمن يسكن في منازلهم ويدفعون له مقابل السكن فيها وحمايتها ..؟!
طبعا هذا غير التكاليف الحياتية اليومية ، فأي ثورة يتحدث عنها البعض ؟! واي تغير كارثي هذا الذي نعيشه ؟!
انا لااقول ان الماضي كان كان جنة بل كان هناك نظام فاسد وبن ستين كلب لكن ان يغير بافسد والعن منه فهذا الاستخفاف والاستغفال لعقول الناس هذا ان كنا فعلا ناس وننتمي لعالم الإنسانية ..؟!
عشر سنوات هي العن واسواء واحقر واقذر سنوات عمر اي مواطن يمني حر ،وشريف مؤمن بالمثل الحميري القائل : تموت الحرة ولا تأكل بثديها .. طبعا لا اخفيكم اني خلال هذه الفترة تلقيت العديد من العروض للعمل ( كمخبر ) للاسف لهذه الجهة الخارجية او تلك ولكني رفضت هذه العروض رغم الاغراءات ورغم الضروف القاسية التي وجدت نفسي فيها ، ولكتي فضلت ان ابقى ( عالة على اصدقاىي ) وان تذمر مني بعضهم وتحاشنا البعض الاخر ومنهم من يتهرب حتى عن الرد على هاتفي ، بل حتى الحصة الغذائة التي اقرتها لي منظمة اغاثية تسمى ( إدىاء ) والتي نزلت لجنة منها للمنزل وسجلت كل افراد الاسرة واخذت صور من كل وثائقهم الثبوتية لم يستمر دعمها لبضعة اشهر حتى تدخلت جهات وقطعت هذا الدعم الذي لم يكن يزيد عن كيس دقيق وخمسة كيلوا عدس ودبة زيت ..؟!!
فعن اي ثورة ملعونة نتحدث ؟ في داخل بركان لكن للاسف الشكاء لله مذلة ، وكل ما يمكني قوله هو ملعون ابوها ثورة ، وملعون ابوها الترويكا الفاسدة التي اوصلتنا والبلاد لهذا المنحدر ، مع ايماني اليقيني ان لا احد يستحق الاحترام فكل اطراف الصراع لصوص وحاملين لمشاريعهم الخاصة وهي مشاريع ارتزاق وعمالة وارتهان وخيانة لله والوطن والشعب .
كل اعتذاري واسفي فما سردته ليس الا قطرة من بحر ، ولكني فقط حبيت ادلل للبعض فداحة الجريمة التي ارتكبوها بحق الوطن والشعب والتي لن يغفرها لهم لا الله ولا الوطن ولا الشعب .اكرر اعتذاري واسفي مرة ثانية وثالثة وكل شكري وتقديري لكل الاصدقاء الذين وقفوا ولا يزالوا يقفوا بجانبي وهم من سيحتلون فصلا كاملا في كتاب شبه مكتمل بعنوان ( باحث عن وطن ) والذي بدات به عام 2013م واتمنى ان يرى النور قريبا باذنه تعالى
