728x90 AdSpace

4 يونيو 2021

( بايدن ) هل يكون نسخة أخرى من ( جورباتشوف )..؟!!


بقلم / طه العامري( الأخيرة ):
حاولت ( واشنطن ) وعلى مدى أكثر من نصف قرن ( أمركة العالم ) وفرض قيم وانماط سلوكية وثقافية على المجتمعات الإنسانية تختلف جذريا عن قيمهم واخلاقياتهم ومعتقداتهم الدينية والثقافية والحضارية والإنسانية ؛ مستغلة بذلك تفوقها الصناعي والعسكري وسياسة التبعية والارتهان التي فرضتها على بعض المجتمعات والأنظمة التي دارت في فلك ( واشنطن ) بذريعة مكافحة ( الشيوعية ) والنفوذ الشيوعي والإلحادي وقد وظفت واستغلت الدين أبشع استغلال لتحقيق مآرب وأهداف سياسية ؛ وإعمالا لغطرسة القوة واصلت واشنطن وحلفائها في الغرب على اعتبار كل من ينافسهم أو يخالفهم ب(الشيوعين الملحدين) أو ( الديكتاتورين الفاشيين ) رافعة راية الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان ؛ وهي الشعارات الزائفة التي سخرتها واشنطن والمنظومة الغربية لتطويع إرادة شعوب العالم ومحو هويتها الثقافية والحضارية بل وتاريخها من خلال التنكر لكل تاريخ الشعوب من خلال سيطرتها الإعلامية والثقافية والاقتصادية ؛ لكن وكما يقال ( كل شيء يصل للذروة يبدأ بالانحدار ) كذلك هي الإمبراطوريات التي تصل إلى مرحلة تاريخية ثم تبدأ رحلة انكسارها وأفولها مهما كانت قوتها أن لم تعمل على تطوير وتحديث منظومتها الفكرية والثقافية والحضارية وتجعلها قابلة للتطور والتجدد وفق مسيرة التاريخ وصيرورته وتقدم المجتمعات الإنسانية وتطورها .
في كتابة ( الدولة الفاشلة ) تنبا المفكر الأمريكي _ نعوم تشومسكي _ بأن ( الولايات المتحدة الأمريكية ومنظومة الدول الليبرالية الغربية الحليفة لها سيواجهون مصيرا حتميا ربما يفوق ويتجاوز مصير الاتحاد السوفييتي منوها بأن انهيار المعسكر الاشتراكي المنافس لي الليبرالية الغربية لم ينهار بسبب خلل في بنيته الفكرية والثقافية بل انهار لعاملين اساسين هما ( الضروف الاقتصادية ) القاسية التي فرضتها عليهم ضروف الحرب الباردة وسباق التسلح ؛ والعامل الأخر والأخطر هو ( البيروقراطية ) المتجذرة التي بلغتها الأحزاب الشيوعية الحاكمة في الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية ) وقد استثنى ( تشومسكي ) الصين من القائمة استنادا لصراع القادة الصينيين مع موسكو ؛ في أوج قوة ونفوذ وعظمة موسكو والمعسكر الاشتراكي وقد خاض قادة الصين صراعا فكريا وايديلوجيا .. فإذا ما تمعنا في تداعيات المسارات والاحداث فأن نبؤة تشومسكي لم تكن مجرد تخمينات عابرة بل هي نتاج قرأة متأنية ؛ وقد طالب الرجل من كل رموز الفكر والقادة وعلماء الليبرالية بأن يسعوا وبجدية لتجديد وتحديث منظوماتهم الفكرية والسياسية وعدم الاكتفاء بانهيار وزوال خصومهم محذرا في ذات الوقت من تيارات فكرية أخذة بالتبلور في الوسط الليبرالي تأخذ المنظومة الليبرالية بكامل تراثها إلى مسار حضاري متخلف لا يتسق مع التطورات الحضارية ولا ينسجم مع تجدد التاريخ ومتطلباته وتطلعات البشرية ؛ محذرا من بروز تيارات سياسية ذات ميول عقدية وأيديلوجية _ كارثية _ قد تأخذ المنظومة الليبرالية إلى مسارات صدام حضاري مؤدلج وذات طابع عقائدي وهذا لا يناسب القيم الليبرالية ولا يخدم طموحات المتطلعين لتجديد وتحديث الفكر الليبرالي .
للأسف لم ينصت صناع القرار الليبرالي لدعوات وصرخات العديد من مفكريهم ومثقفيهم ؛ التي انطلقت مباشرة بعد انهيار دول المعسكر الاشتراكي ؛ لذلك فأن من الطبيعي أن نشهد اليوم تخبط وارتباك رموز الليبرالية من الساسة إلى المفكرين الذين اخذوا الليبرالية بعيدا عن مساراه الطبيعي وجعلوا منها تتحول إلى قيم إمبريالية متوحشة أخذة ومنذ العام 1990م مسارات الهيمنة والتبعية وتطويع إرادة الشعوب ليس خارج نطاقاتها الجغرافية وحسب بل وعلى شعوبها ومواطنيها حيث سيطرة الطبقات الحاكمة في السلطة والمعارضة على حد سواء الذين جعلوا من أنفسهم مجرد موظفي علاقات عامة لدى ( مجمع الصناعات العسكرية في واشنطن) ومنها إلى بقية المنظومة في الغرب الليبرالي الذي تجرد من ليبراليته حتى في تعاطيه وتعامله مع مواطنيه ..؟!!
التأثيرات الثقافية الأمريكية التي تبلورت في عهد ( رونالد ريغان ) وترسخت كسلوك وبرامج عمل في السلوك السياسي الأمريكي في عهد ( بوش _ الأبن ) وتيار المحافظين الجدد أو جماعة _ المسيحية _ الصهيونية _ التي اعتبرت انهيار المعسكر الاشتراكي دليل صحة الليبرالية وانتصار حضاري وتاريخي لها ؛ وهو ما دفع ( بوش _ الأب ) حينها وبرفقة السيدة الحديدية في بريطانيا _ مارجريت تاتشر _ إلى اعتبار أمريكا ( زعيمة العالم الحر ) لكن هذا _ اللقب _ ما لبث أن سقط بسقوط _ إبراج منهاتن _ في عهد ( بوش _ الأبن ) عام 2001م والتي لا تزل من أكثر العمليات والاحداث غموضا في التاريخ ؛ لكن هذا الغموض لم يمنع الرئيس الأمريكي من إعلان معركته المفتوحة على ( الإرهاب ) بل ويرفع شعارات اسطورية وكأنه يخوض معركة مع إمبراطورية تضاهي الاتحاد السوفييتي ؛ وكانت تلك الواقعة أولى ثمار ( استراتيجية الصدمة والرعب ؛ والفوضى الخلاقة ) التي تبناها _ البنتاجون _ عام 1993م كنظرية لم تطبق إلا مع أحداث _ منهاتن _ عام 2001م ..؟!!
هذه الثقافة الامريكية القائمة على أسطورة ( السوبر بأور ) وقصص ( هوليود ) ورمزية _ سوبر مان ؛ وباتمان _ ومنتجات والت ديزني ؛ القت بظلالها على الجغرافية الأوروبية بعد أن تجاوزت المحيط باتجاه ( باريس _ لندن ) وهما من أهم عواصم الليبرالية والحرية _ مجازا _ إذا ما اعتبرنا الأولى كانت حتى عهد ( فرانسوا ميتران ) مؤلف الكتاب الشهير ( العصاء والقشة ) الذي تحدث فيها محذرا من وحدة ( الكارتل الاقتصادي ) الذي سيتمكن من السيطرة على المسيطرين على خارطة العالم والمتقاسمين لخارطة النفوذ عليه وهي الحكومات الامريكية والغربية التي قال _ ميتران _ أنها ستجد نفسها بعد ثلاثة أو أربعة عقود أسيرة هذا _ الكارتل _ الذي سيتمكن من التحكم بها وإدارتها اتساقا مع مصالحه الاقتصادية ؛ الكتاب صدر عام 1975م حين كان _ ميتران _ رئيسا لبلدية باريس ؛ وقال أن ( هناك اليوم 15 شركة قابضة تسيطر على اقتصاديات العالم بما في ذلك الدول الكبرى ؛ وأن هذه الشركات بعد عقود قليلة سوف تندمج لتصبح بحدود سبع أو ثمان شركات وقد تحققت طروحات _ ميتران _ فاليوم العالم يعيش في كنف ( سكس سيستار ) أي _ الأخوات الست _..؟!!
اليوم وبفضل شبكات التواصل الاجتماعي وثورة المعلومات ؛ تفقد أمريكا نفوذها وقدرتها على السيطرة والتحكم ؛ فيما بريطانيا التي يمكن وصفها بوصيفة أمريكا تغادر الاتحادي الأوروبي ومهددة بالتقسيم والتشظي وتعاني من نوازع اجتماعية متعددة ؛ فيما فرنسا عاصمة الحرية تفقد كل قيم ثورتها وأهدافها ومبادئها فلا حرية ولا عدالة ولا مساوة ؛ بل توجه نحو اليمين واليمين المتطرف وعلى أسس عرقية ودينية وصراعات عنصرية وثقافات عنصرية تكاد تكون هي الطاغية في الوعي الجمعي الفرنسي بعد أن تأمركت فرنسا بل غدت أسواء من أمريكا في تطبيقها لكل القيم والسلوكيات المنافية لكل ما قامت لأجله واعلنته الثورة الفرنسية وذهب ضحيته فيلسوفها ( روبسبير ) على المقصلة وداخل الجمعية الوطنية ؛ تلك الثورة التي استبدلت ( الملك ) ب ( الإمبراطور ) والتي حاول البعض إعطائها بعدا إنسانيا وحضاريا وحملوها من القيم فوق طاقتها ؛ ها هي وبفضل إمبريالية أمريكا تجعل المتابعين لحركة التاريخ يترحموا على ( أسوار الباستيل ) الأكثر إنسانية من ( سجن ليون وجونتناموا ) ..؟!!
إذ لم يرتكب لويس السادس عشر جرائم إبادة بحق الشعوب في اسيا وافريقيا والوطن العربي كما فعل ثوار الجمهورية الذين رفعوا شعار الحرية والعدالة والمساوة ولم يطبقوا أيا من هذه الأهداف حتى مواطنيهم باستثناء ما تغزل به مثقفي (الشانزليزيه ) في كتبهم وروايتهم وأحاديثهم على الأرصفة والمقاهي عن ثورة لم تكن سوى رغبة ( أرستقراطية ) عابرة ..؟!!
( بايدن ) يقف اليوم على ذات المسار الذي وقف عليه ذات يوم السيد ( جورباتشوف ) بعد أن وجد نفسه أسيرا لبرنامج رأسمالي إمبريالي أسمه ( حرب النجوم ) اطلقه رئيس أمريكي قادم من دهاليز ( هوليود ) مسكونا بمفاهيم وأساطير روايات الخيال العلمي عن قوة وقدرة واساطير ( السوبر بأور ) لكن وبمجرد الانهيار الكبير الذي حققه ( جورباتشوف ) تلاشت كل تلك الاساطير الخيالية لتبقى أفلام رعب هوليود تعرض على شاشات التلفزة ودور العرض السينمائي لكن في الواقع لا أثر لها ..!!
اليوم أمريكا اقتصاديا تتاجر بأموال العالم تبتز العالم بترسانتها العسكرية وبأنها قوى عظمى وحسب ؛ لكن واقعيا هي مثخنة بالديون الخارجية والداخلية ؛ ومسكون بكل القيم العنصرية وتعيش أزمة بنيوية اكبر أدلتها هو اقتحام انصار ترمب لمبنى الكابيتول والمسيرات التي أعقبت مقل جورد فلويد وطريقة تعاملها كدولة وإدارة ومؤسسات مع جائحة كورونا وكيف تحاول اليوم توظيف الجائحة سياسيا بغرض الابتزاز ..؟
اضف لكل هذا حالة الرعب التي تعيشها أمريكا وادارتها ونخبها من الصين وتقدمها الصناعي والاقتصادي والعسكري ؛ الأمر الذي جعل واشنطن تبدأ بتوظيف أحداث الخارطة الكونية على طاولة المساوة والمقايضة المحورية وتسعى للبحث عن ملاذات آمنة تكفل لها مساحة نفوذ دون أن تخسر مكانتها وهذا هو المستحيل الذي يصعب حصولها عليه ..؟!!
في الحلقات السابقة أشرت إلى سلسلة تراجعات في المواقف الأمريكية بدءا من موقفها من القضية الفلسطينية إلى موقفها من النووي الإيراني وضغطها ولأول مرة على حلفها المدلل الكيان الصهيوني وتضحيتها بأبنها البار ( نتنياهو ) وهي في طريقها لمراجعة موقفها من سورية ولكن ليس دون ثمن يدفعه لها ( بوتين ) خلال القمة المرتقبة بينه وبين الرئيس ( بايدن ) وهي بعد حرب ضروس مع ( طالبان الأفغانية ) توشك أن تنسحب وتسلم أفغانستان وحلفائها لطالبان ..؟!!
هذه التراجعات أو التنازلات ليست وليدة اللحظة بل هي حصيلة مواجهات شرسة مع خصومها أو كما تقول واشنطن _ أعدائها الوجودين _ روسيا والصين ؛ بعد أن اسقطت أو تراجعت عن _ حربها ضد الإرهاب _ التي جعلت منها معركة على غرار معارك ( دينكشوت ) ..!!
أن أزمة واشنطن عميقة وبنيوية ووجودية وهي ليست ازمة منفردة لها بل هي ازمة الليبرالية الفكر والموقف والسلوك وأن كان السيد نعوم تشومسكي قد بشر بها عام 1995م فأن الكاتب الأمريكي _ هنري ميلر _ كان قد سبق تشومسكي بعقود حين بشر بهذا الزوال الكارثي في روايته ( الجدي ) وهو الذي تم نفيه من بلاده أمريكا وتجريده من جنسيته وهروبه إلى مدينة ( ليون الفرنسية ) ليموت فيها عام 1938م بعيدا عن وطنه وأهله واسرته وكل جريمته هو انه بشر بزوال أمريكا حين تصبح أسيرة لرغبات تيار المسيحية _ الصهيونية _ والتلموديين ممن وصفهم بحثالة اليهود الذين غيروا كل معالم أمريكا ..؟!
أنتهى

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: ( بايدن ) هل يكون نسخة أخرى من ( جورباتشوف )..؟!! Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً