728x90 AdSpace

7 مارس 2020

من آخر الدهشة إلى أول الذكرى

بقلم/أ.د.عبدالعزيز المقالح 
من آخر الدهشة إلى أول الذكرى*
قبلَ الشعر،
وقبلَ الكلمات،
وقبل الإنسان،
كان الخالق قد كتبَ الأرضَ
وسوّرها بالبحر
وزيَّنها بالغابات
  وبالأنهار
وأبدع في تلوين الأشجار
وفي ضبط مساحات
الضوء .
وكان -تعالى-
قد شق سهولاً وحقولاً
وأقام تلالاً وجبالاً
وأطلّ من الملأ الأعلى
ليرى ما صنعته على صدر الأرض
يداه .
 * * *
فتح الشاعرُ ذات صباحٍ
عينيه على هذا المشهد
والخلق المنظوم
ابتلعته الدهشةُ
ساوره شوقٌ للشعر
حاول أن يكتب ساقيةً بالقرب
من النهر
فلم تسعفه الكلمات
وحاول أن يكتب غصناً
بالقرب من الغابة
سخرتْ منه الأشجار
فألقى الأوراق إلى البحر
وأعلن عن خيبتهِ
القصوى.
* * *
أبداً
لا يتوازى ما يكتبه الشعراء
على الأوراق
بما يكتبه الخالق في صفحةِ
هذا الكون الممتد
طرياً
 وبهياً.
عند أقاصيهِ
يتجلى الأشهى
  والفاتن
والمخفورُ بهالات ظلالٍ
شاخصةٍ
وظلالٍ خافيةٍ
لا يدركها الغارق في ملكوت الدهشة
إلاَّ بلسان الروحْ .
* * *
ما الدنيا؟
ما الشعر؟ 
وما الموسيقى؟
ما هذا الصوتُ القاتمُ والطالع
كفراشاتٍ من خلف صباحات الأرض،
ومن تحت نجوم الله
حيناً يمشي فوق أصابعهِ
مبتهجاً
وأحايين يجيء 
إلى هذي الدنيا كبكاءٍ
مجروحٍ؟
لا يبقى شجر أو حجر
لا يبكي لوعته؟
هل هو صوتُ الشاعر
عاد من العزلةِ
مغسولاً بالتوبةِ
محمولاً في تابوت
الكلمات؟!
* * *
حين يرى الشاعرُ
مخلوقاتِ الله على هيئتها المكتملةِ
المثلى
يسمع منها ما لا يُسمع
ويرى ما ليس يُرى
حينئذٍ يصحو
ويمد يديهِ إلى أوراقٍ
يابسةٍ
كي تخضّر إذا لامسها الشعر
وأدركها شيٌ
من أصداء طفولته
مختلطاً بنداء الأمِ
وأصواتٍ تأتي 
من أغوار الزمن الأبعدْ .
* * *
سبحان الله؟
لقد أعطاني الشعرَ
على طبقٍ مكتظٍ
بحليب الساعات الأولى 
من عمر الجسد الهش
وبصّرني كيف أرى في وجهِ
سماءِ الدنيا
لغةً وقصائدَ ،
علَّمني أن لا أقرأَ بالعين
ولكن بالقلب
وأن أتحسس آلامَ الأرض
وأحزان البحر
بوجدانٍ صافٍ
خالٍ من إغواء الجسد
الفتان .

* من ديوان (بالقرب من حدائق طاغور)
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: من آخر الدهشة إلى أول الذكرى Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً