728x90 AdSpace

19 مارس 2020

مسألة "مصر التوراة" وتزوير التاريخ الفلسطيني

بقلم/ أ.فاضل الربيعي :
كان السؤال المحير الذي فجر النقاش حول التاريخ الفلسطيني يدور في نطاق الفكرة التالية: إن اسم مصر البلد العربي -وبحسب السجلات التاريخية المصرية المعروفة- لم يكن معروفا في العصر الذي ظهرت فيه مملكة مصرن اليمنية، لقد كانت مصر (البلد العربي) تعرف باسم (بلاد الجبت-الفبط).


وفي الواقع لم يظهر اسم مصر في صورته هذه إلا عام 700 قبل الميلاد، قبل هذا الوقت لا وجود لاسم مصر على وجه الإطلاق، وبالنسبة لي فقد أعادني هذا النقاش الصاخب إلى نقاش حيوي ثار بين علماء اللغة العرب ومفسري القرآن في القرن الرابع الهجري (330-400 هجري) حول آية "اهبطوا مصرا" في سورة البقرة.

وهكذا، بدأت حقبة جديدة مروعة جرى خلالها تزوير تاريخ فلسطين القديم بشكل منهجي ومنظم، كانت المادة المركزية فيه تتعلق بذكر التوراة لاسم ملك تسميه ملك مصر "نيخو-نخو"، وهذا الملك المزعوم أطلق عليه اللاهوتيون "نيخو الثاني".

ولكي يكون القارئ على بينة واطلاع صحيحين عن طبيعة التزوير الذي لحق بتاريخ فلسطين فسوف أقدم عرضا سريعا عن هذا الفرعون لأن المساحة المخصصة لي لا تسمح بذكر المزيد من التفاصيل.

كان النقاش يدور حول المسألة التالية: أن المصريين والآشوريين تقاتلوا فوق أرض فلسطين، وأن نبوخذ نصر هزم ملكا مصريا يدعى "نيخو-نخو الثاني"، بيد أن نقوش نبوخذ نصر لا تذكر ذلك، وتكتفي بالقول إنه هزم ملكا مصريا وليس ملك مصر أو فرعونها، فمن يكون هذا الفرعون الذي تتحدث عنه التوراة؟ هل هناك شخصية تاريخية حقيقية بهذا الاسم؟ وهل صحيح أنه هزم أمام نبوخذ نصر في معركة كركميش في الواقع؟

لم يرد أي ذكر لاسم هذا الفرعون في أي وثيقة أو سجل تاريخي أو نقش مصري أو آشوري، ومصر لا تعرف في كل تاريخها القديم أي ملك بهذا الاسم، ولا يوجد بأي صورة من الصور أي اسم يماثل هذا الاسم في السجلات التاريخية المصرية.

بكلام قاطع جازم: لا يوجد ملك مصري في سجلات ملوك مصر يدعى "نيخو-نخو الثاني"، كل ما لدى علماء الآثار وكتاب التاريخ من اللاهوتيين لتكريس هذا التزوير وجعله حقيقة علمية هو إشارة وردت في قصيدة لأشعيا الكاهن الشاعر (النبي) يسجل فيها اسم "نيخو"، وقد افترض اللاهوتيون أنه "نيخو-نخو الثاني" دون أي دليل، فهل تكفي إشارة ملتبسة لخلق شخصية تاريخية تروي المؤلفات التاريخية أدق التفاصيل عن معاركها وهزيمتها؟

هذا هو نص إشعيا (الإصحاح: 46 النص العبري: 45: 4: 46: 10) الذي يشير إلى اسم ملك مصري مزعوم: "وجيش فرعه نيخو ملك مصريم الذي كان على نهر الفرات وفي كركميش".

وهذه الآية مثيرة للحيرة، فإذا كان الصراع بين الآشوريين والمصريين جرى في فلسطين فما علاقة نهر الفرات؟ وكيف يكون ملك مصر على الفرات العراقي وفي فلسطين في الوقت نفسه؟ وهل كركميش هذه التي هزم فيها الفرعون أمام نبوخذ نصر هي من مدن الفرات أم من مدن فلسطين؟ لقد أطلق اللاهوتيون على هذا الملك "نيخو-نخو الثاني" لأن ملكا آخر يحمل الاسم نفسه يظهر في نصوص التوراة ويقوم بمهاجمة أورشليم ويعتقل كاهن المدينة المقدسة، الشاب الصغير يهوحاز-يهو أحاز لمنعه من أن يصبح ملكا في أورشليم.

كان الكاهن الشاب ابن 23 عاما، ولم يمض على توليه الكهانة سوى ثلاثة أشهر، والتوراة تقول إن ملك مصر الذي يدعى نيخو-نخو هو الذي أسره في منطقة تدعى ربلة من أرض حمة، لكن مترجمي ومحققي التوراة رسموا الاسمين هكذا: أرض ربلة في حماة؟ ولذا اعتبرت "حمة" أنها حماة السورية، وهكذا أصبحت لدينا جغرافيا خيالية: نبوخذ نصر يقاتل فرعون مصر على الفرات العراقي شرق سوريا وفي جنوبها (فلسطين) في الوقت نفسه! وهذا غير منطقي، لأننا نعلم من نص سفر الملوك الثاني أعلاه أن هذا الفرعون كان قد أسر كاهن أورشليم في حماة السورية وهي في الشمال السوري.

هاكم ما يقوله النص العربي من سفر الملوك الثاني 2: 23 :35

"كَانَ يَهُوآحَازُ ابْنَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، وَمَلَكَ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ فِي أُورُشَلِيمَ، وَاسْمُ أُمِّهِ حَمُوطَلُ بِنْتُ إِرْمِيَا مِنْ لِبْنَةَ، فَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَهُ آبَاؤُهُ، وَأَسَرَهُ فِرْعَوْنُ نَخْوُ فِي رَبْلَةَ فِي أَرْضِ حَمَاةَ لِئَلاَّ يَمْلِكَ فِي أُورُشَلِيمَ، وَغَرَّمَ الأَرْضَ بِمِئَةِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَوَزْنَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَمَلَّكَ فِرْعَوْنُ نَخْوُ أَلِيَاقِيمَ بْنَ يُوشِيَّا عِوَضًا عَنْ يُوشِيَّا أَبِيهِ، وَغَيَّرَ اسْمَهُ إِلَى يَهُويَاقِيمَ، وَأَخَذَ يَهُوآحَازَ وَجَاءَ إِلَى مِصْرَ فَمَاتَ هُنَاكَ، وَدَفَعَ يَهُويَاقِيمُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ لِفِرْعَوْنَ، إِلاَّ أَنَّهُ قَوَّمَ الأَرْضَ لِدَفْعِ الْفِضَّةِ بِأَمْرِ فِرْعَوْنَ، كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ تَقْوِيمِهِ، فَطَالَبَ شَعْبَ الأَرْضِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ لِيَدْفَعَ لِفِرْعَوْنَ نَخْوٍ".

والآن: لما كان التيار اللاهوتي اعتبر "حمة" التوراة هي حماة السورية ففي هذه الحالة تكون المعركة قد جرت شمال سوريا لا في جنوبها أي فلسطين، وبالتالي تصبح أورشليم القديمة ضمن جغرافيا شمال سوريا لا جنوبها، بينما يكون نبوخذ نصر قد قاتل نيخو هذا شرق سوريا، وهذه جغرافيا خيالية لا أساس لها، فأين الخطأ في كل هذا؟ إن الوقائع التي ترويها النقوش الآشورية تفند (القراءة الاستشراقية المخيالية)، وهاكم جزءا من نقش سرجون الثاني:

"وأخضع أمراء المناطق الأربعة من العالم تحت قدميه؛ والذي غزا من جبل سيلنو- صالونو (Siluna) من الشرق وأراضي سبأ (Saban) ? ومعين، وبارسو، وجزبنوندو وأليبا- عليبه، وحرحر، وأرزاش، ومسو، ومدي، وعر- العبرة، وعبدانو, Ellipi, Harhar, Araziash, Mesu, Madai, Gizilbunda , Munna, Parsua, Allabria, Abdadana, Na'ir إلى أبعد حدودها وعندو (Andiu) والتي تقع بعيدا وسفح الجبل، حتى أبعد حدوده وصولا إلى البحر العظيم في مشرق الشمس، ومن أعلى (حتي، وعمورو، وتيري، وصيدون، والحميريين، وبلاد عمري- إسرائيل، والفروت، وأيدوم)".

ها هنا إسرائيل ومملكة معين وسبأ وقبائل مدي (في حجة) والحميريون، وهذا تأكيد قاطع على أن هذه المعارك دارت في أرض اليمن.
(الصورة لسرجون الثاني)
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: مسألة "مصر التوراة" وتزوير التاريخ الفلسطيني Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً