بقلم / أحمد الرازحي :
من الذاكرة المقال رقم (14)الرئيس ومرافقيه:(1) كان يردد مقولة من الأثر: " نتقدمُكم عند اللقاء ونُقدمكم عند العطاء" وذلك في بعض اللقاءات التي تتطلب التحشيد للجبهات لمواجهة العدوان على بلدنا.
وقد أوفى بوعده، فقد تقدم عند اللقاء وجاد بروحه سلام الله عليه، فكان ما يبهرنا فيه معجزات علمه، وبيانه الواضح، وحلمه، وصبره، وتواضعه، وإيثاره، وصدقه، وإخلاصه، فكان يقول للناس: "أنا لا أعدكم بما لا أستطيع، ولا أقول بأني أمتلك عصاةً سحرية، لكن سأبذل قُصارى جهدي في تقديم الذي استطيع عليه".
فكان حليماً سمح الأخلاق، والجميع يُدرك كيف تعاطى مع أحداث ديسمبر بالحلم والبصيرة، وكان يقف على مسافة واحدة من جميع المكونات، يستشعر مسؤوليته المُلقاة على عاتقه المُثقل بالهموم الوطنية العالية، فقد لملمَ الصفوف وداوى الجراح ببلسمه الخاص، وأغلق الصفحة وفتح صفحةً جديدة كان عنوانها لدينا عدوٌ واحدٌ يقتل أبناء اليمن ويحاصرنا براً وبحراً وجواً ويحتل مناطق من البلد لابدّ من تحريرها ومواجهة هذا العدوان، يبذل الجهد الكبير بنفسه الصّلبة وأمله الواسع في إعادة الحياة إلى ما كانت عليه وتطبيع الوضع.
لا يقترب الملل منه، ولا يسمح لليأس أن يصل إلى قلبه وإن قلّ الناصر، كان يسعى لحقٍ، والساعي لحقٍ له بين المحقين أعواناً وأنصاراً.
في حياته الكثير من الدروسٌ والعبر ... لا حاجة لنا بتاريخ "غاندي" أو "جيفارا" أو "فلاسفة اليونان" أو "حكماء الرومان" فلهم واقعٌ غير واقعنا.
فحياته مملوءة بالجد والجهاد والعمل -بدون ملل- والحكمة والسياسة والشرف الحقيقي.
وما تجودُ به ذاكرتي في هذا المقام عندما صعّد العدوان على " جبهة نِهم" أرسل حمايته الشخصية للنزول إلى "جبهة نِهم" لإسناد المجاهدين وإعانتهم في مواجهة المعتدين، ولم يبق عنده إلاّ السائق وبعض الأفراد لا يتعدوا عدد أصابع الكف، واستشهد البعض، وجُرح البعض، واستمر آخرون إلى يومنا هذا في الجبهات، وكان هناك من يقول له: سيدي الرئيس ليس من الصحيح أن تبقى بدون حماية بالشكل المطلوب ... فكان جواب الرئيس: " والله بأني أستحِي أن أدخل مؤسسةً أو اجتماعاً برفقة بعض الحماية والجبهات في أمس الحاجة إلينا جميعاً، ولولا المسؤولية التي وضعت على عاتقي لحملتُ بندقيتي وجعبتي وما توانيت لحظة واحدة في النزول إلى جبهات العزة والكرامة" وأضاف رحمة الله عليه " وإذا استهدفني طيران العدوان أكون وحيداً لا يصيب المرافقين أي مكروه".
فكان كلامه ينزلُ على مسامع ذلك الشخص ومسامعنا كالسيف المُجرد والسهم المسدد، فقد نال الشرف الذي كان يتوقُ له، ولم أكن أعلم ما يخبئه القدر، فقد أنهدّ قلبي الذي حمل الكثير من حياة الرئيس الشهيد.... ولن نقول إلا ما يرضي ربنا.
إنّها قرابة الصّلاح، وأخوة الإيمان فوق كل علائق اللحم والدم والطين، وكان الرئيس الصماد سلام الله عليه يُعامل مرافقيه معاملة راقية، بل ويكلف نفسه كثيراً في الاهتمام بهم ويميزهم على نفسه، ولا يترك أي حواجز بينه وبين المرافقين، يشاركهم مأكلهم ومشربهم، وأثناء النزول الميداني كان يمازحهم ويلتقط الصور مع أفراد حمايته، ويشعرهم بأنه يتشرف أن يلتقط الصور معهم، وهناك الكثير من الصور تجمع الرئيس مع رفاقه الذين نالوا شرف الشهادة معه ومع غيرهم، وكان يختار الأماكن التي تتمتع بجمال الطبيعة وبجانب بساط الأزهار، وتحت ظلال الأثمار والأشجار وحيث الأنهار.
يتم التقاط الصور في الوديان ذات الزرع والثمر، وفي الجبال أثناء نزول الرئيس لتفقد بعض الجبهات العسكرية.
لقد رحل الرئيس الشهيد إلى ربِّه وترك قلوبنا من بعده متوجعة، لو عرضت في سوق الهموم والغموم والأحزان ما وجدت من يشتريها بأبخس الأثمان.
