محمد ناجي أحمد
كانت هزيمة 5 يونيو 1967م انتصاراً لغيبوبة الوعي الذي عبَّر عنه توفيق الحكيم، في كتيّب بائس بعنوان «عودة الوعي»، وقد سبقه عام 1972م في لقاء الكتاب والصحافيين بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، في صحيفة «الأهرام» المصرية حين طالب أولئك الكتّاب، وعلى رأسهم توفيق الحكيم، بالصلح مع إسرائيل، قبل أن يخوض السادات، حرب اكتوبر، ويحوّلها إلى هزيمة سياسية يعبر منها إلى الكنيست الإسرائيلي وإلى اتفاقية كامب ديفيد.
لقد كانت مواقف توفيق الحكيم، وحسين فوزي، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وأنيس منصور، وغيرهم، نتيجة طبيعية -بحسب الدكتور غالي شكري- لغياب الديمقراطية.
لقد كان هؤلاء هم السلطة الثقافية في العهد الناصري، فلقد حصل توفيق الحكيم على قلادة الجمهورية من جمال عبد الناصر، وحين هوجم من بعض الكتّاب قال ناصر إنه تأثر بكتاب «عودة الروح»، ومنع نشر مقالات نقدية تهاجم الحكيم.
وحين طالب الأزهر بمنع رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، أمر ناصر بالاستمرار بنشرها في صحيفة «الأهرام»، واكتفى بمنع طباعتها داخل مصر ككتاب في وسطية توفيقية منه بين حرية الابداع وموانع الأزهر.
بشّر الحكيم في «عودة الروح» بـ«الحركة المباركة» و«وحدة الكل في واحد»، لكن الحكيم ونجيب محفوظ وحسين فوزي، بحسب غالي شكري، في كتابه «مرآة المنفى - أسئلة في ثقافة النفط والحرب»، نشأوا في ثورة 1919م، ولا يستطيع الإنسان أن يكون نبياً لثورتين. فذلك الارتداد إنما هو تصريح عمّا كان مكبوتاً. «الحقيقة هي أن هؤلاء ينتمون إلى فكرة مصر المصرية»، وقد كانت فكرة وطنية منذ القرن الماضي، حتى ظهور الكيان الصهيوني .هنا اختلف الأمر ويرجع الفضل إلى جمال عبد الناصر شخصياً في أنه طرح على مستوى الشعب والشارع والرأي العام، لا في حلقات المثقفين الضيقة، اكتشاف مصر لوجهها العربي، بذلك سقطت مقولة «مصر المصرية»، ولكن أصحاب هذه الفكرة لم يدخلوا في حوار مفتوح مع الاكتشاف الجديد، فكان أن انغلقت القلوب والعقول على ما فيها ولم يتح لها أن تنفجر وتجهر بآرائها الحقيقية إلا عندما أتى نظام إقليمي معادٍ لعروبة مصر. حين ذاك، أفصح هؤلاء عن أفكارهم القديمة الجديدة بالنسبة للبعض. إن مصرية مصر بعد ظهور الدولة الصهيونية تنفي في استقامتها المنطقية العلاقة مع إسرائيل. وعروبة مصر وحدها هي التي تعتبر إسرائيل عدواً وطنياً وطبقياً وقومياً. لذلك سقط أصحاب «مصر المصرية» في أول امتحان لهوية مصر الحقيقية، وهو امتحان اكتوبر 1973م.
يؤكد غالي شكري، في كتابه آنف الذكر، على دور جمال عبد الناصر في نقل العروبة من ضيق النخبة إلى فضاء الجماهير، وكذلك على دوره كمعلم للقومية العربية وعروبة مصر، فيقول «أما البشر الذين تعلّمت منهم دائماً وأبدا فهم كثيرون، ولكن في طليعتهم ابن خلدون وسلامة موسى... ثم جمال عبد الناصر، فقد كان أول من كشف لي وللملايين وجه مصر العربي، دون فذلكة تاريخية بل زرع فينا الإيمان والوعي والإحساس الكامل بعروبتنا. لقد سبقته العروبة وستبقى من بعده، لكن فضله على جيلي أنه نقل المشاعر الضبابية الغائمة إلى حقائق، ثم إنه نقل الحقائق من دوائر المثقفين الضيقة إلى أوسع جماهير الشعب. وبالرغم من أن أية أخطاء أو سلبيات لا ينفرد بالمسؤولية عنها، فإنه أحد أبرز الذين علموني ما لا يقبل المحو من الجلد والعظم والدم».
الإنجاز الأصيل للناصرية هو اكتشاف القومية العربية
الذين عبروا عن غياب وعيهم في كتاب «عودة الوعي»، وشجعوا وتحمّسوا لإبعاد مصر من دائرتها وانتمائها العربي «لم يكونوا صادقين في ولائهم للثورة... لم يكن فكرهم معها، وحين أُتيحت لهم الفرصة للكشف عن وجوههم الحقيقية خلعوا كل الأقنعة»، فصاحب «عودة الروح» والمبشّر بـ«الحركة المباركة» قبل مجيئها كان في «عودة الوعي» معبّراً عن مأساة طبقة اجتماعية هي الطبقة الوسطى المصرية.
تتميز القومية العربية التي كرّسها جمال عبد الناصر، في أوساط الجماهير العربية، في أن الإسلام هو «أحد عناصر القومية العربية على عكس نشأة القوميات الأوربية تماماً حين كانت الكنيسة مؤسسة إقطاعية كما كانت المسيحية هي أيديولوجيا التحالف بين البابوات والأباطرة والنبلاء، بالتالي وقفت ضد البرجوازية الوليدة».
لقد كانت الناصرية - بحسب غالي شكري - آخر حلقات التوفيقية بين التراث والعصر، التي مرت برفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وطه حسين، وعلي عبد الرزاق، وخالد محمد خالد، وكلهم من رجال الأزهر الذين درس بعضهم في السوربون، في مزيج إصلاحي يناسب ميلاد الطبقة الوسطى الحديثة «وليس تركيباً يناسب الثورة الثقافية الشاملة».
لذلك، فالإنجاز الأصيل للناصرية هو «اكتشاف القومية العربية كمدخل إلى معادلة جديدة استحالت على الناصرية وعصرها ومجتمعها»، لذلك فمأزق الناصريين الحقيقي هو أنهم «يلتفون حول الشخص كالشارع الشعبي تماماً، وحول المنجزات أكثر من التفافهم حول نظرية من النظريات»، وهو برأي شكري في كتابه آنف الذكر «مأزق الحركة الوطنية المصرية والحركة القومية العربية، لأن الشارع الشعبي هو ناصري في الصميم، بمعنى أنه شارع المنجزات والشخص الذي كان والأهداف التي تبقت دون إنجاز... الناصرية أصبحت مشاعاً وطنياً وقومياً في مختلف الأحزاب والتيارات ولم تعد بحاجة إلى حزب خاص بها».
غالي شكري، لا يرى تناقضاً بين الماركسية والقومية، فـ«الماركسية بناء فكري وإحدى النظريات. أما القومية فهي هوية. وبالتالي فلا مقارنة بينهما على أي نحو من الأنحاء. كوني عربياً لا يجعلني مطلقاً في مواجهة الماركسية أو غيرها، فقد أكون عربياً ليبرالياً وقد أكون عربياً ماركسياً...لقد كانت الناصرية أمجد مراحل النهضة وآخرها».
الذين احتلوا أعلى المناصب الثقافية والسياسية في عهد جمال عبد الناصر، هم الذين وصفوها بأسوأ الصفات وانقلبوا على منجزاتها وهويتها «وكان المثقفون الحقيقيون الذين أيدوا الثورة في السجن والمعتقلات. الذين دافعوا عن الناصرية وعن جمال عبد الناصر بعد موته هم الذين لم يستفيدوا منه وهم الذين كانوا مسجونين في عصره».
لقد قامت ثورة 23 يوليو 1952م على أكتاف تنظيم «الضباط الأحرار» بقيادة جمال عبد الناصر، فأصبح إشعاعها وظلالها الوارفة ممتدة في حركات التحرر العربي، لتتشكل في الأقطار العربية الملكية والمحتلة تنظيمات «الضباط الأحرار» في اليمن والعراق والسودان وليبيا، ولتنتقل «جبهة التحرير» في الجزائر إلى طور جديد من «الجهاد» وتتأسّس «الجبهة القومية» لتحرير جنوب اليمن من الاحتلال البريطاني. وفي السعودية، تشكلت «كتلة الأمراء الأحرار» بقيادة شقيق الملك سعود الأمير طلال، الذي كان له وجماعته اتصال مع الرئيس عبد الناصر. وعندما لجأوا إلى مصر، سمّوا أنفسهم «السعوديين الأحرار»، بل تجاوز الاسم إلى الشعارات والأهداف مثل «إشاعة الديمقراطية وتصفية القاعدة الأمريكية وتحويل السعودية من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية»، بحسب ما يذكره عدنان عويد، في كتابه «معوقات حركات التحرر العربية في القرن العشرين».
مع هزيمة 5 يونيو 1967م، كان المشروع النهضوية الناصري يبدأ خطوات انكماشه داخلياً وعربياً، ففي الداخل انكفأت مصر على نفسها لتعيد بناء جيشها وتسترد كرامتها المهدورة في سيناء. وعربياً، كان انقلاب 5 نوفمبر 1967م في شمال اليمن، وفي الأردن كان أيلول الأسود 1970م، إيذاناً بتصفية القضية الفلسطينية. وفي القمم العربية أصبح المال الخليجي، وفي المقدّمة السعودية، هو المتصدر والموجه لدفة العرب ووجهتهم. حتى كان السادات ونهجه هو التتويج لما أرادوه من وأد لمصر كقاعدة للمشروع القومي الوحدوي العربي.
نشرفي موقع العربي.
