بقلم / د.م. ريم عبد الغني :
التاريخ ليس عادلاً دائماً، ربما لأن من يكتبه ويرويه بشر، ليس بوسعهم التجرد الكامل عن معتقداتهم وعقدهم... وفي حين دخل كافور حاكم مصر التاريخ بسبب كراهية المتنبي له:
لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن يسيء بي فيه عبد وهو محمود
دخل أبو فراس الحمداني التاريخ أيضاً، عبر المتنبي ذاته، لكن من باب المحبة والاعجاب:
هو البحر غُصْ فيه إذا كـــان راكدا علـى الدُّرِّ واحذره إذا كـان مُزْبَدا
وصُولٌ إلى المســتصعبات بِـــخَيْلِه فلو كان قَرْنُ الشـمس ماءً لأَوْرَدَا
والله أعلم بحقيقتهما... كافور وسيف الدولة الحمداني... فهناك كثيرون ظلمهم التاريخ.. البعض أُنصفوا لاحقاً، أحياناً بعد مئات السنين، والبعض بقي ضحية افتراء... أو بطل زور..
*****
في صورته العالية وسط جدار صالة الاستقبال، يبدو جدي رحمه الله ببزته العسكرية، ممتطياً حصانه الرمادي... مهيباً كتمثال منحوت لبطل...
نادراً ما يمر نهار لا تذكر فيه أمي والدها... ولا زالت ترفع كتفيها وهامتها بكبرياء حين تتحدث عنه.. قبل أن تذرف دموعها كالعادة بصمت..
لم تفارق مرارة الظلم حلقها.. منذ صباح ذلك اليوم في رمضان قبل خمسين عاماً تقريباً.. كأنها ما زالت تراه بقامته الفارعة وعينيه الحانيتين وابتسامته الخجلى تحت شاربيه القصيرين.. يحتضنها عند الباب مودعاً
"ابق لدينا اليوم يا أبي على الإفطار.. سيفرح بك زوجي والأولاد، تعرف كم يحبونك"...
"لا يا ابنتي علي أن أعود للبيت.. زرت أختك ليلى في بيتها قبلك، أردت فقط الإطمئنان عليكما"
كأن الله شاء له أن يودعهما يومها.. ربما كان حدسه ينبئه...
تقول أمي أنه عانقها وربت بحب على خدها... فاجأتها الحركة من الرجل الحازم الذي - بحكم عمله العسكري- نادراً ما كان يظهر عواطفه.. إلا حينما يعتقد أنه وحده، فيبكي طويلاً أمام صورة والدته المتوفاة ... بهية التي كان يحبها كثيراً، كان سندها بعد استشهاد والده في الحرب العالمية الأولى... وهو من ربى فيما بعد أخوته الأربعة وعلمهم...
ما زالت أمي تعيش لحظة الفراق كلما ذكرتها.. ما زالت ترى كتفيه العريضتين وقد استدار ببزته الرمادية الأنيقة وطربوشه الأحمر ليستقل دراجته النارية.. ثم ابتعد ... ولم يعد..
بعد دقائق من إغلاقها الباب خلفه.. وكانت رائحة عطره ما زالت فوق شعرها حيث قبلها.. فارق جدي الحياة...
****
كان والديّ يسكنان في ما يُسمى اليوم "حارة الأمريكان"... وفي منتصف الشارع تقريباً، تقع فيلا الدكتور شاكر نعمة.. صديق جدي.. وغير بعيد عنها.. كان الدكتور شاكر يقف محتداً يتشاجر مع رجل قصير.. وكان بينهما خلاف قضائي، كون الرجل لم يعد يفي للطبيب بإيجارات محل كان قد استأجره منه، الشهود قالوا إن الطبيب استغاث بجدي الذي كان عابراً بدراجته "يا حمزة".. فترجل محاولاً فض الخلاف.. واستدار مبعداً صديقه ليدخلا حديقة بيته، فأخرج المجرم سكينه ليطعن جدي ثم الدكتور في ظهريهما على التوالي، عشرات الطعنات الهستيرية... وسقط الرجلان جثث هامدة على درجات المدخل..
تناقل العامة بعدها ما استخلصوه من عبرة... لم يكن ليُقتل لولا تدخله.... لأن "الباب اللي بيجيك منو الريح سدو واستريح"... وإذا استغاث بك أحد فـ "الأعمى طبو مانك أرحم من ربه" و"الضربة بغيري مثل الشخط ع الحيط"... دعهم "فخار يكسر بعضو" و"امشي الحيط الحيط وقول يا ربي السترة" لأن "مئة مرة جبان ولا مرة الله يرحمه". و"ألف عين تبكي وعين أمي ماتبكي" و "من بعدي ما حدا يعيش"... "يا روح ما بعدك روح.".... إلى آخر سلسلة أمثال عصر الخواء والقبح... أجل... من هذا المنظور.. وبدلاً من أن يخلد رمزاً للشهامة والوفاء، صار حمزة قربة مضرب مثل في الفضول تناقلته أجيال اللاذقية دون معرفة الحقيقة الكاملة... "لا تقربوا الصلاة"... بدون "وأنتم سكارى"...
إذاً.. هل كان عليه أن يكون جباناً ونذلاً كي يعيش؟... لو تظاهر أبو عزت في ذلك اليوم المشؤوم من ديسمبر بأنه لم ير الشجار ولا سمع استغاثة صديقه، ربما كان عاش ليرى أحفاده .. وأنا منهم.. لكن، بما سمعته عنه، أعتقد أنه لو عاد للحياة مجدداً لاختار –بل وتمنينا له-ذات المصير... على أن يُقال أنه جبان باء بصديقه..
وكما يقولون "موتة وعصة قبر"... فقد فارق الحياة وأهينت ذكراه...
لم يدفع حياته ثمن وفاءه لصديقه فحسب، بل وحياة أسرته أيضاً، فقد مرضت جدتي وداد ولحقت به بعد أقل من عام... كم تبدو في صورها طيبة وحزينة... كانت ابنة خاله التي أحبها، وأنجبت له خمس أولاد وخمسة بنات، كان أصغرهم يومها في العاشرة...فاضطرت خالتي بهية بعد وفاة جدتي، أن تنذر حياتها لتربية أخويها الصغيرين وتعليمهما.... وماتت في خمسينيات عمرها بعد حياة قاسية ..
وفي الخمسينيات من عمره أيضاً توفي خالي الأكبر عزت رحمه الله، بعد أن استفحل به داء السكري الذي أهاجه حزن مقتل والده.. وتوفي خالي جميل أيضاً.. رحل الثلاثة للأسف قبل أن يشهدوا يوماً يعلو فيه صوت يطالب بإعادة الاعتبار لوالدهم الذي قُتل وتمزقت أسرته جزاء نخوته..
ولأني شاهد من أهله... لا يُعتد بشهادتي كثيراً... ها أنا ذا أنقل لكم صوتاً ارتفع بعد أكثر من خمسة عقود يطالب بإعادة الاعتبار لهذا "البطل".. سطور فاجأتنا ذات صباح في صحيفة الوحدة في اللاذقية.. كتبتها الدكتورة ريم هلال... ومما قالته فيها:
"ومنذ تلك الآونة ،تحوَّلَ السيِّد حمزة قربة، إلى مضرب مثل فيمن ينال جزاءه السيئ، لدى تدخُّله في شؤون سواه. أيا أهلَ مجتمعنا.. ومتى كانت المروءة كثرةَ غلبة ؟ ألم تسمعوا بهذه القِيَم من قبل؟ المروءة والشهامة والأريحيّة والتضحية؟ ثم بالله أسألكم: ماذا سيكون موقفكم، في حال شهدتم أحداً يخصُّكم يتعرّض لِما تعرّض له الطبيب نعمة ؟ أو ماذا سيكون حالكم أنتم، إذا ما تعرّضتم لِما تعرّض له الطبيب نعمة؟ اسمحوا لي أن أقدّم انحنائي للسيّد حمزة قربة، الذي أُصِرُّ على أن أُسمّيه شهيداً، ألفُ رحمة على مُثُلك النادرة وخُلُقك السامي."
نشر المقال على الفيسبوك وتابعت التعليقات باهتمام... معظمها ترحم على حمزة قربة وأسف لما لحق به من حيف.. بل ذهب بعضهم إلى اقتراح تسمية شارع باسمه أو نصب تمثال يخلد الحالة والشخص.. ووجدت نفسي أبحث عن رقم هاتف الدكتورة ريم التي لم ألتق بها أبداً، لأحييها على لفتتها الكريمة التي تدعو لرفع ظلم سام جدي عقوداً... مبلسمة بعض جراح عائلة فقدت رأسها وطعنت في قلبها..
لا أنسى التنهيدة التي أفلتت من أمي بعد أن قرأت المقال... زفرة حارة طويلة يصحبها أنين كُبت خمسين عاماً في الصدر.. كأن جدي قد دفن الآن فقط..
وما يزال كل فرد من سلالته، ومنهم كاتبة هذه السطور، يُطعن بسكين كلما سمع عبارات مثل "لا تكن فضولياً كحمزة قربة"...أو "لا تتحمزن"... سامح الله الجميع.. ورحم الله حمزة قربة الذي -برأيي- يستحق إنصاف طال انتظاره... فقد آن لهذا الفارس أن يترجل...
*****
أخيراً... في الظروف الصعبة التي تعيشها سورية اليوم... ربما من المفيد أن أشير إلى أن قصة جدي هي صفحة من كتاب المجتمع السوري الأصيل... ما رُبينا عليه من محبة ووفاء وتسامح.. وهل أدل على ذلك من أن صديق جدي الحميم الذي استشهد فداء له- الدكتور شاكر نعمة رحمة الله عليهما- كان مسيحياً؟
وبعد... أليس عيباً بعد ذلك أن يفكر أحد بتشجيع اقتلاع أي جزء من الموزاييك السوري البديع الذي تشكل عبر آلاف السنين والتحم بملاط التاريخ والتعايش الطويل والدم؟...
