السبئي بقلم /ضرار البستنجي
لسنوات ظل لبنان يوصف بأنه مقياس التوتر في المنطقة وظل تفاعل الاحداث في (لبنان الباروميتر) مؤشراً على التجاذبات والاصطفافات في المنطقة ، كيف لا ولبنان - المحكوم باتفاق الطائف الطائفي- مرتع لأجهزة استخبارات كل الدول المعنية
بالمنطقة - وما أكثرها- ، كما ان لبنان الذي انهكته حرب اهلية طاحنة استمرت لاكثر من عقد ونصف، ( يعج) بقوىً وتيارات سياسية تمتد تحالفات الغالبية العظمى منها بشكل واضح لمابعد الحدود ، وترتبط بشكل او بآخر بالدول المؤثرة في الاقليم بل والعالم ، تتوافق حيناً وتتناحر احياناً ، وتظل السمة الأبرز هي الاصطفاف الذي يفرضه تصارع مشروعا المنطقة ، المقاوم الذي تقوده سورية وايران ويمثله في لبنان قوى المقاومة والتيارات القومية والتحررية الرافضة للتبعية، ومشروع التبعية الذي تقوده واشنطن وتل ابيب وتشرف عليه بشكل مباشر الرياض ويعبر عنه داخليا ماسمي بجماعة ١٤ اذار التي يقودها الحريري الابن ويشاركه جعجع والجميّل ومن لف لفهم ، فيما يتأرجح بين البينين البيك وليد جنبلاط وفق ماترتئيه براغماتيته التي تجاوزت كل الحدود .
الاصطفاف الحاد الذي يشهده لبنان ليس وليد اليوم وان زادت الأزمة السورية من حدته ، كما شكّل اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري في شباط ٢٠٠٥ بتفجير هائل هز وسط بيروت ، شرارة التغيير الجذري لواقع لبنان وللتموضع الذي ترجم هذا الاصطفاف الذي كانت تغلفه مرحلة اللاحرب واللاسلم التي حكمت علاقة المعسكرين في الاقليم إضافة الى التواجد السوري الذي كان يضبط ايقاع الواقع اللبناني وفق المصلحة الوطنية للقطرين وبما يمنع جر لبنان الى المعسكر الامريكي ويوفر للمقاومة اللبنانية مايلزمها من دعم وسلاح ناهيك عن تهيئة الظروف اللازمة للانصراف نحو العمل المقاوم و التدريب والاستعداد لمواجهة العدو بدل الانشغال في السياسة وقلقها، ماحقق التحرير في ايار ٢٠٠٠ .
لم يظهر قاتل الحريري بعد، وإن كانت قوى التبعية في لبنان تصر منذ اللحظة الاولى على اتهام سورية وحلفائها في لبنان وعلى رأسهم حزب الله ، فيما لم توجه أي اصبع اتهام نحو العدو الصهيوني - المستفيد الأول من الجريمة-، في اصرار مشبوه على تبرئة ساحته ، لم تثبت الوقائع ولا موازين الربح والخسارة لاحقاً صحة الاتهامات التي وجهت لتيار المقاومة، بل على العكس ثبت بأن سورية و(لبنان - القوى الوطنية) اكبر الخاسرين وأن العدو ومعسكره اكثر من استفاد، وهنا لابد من الاشارة الى غياب ( اقرأ تغييب) المحكمة الدولية التي أنشئت للتحقيق في اغتيال الحريري والتي لم تستأنف عملها منذ حزيران الماضي حين وجهت اتهاماً لم تترجمه إجرائياً بشكل فعلي بعد ، ماقد يعني - رغم الحديث عن اعلان منتصف الشهر القادم موعداً لاستئناف عملها- تعمد تأجيل ( استثمارها) ضد هذه الجهة او تلك لحين انقشاع غبار الحرب في سورية ولحين اتضاح مآلات الحراك والتجاذبات في المنطقة، مايجعلها ،ان صح ذلك، سيفاً مسلطاً على الجميع وفرصةً لخلط الأوراق ان استدعت الحاجة الامريكية - بالذات- ذلك.
تداعيات اغتيال الحريري أنهت عملياً الوجود السوري في لبنان بعد نحو ثلاثة عقود من تواجد أرسى الاستقرار وخدم القطرين ، ففرض الخروج السوري على المقاومة معادلة جديدة منهكة حاول العدو تكريسها واستثمارها بعدوانه الذي لاقى دعما من حلفائه داخل لبنان في تموز ٢٠٠٦، لكنه مني بفشل مدوٍ، بل بخسارة مذلة، رغم استمرار الحرب لأكثر من شهر.
في لبنان اذا يتجلى بوضوح الخلاف العربي العربي ، الذي يعبر عنه بجلاء خلاف دمشق - الرياض الذي يمتد لماهو ابعد من حدود القطرين الشقيقين بل وابعد من خلاف النظامين ، هو صراع المحورين في المنطقة،
سورية من جهتها لاتملك بديلا عن الاهتمام بل والامتداد الى الساحة اللبنانية ، كيف لا ولبنان خاصرة سورية الهشة والتي يراد لها ان تكون مكسر العصى في وحدة سورية ومشروعها القومي المقاوم ، فهي محكومةٌ اذا بالدفاع عن نفسها في لبنان للوقوف في وجه المشروع الاخر من جهة ولان الصراع على الساحة اللبنانية بات اشبه بفصل آخر من فصول الحرب الطاحنة في/ وعلى سورية من جهة اخرى، خاصة بعد أن باتت الحدود مع لبنان الشريان الأهم لتهريب المسلحين والسلاح الى الداخل السوري ، فيما السعودية - الحليف العربي الأبرز لواشنطن( اقرأ التابع الأبرز) - الساعية الى توسيع وربما استدراك نفوذ عنوانه الشرعية الدينية والطائفية، والتمويل اللامحدود ، حريصة على اجهاض المشروع المقاوم ونفوذ ايران عبر محاولات الحفاظ على نفوذها في لبنان ، ولو بذات منطقها الدموي العابث في العراق والذي يحمل ذات الاهداف ، فهي لاتزال مصرة على تأجيج الصراع في لبنان وعلى اذكاء نار الفتنة ، تماماً كإصرارها على الذهاب في محاولة اسقاط سورية الى أبعد مايمكن رغم التراجع القسري الملحوظ لمحور حلفائها في الحرب بمافيهم سيد المحور ( الامريكي) خاصة بعد الاتفاقين، الكيميائي السوري فالنووي الايراني، والهزائم المتتالية لأدواته على الأرض.
وفيما تبدو دمشق التي توشك على الخروج ( غيرمهزومة) من حرب فرضتها مؤامرة تستمر منذ نحو ثلاثة اعوام ، محكومة -بالعموم وفي لبنان بالذات - بتوافقات مع الحلفاء ( اقرأ استحقاقات) فرضها دعم الحلف الروسي - الايراني لها وصلابته في الوقوف الى جانبها ، سيما وان لطهران الحضور الاهم بل والاقوى على الساحة اللبنانية المتمثل بحليفها وحليف دمشق - حكما- حزب الله ، تعيش الرياض اصعب اوقاتها وربما اخطر مراحلها السياسية ، فالرياض التي خسرت معركة اسقاط الأسد من جهة ومعركة اضعاف ايران من جهة أخرى تعصف بها ، من جهة ثالثة، تداعيات داخلية تتمثل بخلافات حادة داخل العائلة الحاكمة وبتحريكٍ غير مسبوق لملفات حقوق الانسان التي تنذر بفتح ابواب كل الاحتمالات نحو تغيير واقع المملكة التي تكاد تعيش خارج التاريخ وتبدو سائرةً بعكس اتجاه الاحداث.
الصراع السوري السعودي في لبنان يزيد من حدته النفوذ الايراني الذي يبدو ذاهبا نحو التمدد بعد الاتفاق المبدئي بين ايران ومجموعة (٥+١) من جهة ومن جهة اخرى المطامع الصهيونية التي لاتتوقف في المنطقة أضف اليها في هذه المرحلة بالذات القلق الصهيوني من تراجع أهمية دوره الوظيفي الذي زرع في الوطن العربي لتحقيقه.
داخلياً، ظلت المماحكة والمراوحة وفراغ السلطة بشكل او بآخر سمة الواقع السياسي في لبنان واستثمر محور واشنطن - تل ابيب الواقع المشحون لتأجيج حالة الشحن الطائفي الموجود اصلا والذي بدأت بوادر تعميمه على المنطقة تأخذ شكلا جدياً انبرت السعودية بوضوح وقطر من خلف ستار لتكريسه بحيث بدأ حرف بوصلة وعي الصراع من عربي صهيوني الى صراع مذهبي بحت، ينذر بمستقبل دموي قاتل على المنطقة وفي مقدمتها لبنان الذي بدأت بوادره من خلال التجييش والتسلح وتصعيد الخطاب الذي بدأ يمارسه بوضوح مايسمى قوى ١٤ آذار المستند الى دعم خارجي مطلق ، والذي ترجم في ايار ٢٠٠٨ بالقرار الأخطر لحكومة فؤاد السنيورة - الفاقدة للشرعية التمثيلية بحكم تعليق وزراء حزب الله وحركة امل منها والقاضي بتفكيك شريان المقاومة الآمن والاهم - شبكة الاتصالات السلكية - ،التي لطالما حلم العدو بالتخلص منها، ورافق ذلك أو سبقه بقليل الاستعداد الواضح لدى قوى ١٤ اذار لمواجهة داخلية تعزز اضعاف المقاومة أمام العدو وضرب مكانة الجيش اللبناني ، فأُنشئت ماسميت بالمكاتب الامنية وشركات الحماية التي لم تكن الا ميليشيات مسلحة تنتشر في بيروت بشكل خاص وتعيث فسادا بمصالح المواطنين وتزيد من حدة الغضب الشعبي بانتظار ساعة الانفجار، فكانت بدلاً من ذلك ساعة الحسم والتبريد ،وفق توقيت المعسكر المقاوم الذي أنهى في ساعات كل مظاهر التضييق والتسلح وغرف التجسس في السابع من ايار ٢٠٠٨ .
قبلها وتحديدا في ٢٠٠٧ ، كان أمام لبنان فرصة تاريخية لوضع الأمور في نصابها الوطني لو أن قوى ١٤ آذار وقفت خلف الجيش اللبناني كما القوى الوطنية ودعمته ولم تنقلب على شرعيته وشعبيته بعيد تصديه لحالة ( فتح الاسلام) في مخيم نهر البارد، بدلا من الاستثمار في الأمن الخاص كحالة بديلة عنه - اضافة لغايات اخرى- .
ذلك التصدي أعاد الاعتبار لمؤسسة الجيش وخلق اصطفافاً شعبياً عززه توق اللبنانيين لعودة الثقة بالمؤسسة العسكرية التي تمثل الجميع والخشية من تفجر حالة الاستقطاب والتحريض ،كما شكّل تدخل الجيش صمام الأمان الذي منع تفجر الوضع او أخذ الامور نحو تفجر طائفي أخطر مافيه إقحام المخيم في الاصطفاف الداخلي ما يهدد بتدمير لبنان وربما المنطقة ، وهو ماحققه ايضاً تدخل الجيش (لاحقاً) في مواجهة حالة المدعو احمد الاسير وميليشياته قبل اشهر في صيدا.
القوى الوطنية في لبنان دعمت الجيش في نهر البارد كما كل الاستحقاقات الاخرى، وتجنبت كل محاولات جرها الى فخ الاقتتال الداخلي الطائفي ، وحتى حين استدعت الظروف ضرورة الحسم في ٧ ايار جرى الحسم بمشاركة كل القوى الوطنية بحكم الشراكة في الوطن وتجنباً لاعطاء ذريعة للتفجير خاصة وان مخطط الطرف الأخر بتحييد الجيش هنا ( اقرأ تهميشه) كان محكماً بحيث كان تدخله سيحسب اصطفافاً مع فئة ضد أخرى او تمرداً على قرار حكومي، وهو مالايصح.
استمر التحريض على المقاومة في لبنان ولايصدق عاقل ان سببه كان التدخل الميداني الاضطراري لحزب الله الى جانب الجيش العربي السوري في معركة القصير -الحدودية مع لبنان- بشكل فاعل وبشكل جزئي في مناطق اخرى، كما يروج تيار التبعية في لبنان،
فالتحريض على المقاومة لم يتوقف يوماً ولاننسى اقذر فصوله حين اصطف محور التبعية وعلى رأسه الرياض ومصر مبارك وأتباعهم داخل لبنان ضد المقاومة في حرب تموز ٢٠٠٦ ووصفوا حزب الله بالمغامر وسعوا بكل جهد لإعطاء العدو الصهيوني مبررات وفرص تدمير المقاومة ومشروعها،
العداء والتحريض اذا تاريخي وممنهج ولاعلاقة له بالقصير ولابغيرها، ثم ، كيف يلام حزب الله الذي يدرك ان سقوط سورية يعني نهايته الحتمية كقوة مقاومة يافعة تحمل مشروع الأمة القومي - بعد ان حققت الانتصار الذي أذل عدو الأمة الصهيوني في ايار ٢٠٠٠ وتموز ٢٠٠٦-، على الوقوف الى جانب دمشق ؟؟، وبالمقابل ألم تتدخل الكثير من الجهات المتطرفة في لبنان ، والمدعومة من حلفاء الرياض- واشنطن في الاتجاه الاخر في الحرب على سورية، قبل حتى تدخل حزب الله وبشوط طويل؟؟؟ ، سواءً بالمشاركة المباشرة كما في حالة اتباع المدعو أحمد الاسير ، التابع للحريري الابن،الذي كان يتفاخر بقتاله الى جانب الارهابيين في المناطق السورية المحاذية للحدود مع لبنان وبالصوت والصورة، او من خلال التمويل وتهريب السلاح و المسلحين عبر الحدود الجبلية، ناهيك عن حجم التحريض والتضليل الذي مارسته كثير من قوى التبعية في لبنان ووسائل إعلامها على الدولة السورية، فكيف يكون حلالاً على عصابات الحريري والأسير الساعية للتخريب وتدمير الأمة وحراماً على المقاومة التي تدافع عن آخر قلاع المشروع القومي العربي المقاوم؟؟، هو اذا قول باطل اريد به باطل.
رسميا يعيش لبنان أزمة مركبة ليس الفراغ الحكومي او الفشل في تشكيل حكومة على مدى اشهر أكبر تجلياتها، فأزمة الاستحقاق الرئاسي القريب ليست أقل عمقاً ، ولعل ماعزز الأزمة الرسمية انتهاج لبنان منذ بداية الأزمة السورية ما أسماه ( سياسة النأي بالنفس) ، ولا نعرف كيف يكون نأياً بالنفس في ظل تلازم التأثر والمصير من جهة وتدخل معظم القوى السياسية اللبنانية بشكل مباشر في الازمة من جهة أخرى، هو موقف تفرضه حالة الفراغ الحكومي الممستمر منذ اشهر وحدة الاصطفاف الداخلي والدولي ازاء الحدث السوري ويعززه ضعف الرئيس اللبناني المتأرجح -دون رؤية واضحة- ميشيل سليمان.
اليوم تقترب الأزمة السورية من نهايتها، ورغم ان البوادر لاتوحي بأن مؤتمر جنيف ٢ سيعقد في الوقت المعلن عنه منتصف الشهر الاول من العام القادم ، الا ان الثابت ان نتائج المؤتمر محكومة بتطورات الحرب على الارض - والتي تظهر غلبة واضحةً للجيش العربي السوري -، من جهة، وتداعيات التقارب الغربي الايراني من جهة اخرى اضافة الى الحراك الصهيوني الذي قد يسعى الى خلط الاوراق في اللحظة الاخيرة،
لكن ماذا بشأن لبنان؟.
كل الاحتمالات واردة في لبنان، وفي حين ان القوى الوطنية المقاومة تكرس ذاتها حالة وطنية تثير الاعتزاز لما تبديه من حرص شديد على الحفاظ على استقرار لبنان ومنع تفجر الصراع الطائفي انطلاقاً من الإيمان بضرورة ضمان استمرار توجيه الجهد نحو محاربة العدو او ردعه على الاقل، وبأن صمود لبنان ووحدته تنعكس ايجاباً على محيطه العربي وتحقق المصلحة العربية المشتركة، ففي الوقت الذي يتهدد الوطن العربي مخاطر الفوضى وتقسيم جديد تدرك القوى الوطنية في لبنان ان مجرد الحفاظ على وحدة البنية القُطرية يُعَد ضرورة وطنية وقومية ملحة ، وهو بالمناسبة مايفترض ان يصبح هدفاً مرحلياً لكل المخلصين في عموم الوطن اذا ما أردنا الحفاظ على جذوة مشروع الامة القومي المقاوم،
تسعى بالمقابل قوى التبعية للهيمنة الغربية لتفجير الواقع لقلب طاولة خسائر محورها المتتالية - عسكرياً وسياسياً- في المنطقة، معززة بمساعي الرياض التي تبحث عما يعيد لها دوراً في واجهة الاحداث ومأزق تل ابيب التي قد لاتمانع بخوض حرب (اضطرارية) ان كانت تضمن عودة الواقع لما كان عليه بحيث يحقق لها استمرار دورها الذي لاتتقن غيره ، بغض النظر عن شكل الحرب مع المقاومة او عن نتائجها الآنية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول أمرين خطيرين ، أمران مترابطان ويؤثر فيهما بشدة تطور الواقع اللبناني، ولابد من التنبه لهما ،
اولا، مستقبل قدرة سورية الدولة على التأثير في المنطقة والحفاظ على نفوذها، والذي يؤثر فيه - إضافة الى تداعيات الحرب الطاحنة التي تخوضها -، استحقاقات الموقف الروسي الايراني الذي دعمها، وتخلي العرب عنها ، بل وإمعان بعضهم في التآمر عليها والسعي لتدميرها اضافة الى (التصدع) الذي اصاب مشروعها القومي العربي ومقومات استمرارها دولة محورية ذات تأثير حقيقي في المحيط مايستدعي مواجهة مخططات تركيعها او تحويلها الى دولة فاشلةً او أداةً طالما فشلت مخططات انهائها وتدميرها تماماً،وأجزم بأن في سورية من يجّد في مواجهة هذا السيناريو ،
وثانياً، مآلات الازمة التي تعيشها كل من الرياض وتل ابيب وخطورة مساعي الأخيرة لترجمتها تعاوناً ثنائياً لم تخفِ مصادر العدو التصريح بنواياها لتحقيقه، ويبدو أن في الرياض من يسعى أيضاً لتحقيقه، مايعتبر السيناريو الأخطر على الرياض والأمة والمنطقة، ومايستدعي موقفاً مخلصاً ينقذ الرياض ، رغم دورها السلبي الهائل، من السقوط الحتمي في احضان الكيان الصهيوني بشكل معلن ومباشر وشامل هذه المرة .
في الأثناء يعود الى الواجهة بقوة الحديث عن الارهاب ، هذه الحالة التي كُرست منذ احداث البرجين في ٢٠٠١ كأحد اهم عوامل خدمة المشروع الامريكي الساعي الى احكام الهيمنة على العالم ، وكأهم العوامل التي تحول دون الاستقرار والتنمية في المنطقة، والمتمثل في التطرف الذي يقوده بشكل أساسي تنظيم القاعدة ،
الارهاب المتطرف الذي يجتاح المنطقة ويتغلغل فيها متجاوزاً كل منطق يقدم هذه المرة طوق النجاة للغرب الذي أوجده، والباحث عن شماعة يعلق عليها مبررات تراجع مشروعه في المنطقة وتغيير مخططاته نحو التخلي عن المضي في حربه او اعتماد الخيار العسكري نحو الرضوخ الى الخيار السياسي، - ذو الكلفة الاقل- .
فالحالة المتطرفة في وطننا والتي لم تقدم يوماً مشروعاً او حلولاً لمشاكل الواقع العربي ولم تصطدم بأي شكل مع محور أعداء الامتين، العربية والاسلامية، عادت الى الواجهة بشكل فعلي بعد ان ازدادت حدته في سورية جراء تسلل الآلاف من العناصر المتطرفة من معظم دول العالم وبدعم من معظم دول المنطقة، اللى الداخل السوري ( للجهاد!!!) ضد الدولة السورية ومامارسته هذه العناصر التي تنضوي في معظمها تحت راية جبهة النصرة وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ( داعش) من قتل وتخريب وتدمير باسم الاسلام - البريء منها- مدعومة بفتاوى لم تخطر يوماً على بال بشر، كما ازدياد التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخمة في العراق ومؤخرا في لبنان.
التحذير العالمي من الارهاب لم يأتِ خوفاً على سورية او العراق او لبنان حكماً ، العالم الغربي بدأ يدق ناقوس خطر الارهاب لفتح الباب أمام كل الاحتمالات تجاه المنطقة، والذرائع يوفرها سلوك هذه الجماعات ، فالغرب بدأ يسوق حججاً كتهدد مصالحه في المنطقة من قبل هذه الجماعات اضافة الى خطرها على الأخر بمافيه أشقاؤنا مسيحيو المشرق الذين يجد الغرب نفسه مضطراً لادعاء الدفاع عنهم، كما الخشية من الخطر الذي قد يشكله هؤلاء في حال عودتهم او بعضهم الى الدول التي جاؤوا منها معززين بتدريب ميداني وبتنظيم مترابط سيمتد عبر حدود كل الدول.
كل هذه الذرائع ستكون كافيةً لتبرير الاستدارة التي يبدو ان المعسكر الغربي
وعلى رأسه واشنطن سيضطر للقيام بها جاراً اذيال هزيمة عميقة امام سورية ومحور حلفائها.
الارهاب اذا بات يهدد الجميع ، أو هكذا يشاع، وبات العامل المشترك الوحيد- ربما- الذي يجمع كل الاطراف رغم تصارعها في اكثر من ساحة،
محور واشنطن وحلفائها يحذر من الارهاب ويتوعد بمحاربته بحجة الخوف من القادم ومحور موسكو طهران دمشق في عين العاصفة بشكل فعلي، سواءً بالنسبة لسورية التي تخوض حرباً مع المتطرفين على امتداد الجغرافيا السورية او لإيران التي تقع في عين الاستهداف لجهة الفتاوى والتحريض الطائفي ضدها، او حتى لروسيا التي تخشى عودة الارهاب بقوة الى الشيشان خاصة وان البوادر باتت واضحة في ضوء تواجد المئات من المقاتلين الشيشان في سورية وتهديدهم الواضح باعتبار سورية مجرد ساحة تدريب للمعركة الفعلية هناك ، ضد روسيا.
وبالعودة الى لبنان لايقل تهديد الارهاب داخل لبنان عن غيره ، بل على العكس قد تكون تداعياته اخطر ، الازمة السورية وتواجد المسلحين في المناطق الحدودية للقطرين ، وضعف الدولة ومؤسساتها بمافيها الجيش ، والتحريض الطائفي المتصاعد والمأزق الذي تعيشه كل من الرياض وتل ابيب وأدواتها في لبنان، كل هذه الاسباب قد تجعل لبنان ساحة التفجير الحقيقي في المنطقة،
في التفاصيل ، حزب الله يؤكد ان الحرب مع التطرف اولوية، فهو يدرك انه كقوة مقاومة المستهدف الاول من انتشاره، فيما التحريض ضد المقاومة لايتوقف بل يشتد ويأخذ أبعاداً خطيرة ، في الاثناء يأتي تفجير سيارة مفخخة في ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله، يتبعه آخر في طرابلس ثم تعاد الكرة في الضاحية من جديد، ناهيك عن ضبط سيارات اخرى قبل تفجيرها، ثم استهداف السفارة الإيرانية في بيروت بتفجيرين انتحاريين يفصل بينهما دقائق ، ثم اغتيال القائد العسكري البارز في حزب الله ( حسان اللقيس) برصاص مجهولين في بيروت،
ثم جاء تجدد الاشتباك المسلح المتكرر ،وذو الصبغة الطائفية البحتة بين مسلحين في حيي جبل محسن وباب التبانة في طرابلس ، وأحداث المدعو احمد الاسير وغيرها في صيدا، والاعتداءات المتكررة على عناصر الأمن، هذه الاحداث اذا ما أضيف لها الحديث المتزايد والموثق عن تشكل خلايا ارهاب متطرفة في عدة مناطق في لبنان وفي مقدمتها بعض المخيمات الفلسطينية ، كلها تنذر بالقادم الأسوأ.
لاشك ان محور المقاومة في لبنان وجمهورها كما كل الوطنيين المخلصين هناك يجدّون لمنع الانجرار الى صراع داخلي سيدمر لبنان الى الأبد ، لكن كل الاحداث اثبتت ان صمام الأمان الحقيقي لأمان لبنان هو في اجماع القوى السياسية اللبنانية كافة على اختيار الاصطفاف في معسكر المشروع القومي المقاوم وفي الحفاظ على وحدة لبنان ،وفي اعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة اللبنانية وفي مقدمتها الجيش ، اكثر حتى من استقرار الاصطفاف الدولي وتبريد حدته،
ولنا أن نتخيل حال لبنان لو أن حالةً مثل ميليشيات احمد الاسير في صيدا أو عناصر ماسمي فتح الاسلام في مخيم نهر البارد لم تعالج ببنادق الجيش اللبناني او تركت لتأخذ مداها الأوسع في ظل الواقع الداخلي اللبناني.
لبنان اذا مقبل على واقعٍ مخيف قد لاتكون أخطر سيناريوهاته حرباً اسرائيلية على المقاومة ، الاقتتال الداخلي قد يكون القشة التي تشعل المنطقة بأسرها فيصير لبنان مفجر المنطقة وعنصر التوتير بعد عقود ظل يعتبر فيها مقياس التوتر والتأثر ليس إلا.
الاقتتال الداخلي قد يتعدى حدود التفجير الاقليمي والحرب الاهلية هذه المرة ، فالرسائل التي نفهمها من زج المخيمات الفلسطينية في الحديث عن معادلة الارهاب بحكم تواجد عناصر الجماعات المسلحة المتطرفة فيها والعمل الدؤوب والمشبوه منذ سنوات لتكريس اصطفاف المخيم كجزء من المكون السني في لبنان ينذر بماهو اخطر من حرب اهلية دموية بين الطوائف ، لجهة ماقد يتبع تفجر الوضع من تفاعل دولي سيكون على سلم اولوياته تكريس التقسيم في لبنان وايجاد حل لفلسطينيي لبنان لن يتعدى توطينهم - خارج لبنان على الأرجح - وبالتالي انهاء حقهم بالعودة الى ارضهم الى الأبد، مايثبته حجم الضغوط التي لاتزال تمارس على دمشق للرضوخ او غض الطرف -على الاقل- عن توطين لاجئي سورية كبند من بنود ( اقرأ شروط) ايقاف الحرب عليها.
في ضوء كل ذلك تبرز النقاط التالية
- ضمن القراءة الدقيقة لواقع الصراع في المنطقة وعليها وفي لبنان تحديداً يظهر جلياً وبإلحاح ان على المخلصين في كل الاقطار العربية وفي مقدمتها سورية والسعودية الدفع نحو انتهاج التهدئة وحل الخلافات البينية فيما بينها او ترحيلها دون ترجمتها لمواقف عدائية على الأقل، لأن استمرار الواقع بالسير كما يخطط له سيجلب الدمار لهذه الأمة وسيكرس كل الأقطار العربية كمجرد أدوات بيد المشاريع المختلفة والتي استفادت ذاتياً من حالة الصراع البيني العربي ،
وفيما تمثل سورية قلب هذه الامة ، تعتبر السعودية قبلتها التي يفترض ان تمارس مايليق بهذه الخصوصية الحميمية ، لأن مستقبل الأمة سيظل قاتماً مخيفاً مادام الصراع سمة العلاقة بينهما،
- السعودية تعيش أسوأ حالاتها مايفتح الباب أمام احتمالات خطيرة قد تدق آخر مسمار في نعش المنطقة والأمة ولو على غير مدىً منظور
والمخلصون فيها مطالبون بانقاذ ماتبقى لتحقق مصالحها التي لاتتأتى الا بعودتها عربيةً خالصة قبل ان تتكرس دولة تابعة فاشلة قد يكون التقسيم مصيرها الحتمي.
- سورية محور كل الحلول وصمودها يحسم كل النتائج ايجاباً، ونصرها الحتمي لابد وأن يستثمر في إعادة اللحمة للجسد العربي الواحد على طريق تحقيق مشروع الامة ولو بحدوده الدنيا ورغم اساءات الأشقاء،طالما أعلنوا الهزيمة، فالمنتصرالمخلص يتسامى على الجرح ، وسورية المنتصرة المخلصة ستتسامى على الجراح وتعيد بعث مشروع الأمة نحو وحدتها وتحررها وهي التي تدرك -ولاشك - ان الاستهداف قدرها وأنها لم تستهدف لأمر هيّن، بل لأنها جوهر هذا الوطن وقلب هذه الأمة ولأنها لطالما انتصرت بإسنادها وتبنيها للحالة الشعبية العربية المقاومة الصاعدة في فلسطين ولبنان والعراق ، على عدو الأمة الصهيوني -الذي طن أنه لايقهر- ومن خلفه واشنطن ومن سار في فلكها.
- لبنان هو الساحة الأخطر اليوم وتداعيات مايجري فيه قد تكون الأخطر فكل الاحتمالات واردة ، فاستهداف المقاومة واضعاف الجيش والتحريض الطائفي لن يتوقف بسهولة، وعلينا جميعا كما على القوى المقاومة والمخلصة مضاعفة الجهد لتجنيب لبنان ويلات ماقد تحمله الايام القادمة وحماية وحدته ومؤسساته ، تماما كما على الفصائل الفلسطينية وكل فلسطينيي لبنان حماية مخيماتهم من ان تكون مرتعاً للارهابيين مايهدد قضيتهم الام بقدر تهديد وجودهم وحياتهم.
- الإرهاب والتطرف الذي بات يتهدد كل واحد فينا يعززه ويخدمه الاصطفاف الطائفي والمذهبي الذي غزا كل شرائح مجتمعنا في عموم اقطارنا العربية، وعليه فكل واحد فينا مطالب بنبذ التطرف والتخندق وبقبول التنوع والدفاع عنه ، التنوع الذي ميّز امتنا وأثرى حضارتها منذ بدء الخليقة،.
وحتى تتضح معالم القادم على المنطقة عبر البوابة اللبنانية ، يظل الجمر مشتعلا تحت رماد العبث بلبنان ، رغم الثلوج التي تكسو ربوعه الغالية.
