السبئي نت -أحمد ناصر الشريف المشهد السياسي الذي بدأ يتشكل في الدول العربية عقب ثورات الربيع العربي التي قادها الشباب -وان كان لايترجم تطلعات الشعوب ولا يعكس الهدف الحقيقي الذي قامت من اجله الثورات ربما بسبب عدم توفيق الشعوب في اختيار البديل او مااطلق عليها بقوى التغيير التي حلت محل الانظمة المطاح بها شعبيا- يذكرنا بفترات تاريخية مرت بها عدد من الأمم ومنها الأمة الاوروبية التي تعرضت لاضطهاد الكنيسة وهيمنتها على افكار الناس وجعلت الشعوب تعيش وضعاً متخلفاً ومغلقاً عزلها عن كل ماحولها وهو الامرالذي جعل الشعوب تشتاط غضباً وتثور على الكنيسة لتفصل الدين عن الدولة وتتحول الى دول علمانية كما هو حالها اليوم. وذلك بعكس ماكان يعيشه العرب والمسلمون الاوائل في عصر ماكان يسمى بالقرون الوسطى حيث كان الانفتاح العلمي والمعرفي عند العرب وربطهم الايمان بالعلم سمة اساسية للدولة الاسلامية التي امتدت شرقا فوصلت الى حدود الصين وامتدت غرباً لتصل الى بلاد الغال بفرنسا.. وعلى هذا الاساس استطاع المسلمون ان يحكموا اكثر من نصف العالم المعروف حينها لاكثر من الف عام.. لكن عندما شاخت دولتهم وبدأ الوهن والضعف يدب فيها ويقطع اوصالها نتيجة لما شابها من خلافات وصراعات سياسية وتزمت ديني ومذهبي في عهد آخر الخلفاء العثمانيين السلطان عبدالحميد لاسيما بعد الهزيمة التي لحقت بتركيا في الحرب العالمية الاولى وهو الامر الذي دفع باتاتورك للقيام بانقلاب عسكري على دولة الخلافة وتحويل تركيا الى جمهورية علمانية وفصل الدين عن الدولة مقتدياً بجيرانه الاوروبين واغلق دور العبادة وحولها الى اسطبلات للخيول وغير الحرف العربي الذي كانت تكتب به اللغة التركية الى الحرف اللاتيني ومنع الصلاة والصيام على المستوى الرسمي.. وقد وجدت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى فرصتها للاستيلاء على تركة الدولة العثمانية في العالمين العربي والاسلامي بمافي ذلك فلسطين التي خضعت للانتداب البريطاني ثم سلمت لليهود بموجب قرار التقسيم الذي اصدره مجلس الامن الدولي عام 8491م وتحولت تركيا من الاولى في الشرق الى الاخيرة في الغرب.
ولولا قيام ثورة 32 يوليوفي مصر عام 2591م بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر والتي يحتفل العرب اليوم بذكراها الواحدة والستين لما تحررت الدول العربية والاسلامية من الاستعمار الاجنبي واصبحت دول مستقلة يحكمها ابناؤها وان كان العسكر والاحزاب السياسية القومية لم يوفقوا في حكم هذه الدول الناشئة، حيث الغو الآخر وغلبوا في حكمهم الديكتاتورية على الديمقراطية فولد هذا التوجه العديد من الاحتقانات خلال الخمسين عاماً الماضية وتشكلت معارضات قوية لهذه الانظمة التي حلت محل حكم الاستعمار في الداخل والخارج وانضمت اليها الشعوب بعد ان تبين لها ان مخططاً كان يعد له بعناية لتحويل الجمهوريات العربية الى وراثية فثارت عليها واستطاعت ان تحبط هذا المخطط في مهده من خلال اسقاط هذه الانظمة مع حكامها شعبياً، ولكن لأن الشعوب كانت مغيبة عن الواقع السياسي ولم يسمح لها في المشاركة فيه ولأن من قادوا الثورات هم الشباب الذين بدون تضحياتهم لم يكن يكتب لها النجاح اضافة الى ما تنقصهم من خبرة الحكم فقد سلموا مقاليد الامور لقوى سياسية استغلت الدين لتجعل منه وسيلة لتحقيق غاياتها في الوصول الى الحكم ووثقت فيها الشعوب لقيادة عملية التغيير وتحقيق اهداف الثورات الشبابية..
لكن لم تكاد هذه القوى تستقر في الحكم الذي وصلت بارادة شعبية حتى كشفت القناع عن وجهها الحقيقي وبدلاً من ان تهتم بقضايا الشعوب والاوطان وتتعامل مع كل فئات الشعب بمختلف توجهاتها السياسية والفكرية والدينية والمذهبية الغت الآخر من حساباتها وتعاملت مع الشعوب وكأنها جزء لا يتجزأ من الجماعة التي تنتمي اليها سياسياً وحزبياً ودينياً، وركزت بدرجة اساسية على خدمة مشروعها الخاص بها ومحاولة فرضه على الشعوب بالقوة مستندة الى شرعيتها في الحكم والتباهي بانها وصلت اليه عبر صندوق الانتخابات ولم تغتصبه كما كانت تفعل الانظمة السابقة ممثلة في العسكر والاحزاب القومية والاشتراكية.. وقد تعاطفت الشعوب معها ومنحتها الفرصة الكافية التي من خلالها يمكن ان تقوم بواجبها الوطني وتحقيق الاهداف التي قامت من اجلها الثورات التي اطاحت بالانظمة السابقة. ولكنها فشلت في تحقيق كل ذلك.
وعندما اكتشفت الشعوب انها اخطأت في تقديرها وتسرعها في اختيار البديل نفد صبرها بعد ان يئست من ان تقوم هذه القوى الحاكمة من تلبية تطلعاتها في ايجاد دولة مدنية حديثة يعيش المواطنون في ظل رايتها متساوون في الحقوق والواجبات فاضطرت للخروج الى الشارع مرة اخرى لسحب الشرعية منها والاطاحة بها وما حدث في مصر مؤخراً يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بان جماعات الاسلام السياسي قد اثبتت فشلها في الحكم مبكراً لافتقارها للخبرة الادارية وتعودها من انصارها واتباعها على السمع والطاعة فتعاملت مع الشعوب على هذا الاساس.. وقد شكل ذلك صدمة كبيرة للشعوب العربية وخيبة أمل لها خاصة انها كانت تراهن على نجاحها في قيادة عملية التغيير ولم يكن يساورها في ذلك شك قبل توجهها الى صناديق الاقتراع لانتخابها.. وفي تونس رغم ان تجربتها تختلف عما حدث في مصر من هيمنة، حيث سمح الاخوان ممثلين بحركة النهضة بمشاركة الآخر في الحكم الا ان التذمر في اوساط الشعب على اشده وقد خرج الى الشارع مطالباً باستقالة الحكومة بعد اغتيال الناشط السياسي محمد البراهمي.. اما في ليبيا فالوضع فيها لم يستقر بعد وكل طرف فيها يدعي احقيته للحكم.. ربما قد يكون اليمن هو الاستثناء بين دول الربيع العربي بحكم تدخل الخارج لفرض حلولاً عليه قبلت بها الاطراف السياسية على مضض ويتطلع الشعب اليمني الى مؤتمر الحوار الوطني للخروج بما يحقق تطلعاته في بناء دولته الوطنية الحديثة.