728x90 AdSpace

7 أغسطس 2013

لا ... للسلاح...بقلم دكتورة ريم عبدالغني

 السبئي نت - بقلم دكتورة ريم عبدالغني :هل سمعتم بحملة نزع السلاح في اليمن؟... الدولة تشتري أسلحة المواطنين وتمنع دخولهم المدن بالسلاح، أمر ايجابي... بل ضرورة ملحّة في بلدٍ يتداول مواطنوه وقبائله أكثر من ستّين مليون قطعة سلاح ناري، تتنوّع مابين المسدس الصغير والمدفع، بينما لا يزيد عدد سكّانه على بضعة وعشرين مليون نسمة، أي بمعدل قطعتين إلى ثلاث قطع سلاح للشخص الواحد.
وعلى ذمّة قناة العربية التلفزيونية، فإنّ ما يزيد على 2000 شخص يموتون سنوياً في اليمن بأسلحة الثأر، و يموت ما يفوق هذا العدد من جرّاء سوء استخدامها، بطريق الخطأ أو في لحظات الغضب أو الطيش، و حين يقبع الزناد تحت أصابع غير مسؤولة ولا واعية، تصبح حياة الإنسان أرخص من ثمن رصاصة.
و بحسب أعراف القبائل، يحقّ لعائلة القتيل مطالبة القاتل وقبيلته بدفع «ديّة» ( فدية ) كتعويض يحقن الدماء ويوقف سلسلة الثأر، ينسى بعدها الطرفان ما حدث، و طالما حيّرني -خاصة لدى اليمنيين- هذا التناقض المدهش ما بين منتهى العنف و منتهى الطيبة، بين التلظّي بأحقاد الثأر والقدرة العجيبة على التسامح الفوريّ .
كم يبدو الأمر مهيناً لعقل الإنسان وروحه و كرامته! ذلك الإنسان الذي تراكمتْ حيوات عدد لا يحصى من الأجيال وخبراتهم وتضحياتهم لتقدّم له قطرات العلم والمعرفة، ليحلّق برقي في سموات الفنون والآداب والموسيقى والعلوم، فينتشي الكون إزاء كل تفتّح جديد له على عوالم الإبداع والاكتشاف، كل ذلك تصرعه ضغطة يد جاهلة على زناد ميت... دون سبب... و إذا وُجدت أسباب فكلّ منها ينافس الآخر تفاهةً، خلاف على شبر أرض أو، حفنة دراهم، كلمة جارحة أو حتى إشارة مهينة... والأمر برمّته مرفوض ومستهجن مهما كانت الأسباب.
في قصيدته «الثأر»، وبلهجته البدوية المحببة، يجسّد الشاعر عمر الفرا بشاعة الثأر، حين يروي قصة كلب قُتل في مكان ما، و في اليوم الثاني قُتل رجل، كان ذنْبُه أنه ابن عمّ قاتل الكلب، وعلى لسان القتيل المحتضر في لحظات موته الأخيرة قال:
قَلِلّي عَ روحَكْ!
وخَنْجَرو... بْصَدْري دَخَل
وأصيح بْوَجْهُو... خَبِّرني!
على أي شَيْ... جايي تِذبَحْني؟!
على مَيَّه؟ على ناقه؟
عَشَان بْنَيَّه... عَشَّاقه؟!
لا لي عِلِم! لا لي خَبَرْ!
لا لي خَصيم... مْن البَشَرْ!
و يختم القصيدة الطويلة بقوله:
نِسيتْ اخبّرِكْ: الخنجر لقيتو ... مُو بَعيْد عَنِّي
ولَقيت بْنَصْلِتو... مِيْلَهْ أَظنُّو... يِعْتِذِرْ مِنّي!!
وليس فقط في اليمن، بل مازال صدى قضايا الثأر يتردد في صعيد مصر، و في ريف سورية يقولون «السلاح زينة الرجال»،و مازال لدى الأردن والعراق وغيرها من الدول ذات المجتمعات القبلية قوانين متساهلة تراعى أعراف الثأر وتجذّره في عقول مواطنيها، و تخفف الأحكام عن القتلة -وتساهم في ابرازهم أبطالاً- بحجّة «فورة الدم» وتحت اسم «جرائم الشرف»، بينما يناضل العاقلون لإلغاء هذا النوع من القوانين المهينة للإنسانيّة.
السلاح وبال أينما وجد، وبسبب انتشاره بين المدنيّين، يستيقظ الأمريكيون كل صباح على حادث مؤلم جديد، هل تذكرون قصّة الطفل الذي قتل أخاه الصغير بمسدس كان جدّه قد خبّأه تحت وسادة المقعد؟، و رغم تواتر مثل هذه الحوادث المؤسفة، تتمسك جمعية «حاملي السلاح في أمريكا-American Rifle Association» بشعار «ليس السلاح الذي يقتل وإنّما حامله»، و يعتبرون أنفسهم مدينين للسلاح الذي حماهم ذات يوم من الهنود الحمر، فاتحاً طريق الغرب الأمريكي، و للجمعية -التي كان رئيسها الممثل شارلتون هيستون- نفوذها الكبير، وأعضاؤها -الذين انتقدهم مايكل مور بشدّة في أفلامه- يقفون ضدّ أيّ محاولة لنزع أسلحة المواطنين.
نستطيع طبعاً، في بلادنا العربية، أن نتفهّم أن السلاح كان في مراحل مضتْ جزءاً هاماً من ثقافة الرجل ورجولته ،وضرورة للدفاع عن نفسه وكرامته وتقليد يتحدّر من صلب عادات القبائل، ولكننا في عصر تغيّرتْ فيه المعطيات والمفاهيم واختلفتْ معايير القوة، و هناك نظام ودولة وقوانين يُحتكم إليها، لا شريعة الغاب أو منطق العنف .
و في خطوة تدعو للتفاؤل، خصصتْ لجنة في الأمم المتحدة جهودها للحدّ من انتشار الأسلحة «الصغيرة و الخفبفة، و اعتمدت لذلك برنامج عمل رسمي عام 2001م، مطالبةً دول العالم بتنفيذه، و حددتْ في العام 2008م موعداً لمؤتمر يقيّم مدى فعالية تنفيذ هذا البرنامج .
ختاماً... نادراً ما تُذكر قضايا الثأر دون أن يتوارد إلى خاطري قصّة جرتْ في اليمن قبل ثلاثين عاماً، حين أقدم رجل على قتل مدرّس لغة عربية يعمل لدى إحدى القبائل، و كان المدرّس المسكين مصريّاً، فماذا كان ردّ القبيلة المنكوبة ؟.
المضحك المبكي أنها انتقمتْ في اليوم التالي بقتل مسكين آخر... مدرّس «مصري» يعمل لدى قبيلة القاتل!...
بعد ذلك كلّه... مَن لا يؤيّد نزع السلاح من كل مكان في العالم ؟...
.....
 رئيسة مركز تريم للعمارة والتراث
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: لا ... للسلاح...بقلم دكتورة ريم عبدالغني Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً