لقد عانا أبناء الشعب اليمني خلال ما مضى من الفترة الانتقالية الشيء الكثير لاسيما من جراء الانفلات الأمني والتلاعب بالوظيفة العامة التي تم احتكارها من قبل أصحاب الجاه والنفوذ.. إضافة إلى التأثير الذي يمارسه البعض على الوحدة الوطنية من خلال بث روح الفرقة وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية بهدف إشغال أبناء الشعب بها الذين أوصلتهم إفرازات الأزمات وأحداثها إلى ظروف غير مسبوقة في صعوباتها الاقتصادية حيث بلغت أحوال حياتهم المعيشية والخدمية حدوداً لا تطاق مثقلة كاهلهم بأوزار أحمال هدت حيلهم وجعلتهم غير قادرين على تحمل المزيد. .ومع ذلك صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلهم يفلحون.. ولكن يبدو أن ثقافة الفيد والتسلط التي ورثناها ولا زمتنا كيمنيين طيلة عقود مضت قد طغت على تصرفاتنا وبشكل اكثر على من هم في مواقع المسؤولية وان كان عدواها قد انتقل إلى المواطن العادي فأثر ذلك على سلوكه ومسيرة حياته لينسى تماماً انه ينتمي إلى وطن من حقه عليه أن يدافع عنه وعن قضاياه ومصالحه.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ألا يكفي ما جنيناه على انفسنا من مصائب وويلات صنعناها بأيدينا خلال الستة عشرة شهراً الماضية بسبب عدم ارتقاء فهمنا ووعينا في التعامل مع قضايانا واعتمادنا على الغير لحل مشاكلنا بالطريقة التي يريدها هو لخدمة مصالحه وليس كما نريد نحن لإخراج بلدنا من عنق الزجاجة التي حشرناه داخلها بأنفسنا ولكون أن أهل مكة ادرى بشعابها؟.. من كان يصدق أن تلك اللحمة الوطنية التي شهدناها أثناء قيام ثورة الشباب المطالبة بالتغيير وكسر حاجز الخوف وإسقاط مشروع حكم التوريث إلى الأبد الذي كان يعد له بعناية لكي يستمر حكم اليمن في عائلة معينة لعقود قادمة وربما قرون وهو ما يتناقض مع أهداف الثورة اليمنية(سبتمبر وأكتوبر) التي أكدت في أهدافها على أهمية إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة قد انتهت وتلاشت بمجرد أن تم تنفيذ التسوية السياسية ممثلة في المبادرة الخليجية التي لعبت دوراً كبيراً في كبح جماح الثورة الشبابية من الاستمرار.. وكذلك تسببت في إشعال فتيل الخلافات بين القوى السياسية ما بين مؤيد للمبادرة الخليجية ومعارض لها وما تزال تلك الخلافات قائمة إلى اليوم.
لكن لم يكن أمام من اعتبروا انفسهم حاملاً سياسياً لثورة الشباب خيار آخر غير القبول بالمبادرة باعتبارها مخرجاً توافقياً لتجنيب اليمن ما هو أسوأ من عدم وجودها.. وكان الجميع حتى أولئك الذين اعترضوا على المبادرة يراهنون على القوى السياسية التي وقعت على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية بأنها ستكون اكثر حرصاً من غيرها على تنفيذ بنودها أولاً بأول واعتبارها وسيلة وصولاً إلى الغاية النبيلة ممثلة في تحقيق أهداف ثورة الشباب الذين قاموا بالثورة من أجلها وقدموا القرابين والضحايا من أرواحهم ودمائهم الطاهرة ضماناً لنجاحها وفي مقدمة هذه الأهداف بناء الدولة الوطنية الحديثة كمشروع حضاري طالما حلم به اليمنيون منذ قيام الثورة اليمنية عام 1962م قبل خمسين عاماً.. ولكن كلما كانت تلوح في الأفق خيوط لبزوغ فجر جديد سرعان ما ينطفي وميضها لاسيما في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي رحمه الله الذي حاول إحياء هذا المشروع وشكلت فترة حكمه القصيرة نبراساً أضاء لليمنيين طريقهم للمضي قدماً إلى الأمام.. فكانت الفاجعة الكبرى أن تم إجهاض هذا المشروع وهو مازال جنيناً يتخلق في رحم الشعب اليمني الذي ظلم في إداراته وقياداته المتعاقبة وذهب مع ذهاب الشهيد الحمدي.. لأن هناك من أراد لأبناء الشعب اليمني أن يعيشوا في صراع دائم.. بينما هذا الطرف تفرغ لبناء نفسه وعمل على تصحيح أوضاعه في وقت كان فيه اليمنيون يحتربون فيما بينهم وهو يغذي هذا الصراع الذي ظل قائماُ إلى اليوم وكان هو أكبر المستفيدين من قيام ثورة 26سبتمبر.
ولأن عقدة حكم الأئمة والاستعمار مازالت تلازم اليمنيين حتى بعد مرور خمسين عاماً على انتهاء ذلك الحكم فانهم مازالوا يحملونه مسؤولية ما يعيشونه من تخلف وعدم اللحاق بالركب قياساً بأوضاع من حولهم وهو ما يؤكد أن الفترة الطويلة التي مضت على قيام ثورة سبتمبر وأكتوبر لم يحدث فيها التغيير الحقيقي الذي قامت الثورة من أجله وأعلنت أهدافها الستة كمرتكزات للتغيير وذلك لعجز من وثق فيهم الشعب اليمني لقيادة مسيرته.. حيث كان في عهودهم كل شيء يسير في اتجاه معاكس لكل ما كان يتطلع إليه أبناء الشعب اليمني من تقدم وتطور وازدهار فانتقلت الأوضاع من سيئ إلى أسوأ في مختلف المجالات.. بدليل ما نعانيه اليوم من تناقضات عجيبة في المواقف والأهداف وخلافات حادة جعلتنا نرتمي في أحضان الخارج ونعتمد عليه..!