
السبئي نت:-
يرى "غلين غرينولد" في مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية أن"بروس رايدل" الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية لمدة 30 عاماً، والمستشار لأربعة رؤساء أمريكيين لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، والزميل البارز في مركز "سابان" لسياسة الشرق الأوسط (التابع لمعهد بروكينجز) هو أفضل ممثل "لجماعة السياسة الخارجية " في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ساهم عام 2012 في تأليف كتاب مع "علماء" معهد "بروكينجز"، حثّوا الولايات المتحدة على شن حرب ضد إيران من خلال استفزاز حكومتها سراً واستدراجها لرد فعل يمكن أن يُصور زوراً أمام العالم على أنه "عمل عدائي إيراني غير مبرر"، وهو ما اقترحه بالضبط الباحث في معهد بروكينجز، "كين بولاك" عام 2002 لتبرير الهجوم على العراق، وبحسب بروكينجز: طلب الرئيس أوباما من "رايدل" الإشراف على مراجعة السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان وباكستان.
ويؤكد غرينولد أن مخضرمي مجموعة السياسة الخارجية الذين يعملون بشكل أساسي على تبرير العدوان العسكري الأمريكي- عادة ما يخفون قناعتهم وأهدافهم الحقيقية وذلك باستخدام مصطلحات مشوشة ومعلومات غير واضحة. ولكن بين الفينة والأخرى، لديهم فورة غير معهودة من الصراحة التي توضح نظرتهم الفعلية، كما هو الحال مع المذكرة الصريحة والجريئة التي أرسلها "رايدل" إلى الرئيس أوباما، عن تحالف الولايات المتحدة الوثيق مع النظام في المملكة السعودية.
بداية، يشير "رايدل" إلى أن "المملكة السعودية هي آخر الأنظمة الملكية المطلقة في العالم، فالعاهل السعودي يملك سلطة كاملة مثل لويس الرابع عشر، ولا تعتمد العائلة المالكة على أية هيئة تشريعية منتخبة، كما أن النظام السعودي يفرض القمع الكلي على شعبه بالإضافة إلى حفاظه على التحكم بمختلف أنظمة الدول المجاورة، فقد ساعدت الأسرة المالكة على الإبقاء على المشيخات وعدم الإطاحة بأي عاهل عربي، وأن الملكيات العربية الأخرى ستكون حتماً معرضة للخطر إذا وصلت الثورة إلى المملكة السعودية، وعلى وجه التحديد في البحرين، كما أن قطر والكويت والإمارات لن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد نظام ثوري في السعودية، رغم كل أموالها".
ويتساءل الكاتب ما المطلوب من الولايات المتحدة - زعيمة العالم الحر التي نصبت نفسها المخلّص وناشر الحرية والديمقراطية في العالمم -أن تفعل لرفع المعاناة الإنسانية الشديدة والقمع الذي يفرضه نظام الحكم في السعودية ؟ بالنسبة لرايدل فإن الجواب واضح: العمل أكثر وبشكل مكثف لتعزيز النظام السعودي والأنظمة الاستبدادية المجاورة من أجل سحق أي "صحوة"، وضمان أن الثورة الديمقراطية لا يمكن أن تنجح في تلك الدول.
ويؤكد "رايدل" على تمسك الولايات المتحدة بمعارضتها لأي ثورات ديمقراطية في منطقة الخليج، لأن المملكة السعودية هي "الحليف الأقدم لأمريكا في الشرق الأوسط، فالشراكة بين البلدين تعود إلى عام 1945". وعليه "بما أن المصالح الأمريكية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعائلة آل سعود، فإن الولايات المتحدة لن تتخلى عن هذا التحالف في محاولة للوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ". و يتابع رايدل: على أوباما أن يضع في حسبانه أنه في الوقت الذي يشجع الملك السعودي على تسريع الإصلاحات المتواضعة التي احتضنها نظرياً، عليه أن لا ينسى أن المبدأ الرئيس الذي يحرك الولايات المتحدة يتمثل في " عدم الإطاحة بالنظام الملكي لأن ذلك سيمثل انتكاسة شديدة لموقف أميركا في المنطقة ويمنح إيران مكاسب استراتيجية غير متوقعة، ويتعين على الولايات المتحدة بالإضافة إلى دعم النظام ، دعم وتعزيز علاقاتها مع الممالك والمشيخيات المجاورة.
ويضيف الكاتب: أكد الرئيس أوباما في الأيام الماضية على مدى أهمية تحالفه مع آل سعود بشكل عملي، وذلك باستضافته وزير الداخلية السعودي، الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي وهو أمر نادراً ما يحصل، وقد أعلن البيت الأبيض أن أوباما والأمير السعودي "نوها بالشراكة القوية بين الولايات المتحدة والمملكة السعودية".
ويقول رايدل: إن "حرب وكالة الاستخبارات المركزية سي آي إي ضد تنظيم القاعدة تعتمد بشكل كبير على المملكة"، وهذا الأمر قريب من الحقيقة، ولكنه يظهر أن هذه "الحرب" التي لا نهاية لها وراء أكثر الأعمال الأمريكية المسيئة في المنطقة، والمثير للسخرية أن الحكومة الوحيدة التي لها صلات مع مرتكبي هجمات 11 أيلول، أصبحت أقرب حليف للولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب"، في حين أن الحكومات التي لا علاقة لها بالأحداث -بدءاً من إيران- أصبحت عدواً دائماً للولايات المتحدة.
والحقيقة أنه ما من سبب في النظر إلى إيران على أنها العدو اللدود للولايات المتحدة، كما أنه من المؤكد، ليس هناك مبرر لفرض الاستبداد المطلق على الملايين من الناس في العالم العربي لمجرد أن تلك الأنظمة معادية لإيران. ورغم حقيقة أن الولايات المتحدة ليس لديها اعتراض على أي استبداد كان، بل أكثر من ذلك، فهي تدعم المستبدين ، فإن جحافل من "الخبراء" الأجانب يدّعون بلا خجل بأن الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو ملتزمون بنشر الحرية والديمقراطية ومحاربة الاستبداد لتبرير كل التدخلات الجديدة لأمريكا والحلف الأطلسي.
وكل يوم نستمع إلى الخطب الكاذبة التي يتقيؤها ساسة الولايات المتحدة وزعماؤها وخدمهم في "مجموعة السياسة الخارجية" عندما يتعلق الأمر بإدانة الأنظمة المعارضة للولايات المتحدة في ليبيا وسورية وإيران، فالولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو -الداعمون لطغاة العالم- يعارضون هذه الأنظمة بذريعة الحرص على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحتى رايدل يلاحظ أن السبب الحقيقي لهذه التدخلات: أن السعوديين، "براغماتيون ودعموا "الثورات" في ليبيا وسورية لتقويض الحكومات المعادية للمملكة، وخاصة إيران". ويكرر الساسة الأمريكيون والغربيون الخطاب نفسه لتبرير التدخل في مالي، فالدول نفسها التي قامت بأفظع انتهاكات لحقوق الإنسان في القارة الإفريقية تظهر اليوم بأنها تحمي حقوق الإنسان بقصف مالي...وبهذا الخطاب الدعائي المشوّه استطاعت السعودية إقناع السعوديين أن الهجوم على صدام حسين وتنحيته عن السلطة، يرجع إلى استبداده.
والنتيجة أن الحملة الدعائية والتضليلية التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو حول التزامهم بحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية تستهدف بشكل خطير شعوب تلك الدول ، ولا تعمل إلا هناك، حيث إن الناس في الدول التي فرضت السياسات المؤيدة للاستبداد يدركون تماماً هذه الحقيقة، واستطلاعات الرأي العام تثبت هذا وبشكل لا لبس فيه.
ولكن عندما يوجد جهاز هائل ممن نصبوا أنفسهم خبراء، يطلقون على أنفسهم اسم "مجموعة السياسة الخارجية"، يعتمدون على نشر هذه الخرافات، ووسائل إعلام ترى العالم بمنظور الحكومة الأمريكية، فمن السهل أن نرى لماذا هذه الأساطير، رغم سخافتها، تعمل بفعالية أكبر.
سمر السمارة- صحيفة "البعث"