![]() |
| بقلم طه العامري |
التي تستهدف سورية , وقلت حرفيا أن سورية ستنتصر قيادتا وجيشا وشعبا , وأن خارطة العالم الجديد سوف تتشكل من ( دمشق)
.. يومها بعض من الزملاء ( وصفوني بالحالم المتفائل) .. لكني كنت على ثقة مطلقة مما قلته حينها وهو ما اعترف به زملائي مؤخرا الذين اعترفوا أن ( الوضع في سورية مختلف)
والاختلاف يتلخص في ( المؤامرة) التي تعرضت لها سورية ولا تزل لكن ما يجري اليوم في سورية هو مخاض الربع الساعة الأخيرة للمؤامرة والمتآمرين فالأطراف التي غذت المؤامرة وتبنتها وروجت وسوقت لها ومولتها بكل القدرات المادية والمعنوية كما زودت بيادقها بكل الاحتياجات العسكرية والاستخبارية ,هذه الأطراف اليوم تراجعت بوضوح وأدركت فداحة تقديرها الخاطئ فيما يتعلق بقدرات وإمكانيات سورية بعد قرابة أكثر من 20 شهرا استخدمت خلالها أطراف المؤامرة كل النماذج التآمرية التي شهدها الوطن العربي بدءا من النموذج التونسي مرورا بالنموذج المصري والليبي مع اختزال النموذج الليبي في سورية عبر حشد العصابات الإرهابية والفلول الإجرامية التي تم حشدها من كل أصقاع المعمورة وأن شكلت منطقة الخليج واليمن الرافد وبؤرة ( المدد) للعصابات المسلحة , وصولا إلى النموذج اليمني , وكل هذه النماذج توحي بأن ( الربيع العربي ) المزعوم لم يكون سواء ربيعا ( صهيونيا ) استعماريا بامتياز ولم يكون الهدف منه لا الديمقراطية ولا التغير ولا الحرية ولا حقوق الإنسان , بل كل هذه الشعارات كانت مجرد طعم للشعوب العربية التي انجرفت وراء وهم الربيع المزعوم , لكن الهدف والغاية التي سعت إليها المحاور الاستعمار هو إسقاط سورية وهناء ليس المقصود سورية الرئيس أو النظام بل إسقاط سورية المشروع والخيار والضمير والقيم , سورية المقاومة بكل ما تمثله في هذا السياق الوطني والقومي وسورية الممانعة بكل ما يمثله هذا الخيار من مفاهيم وتبعات ومخرجات ثقافية وحضارية تستوطن وجدان وذاكرة الشعب العربي السوري الذي بقى هو الحاضن لكل القيم النبيلة والجميلة التي عنونت جوهر المشروع الحضاري العربي الإسلامي بكل معطياته ومخرجاته المتجسدة في قيم الحق والعدل والكرامة والحرية والسيادة والهوية ..
بيد أن المؤامرة التي تتعرض لها الجمهورية العربية السورية تشارف الآن على الانتهاء بل أجزم أنها وعلى الصعيد _ الميداني _ قد انتهت بقدرة وقوة ويقظة وتماسك الجيش العربي السوري الذي استطاع التعامل مع المخرجات الإجرامية والعصابات الإرهابية بطرق دفاعية لم تعتاد عليها الجيوش العربية التي لا تزل تتمسك بخيارات عسكرية نمطية وتقليدية وهي الخيارات التي تخلى عنها الجيش العربي السوري منذ قرابة العشر سنوات حيث أخذ الجيش العربي بطرق وخيارات عسكرية غير تقليدية أثبتت صحتها وسلامتها خلال المواجهة التي خاضها هذا الجيش البطل والاستثنائي الذي استطاع وبجدارة أن يسقط كل سيناريوهات العصابات الإرهابية واربك خطط من يقف خلفها , وجميعنا يعرف أن من يقف وراء العصابات الإرهابية دول بأجهزتها الاستخبارية وخبراتها بدءا من الولايات المتحدة الأمريكية مرورا بفرنسا وبريطانيا وأنظمة الخليج وخبرات أخرى منها ما أخذت فيه التنظيمات الإرهابية وفي المقدمة تنظيم القاعدة وحركة طالبان وهي التي تعد حصيلة تجارب طويلة كانت ثمراتها معروفة في أفغانستان خلال مواجهة قوات الجيش الأحمر الذي لا شك أنه تضرر كثيرا من الوسائل القتالية لحركة طالبان وهي الوسائل التي تم تعميمها لا حقا لتصبح استراتيجية عسكرية للجماعات الإسلامية في طول خارطة العالم وعرضه بدءا من جماعة أبو سياف في الفلبين مرورا بالجماعات المسلحة في الشيشان وأفغانستان وباكستان وكشمير والصين واليمن وفلسطين , إذ صبت في المؤامرة على سورية العروبة كل الخبرات القتالية التي اكتسبها الإرهابيون إلى جانب خبرات حديثة تلقوها عبر خبرات عسكرية تركية وعربية وأمريكية وغربية ومع كل هذا استطاع الجيش العربي السوري البطل أن يسقط كل هذه السيناريوهات القتالية لتسقط في سورية ليس مسمى ( الربيع العربي) وحسب وليس ما أطلق عليه ب( الشرق الأوسط الجديد ) أو ( الكبير) ولكن ايضا أسقطت سورية المقاومة والممانعة والكرامة والكبرياء استراتيجية ( الجهادين ) العرب وغير العرب , وهذا نجاح مكتسب يحسب للجيش العربي السورية , الذي أسقط كل حسابات المتآمرين بهدوء وبكثير من اليقظة والثقة والقدرة والاقتدار ..
وهذا النجاح للجيش العربي السوري يندرج في سياق الخطاء الاستراتيجي الذي وقعت به أطراف المؤامرة , وعلى مختلف المستويات والجوانب , فهم راهنوا على سقوط سورية وفقا للنموذج التونسي فخاب رهانهم هذا , ثم راهنوا على اسقاط سورية وفقا للنموذج المصري ففشل هذا الرهان فاعتمدوا على أثر هذا النموذج الليبي ولكن بأدوات مختلفة , ليسقط هذا الرهان فحاولوا الاستنجاد بالنموذج اليمني ولكن في لحظة كان فيها الشعب العربي في سورية قد استوعب كل خيوط المؤامرة وأدرك تبعاتها وتداعياتها , وبالتالي لم يعد ممكنا التدليس على قناعات ووعي الشعب العربي السوري باستثناء أولئك الذين باعوا أنفسهم للشيطان والذين بالأصل يعيشون حالة اغتراب بينهم وبين الشعب العربي السوري إذ فيهم من لا يعرف سورية
بيد أن الطريقة القتالية التي اعتمدها الجيش العربي السوري في مواجهة أدوات المؤامرة من العصابات الإرهابية اللقيطة شكلت بحد ذاتها مفاجئة للأطراف المتآمرة الذين لم يستوعبوا سر انتصار المقاومة اللبنانية في حرب 2006م ولم يستوعبوا حديث السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة وهو يعلن للعالم ولأول مرة أن المقاومة انتصرت في حرب 2006م بسلاح سورية وهذا يعني أن من قدم السلاح قدم أيضا الخبرات العسكرية والمهارات القتالية ..وهذا ما استوعبته أطراف المؤامرة مؤخرا وخاصة الأمريكيين وهو ما دفعهم إلى التخلي عن كل طموحات كانوا يأملوا في تحقيقها ولا جلها صنعوا هذا ( الربيع العربي) المزعوم , لتقف طموحات واشنطن في نطاق هدفين لا ثالث لهما وهو البحث عن اتفاق مع دمشق يتخلص في تحقيق هذه الأهداف والمتمثلة في ( المقاومة) و( النفط) وكلاهما يتصل بصورة مباشرة بأمن الكيان الصهيوني ورفاهيته ..لهذا قالت وزيرة الخارجية الأمريكية ما قالته مؤخرا عن مجلس ( اسطنبول) وسعيها عن طريق قطر والسعودية وتركيا إلى إعادة إنتاج هيئة ( معارضة) تتسق مع رغبة واشنطن في تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية على طاولة المفاوضات التي ستلتم قريبا بينها وبين روسيا وسورية , والمتوقع حدوثه بعد الانتخابات الأمريكية مباشرة..
بمعنى أن المؤامرة على سورية حسمت ميدانيا عبر الجيش العربي السوري , فيما طي الصفحة نهائيا فعل متعلق بحوار قادم ترغب واشنطن من خلاله تحقيق ليس كل مكاسبها بل الحد الآدنى منها وربما أكثر ما تطمح إليه واشنطن هو الحفاظ على ماء وجهها والخروج من الشرنقة السورية بما يحفظ بقايا هيبه لها وهو ما لم يرضى به الروس على الأرجح , على ضوء تصريحات متتالية صادرة عن وزارة الخارجية الروسية والكرملين وكلها تشدد على الالتزام الحرفي باتفاقية ( جنيف) وهي الاتفاقية التي تشعر الدبلوماسية الأمريكية وحلفائها أنهم ورطوا فيها , على خلفية أن زمن الاتفاق في ( جنيف) لم يكون لدى واشنطن وحلفائها مجرد شك في الصمود الاسطوري الذي وقفته سورية في مواجهة مخططهم التأمري وهذا ما يفسر التصريحات الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية التي يستشف منها ومن تصريحات سابقة وتسريبات إعلامية أمريكية وكلها أجمعت على سوء تقدير استراتيجي أمريكي وقعت فيه إدارة أوباما في تعاطيها مع الشأن العربي السوري بمعنى أدق أننا أمام فشل استخباري قاتل وقعت فيه واشنطن وهذا ما دفعها إلى التراجع عن مشروعها التأمري في سورية متعللة بالانشغال في الحملات الانتخابية , لكن في واقع الأمر أن الفشل الأمريكي الغربي في سورية يسحب نفسه آليا على حسابات استراتيجية أبعد في تبعاتها وأخطر في معطياتها الاستراتيجية ,إذ وحسب خبراء ومحللون أمريكيون وغربيون فأن فشل واشنطن في سورية دفعها لإعادة كل استراتيجيتها تجاه إيران وملفها النووي ولهذا خاضت مباشرة في حوارات سرية مع إيران قهرا وقسرا وعنوة وفي عدة ملفات إقليمية ودولية ..
ويبقى السؤال هو ماذا في جعبة قطر والسعودية بعد هزيمة حلب وفشل مخططاتهم فيها وسقوط أحلامهم فيها تحت أحذية الجيش العربي السوري ..؟ بذات القدر ماذا يمكن أن يخرج به مؤتمر (الدوحة) من سيناريوهات بعد أن تناثرت كل السيناريوهات الأكثر خطورة من كل ما قد تأتي به الأيام القادمة .. قطعا الأمر يتصل بلملمة خيبة يتجرع كاسها أطراف المؤامرة ,والمطلوب من بيادق (الدوحة) أن يتعضوا من بيادق إسطنبول وحسب بعد أن اسقطت سورية القيادة والجيش والقائد والشعب كل سيناريوهات ومؤامرات ( المغول الجدد) القادمين تحت راية (الربيع العربي) المزعوم ..
