السبئي-بقلم أمين أبو راشد - مهما حاول خالد مشعل قطف ثمار انتصار غزّة في فرض الهدنة على إسرائيل، ومهما حاولت حماس إظهار "قيادتها" لعمليات فرض توازن الرعب التي تمّت وأسكنت الإسرائيليين الملاجئ لأيام، مع ما استتبع ذلك من شلّ حركة مطار بن غوريون وإقفال بعض المؤسسات والمدارس الإسرائيلية ولو جزئياً،
منذ غادر خالد مشعل سورية إلى قطر، وإنزاله بندقية المقاومة عن كتفه وإعلانه المقاومة السياسية، وتكراره عدم رغبته في الاستمرار بقيادة حماس، بدا وكأن الريال القطري فعل فعله وأطفأ "مشعل" حماس وانتشله بسرعة قياسية من يد جبهة الممانعة، وحقّقت قطر حلماً إسرائيلياً- أميركياً يُقال أنه كلّف 150 مليون دولار كان كافياً لإطفاء المشعل ونقله من يد المحور السوري- الإيراني إلى اليد التي تحرّك ثورات ربيع العرب.
ثم جاءت زيارة أمير قطر إلى القطاع، وتناقلت وسائل إعلام مختلفة، أن مبلغ الـ 400 مليون دولار الذي خصّصته قطر لمشاريع تنموية في غزّة كان مشروطاً بوقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل وأن إسماعيل هنيّة وعد قطر بالالتزام، وكان ما كان ووُدّع أمير قطر بمثل ما استُقبل به من حفاوة.
وقبل أن تذبل ورود الزينة التي فرشتها حماس في مكان استقبال الضيف القطري، لاحت في أفق غزة بوادر استنكار شعبي وتململ في صفوف الفصائل المسلحة، من صفقة بخسة رَمَت فُتاتاً لشعبٍ خنقته المعابر، ويفتقر لأبسط المستلزمات التي يحتاجها شعب يعيش ويتعايش مع مشكلة أعلى كثافة سكانية في العالم، وبات متواضعاً في أحلامه لدرجة المطالبة على الأقل بفتح معبر رفح مع مصر بشكل كامل ودائم تفادياً للاختناق.
ثم كانت الصواريخ الأولى... أطلقتها الجهاد الإسلامي وليس حماس، وحمّلت إسرائيل المسؤولية كالعادة لـ حماس بصفتها الحاكمة والمتحكّمة في القطاع، بينما الحقيقة كانت خلاف ذلك وواقعة الصواريخ الأولى كانت أشبه بإنتفاضة على حماس واستدراجٍ لها للالتحاق بالجبهة وكان ما كان، وأنزل الغزّاويون الإسرائيليين إلى الملاجئ وكانت الهزيمة الأولى لشعبٍ لا ينزل إلى الملجأ سوى عند إجراء تجارب صفّارات الإنذار وثبُت جبنه خلال العام 2006 عندما أطلق صرخات الوجع تحت ضربات المقاومة وصواريخ حزب الله.
وبدأ البحث بالهدنة، بعد دراسات واجتماعات إسرائيلية موسّعة ومصغّرة أفضت، إلى أن الهجوم البري على قطاع غزّة أو محاولة إعادة احتلاله لإسكات الصواريخ إلى الأبد أمر مستحيل، وسط شعب لم يعتد تحمّل المشاركة حتى بالاختباء والاحتماء من الصواريخ.
وهرولت كلينتون إلى إسرائيل واستقبلها نتنياهو ليس بصفته رئيس وزراء، بل بصفته مرشّحاً لرئاسة جديدة أراد للحملة على غزّة أن تعزّز أوراق ترشيحه، فخذله شعب ما اعتاد المقاومة وأطلق "الآخ" مع انطلاق أول صاروخ من غزّة، واستمراره في الملاجئ كان سيخفف من احتمال استمرار نتنياهو في الحكم لو طالت الحرب وارتفع عدد الضحايا الإسرائيليين، وشُلّت الحركة اليومية لأمد أطول.
وحصلت الهدنة، وتضمّنت شروطها ما لم يتوقّعه أحدٌ، وانتصر الغزّاويون أصحاب النفس الطويل في تحمّل القصف والجوع والتهجير ودفن الضحايا، على النفس الإسرائيلي، وأقرّت الهدنة فتح كل المعابر مع غزّة، حتى الإسرائيلية منها.
صمُدت هذه الهدنة أم اختُرقت أم انهارت، واقعٌ جديد فرضه الغزّاويون المقهورون على العالم وحققوا ربيعهم، عبر توازن رعب رادع لن تردعه حماس بعد اليوم مسايرة لإخوان مصر وعربان الخليج، فانهزم النظام المصري أمام المحاصرين وفتح رفح بالكامل، وذهبت ملايين قطر في غير محلّها، وبدأت إسرائيل في تقييم ما حصل لتقويم أدائها، في مواجهة قطاع لم يعد محاصراً، وسيناء السائبة بدون سلطة مصرية باتت صحراؤها تمد القطاع بالسلاح في أصدق ربيع عربي عرفه وسيعرفه كل العربان!!.
رئيس الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة"
التيار