728x90 AdSpace

30 نوفمبر 2012

خيمتي..الفائزة هذا الأسبوع بمسابقة القصة القصيرة لبي بي سي اكسترا كتبها حارث الصمدي

  بقلم- حارث الصمدي :
 خيمتي 
أنامُ كثيراً هذه الأيام .. هل أنا مرهق أم أن حياتي أصحبت مظلمة إلى حد يدفعني للنعاس والانطلاق في النوم, لا يوجد في خيمتي سوى كنبة واحدة ويعيش فيها رجل واحد ,لا اعلم أين تقع الخيمة تحديداً لاتساع ساحة الاعتصام الكبيرة وعدد الخيام المتشابهة والمتشابكة كما لا اعرف كيف اخرج منها ولكنها قد تكون أفضل كثيرا مما في الخارج ,فإضافة إلى أنني لا أجد المخرج فانا أيضا لا أريد أن اخرج ,لأني إذا خرجت سوف أكون قد خنت الأمانة والعهد بيني وبين صديقي المتوفى منذ عام, ولكن المشكلة الأزلية التي لا أجد لها حلاً هي ,ما الذي جاء بي ,وكيف وصلت إلى هُنا بالأصل . وهل هناك مجال للخروج؟ 
 لم اصف لكم الخيمة كما ينبغي . خيمة فقيرة بسيطة وسط ساحة مغلقة ,إلا من اتجاه واحد يوجد به مخرج يمر من خلاله أشخاص لا اعرفهم ولا استطيع الوصول إليهم, استغاثة بعيدة المنال ضعيفة التشخيص تخرجني من الكابوس إلى احتمالات الأمل,كابوس يشف عن حلم,دائما هناك شعاع نور واحد ,يتغير زمانه ويتبدل مكانة ولا اعرف من أين سيأتي في المرة المقبلة. وهذا الشعاع سمح لي أن أرى مكونات الخيمة , مجرد سرير بسيط صنعته من الخشب والكرتون أنام وأقوم وأعيش وربما سأموت علية.


لم اصف لكم الإحداث العجيبة التي تحدث فيها,برد وحر ورعد وبرق وجوع لا يرحم .... نعم اشعر بغربة معلنة وأنا في وطني اشتاق للأهل والأصدقاء ابحث عن زاد فلا أجد شيء سوى تلك التبرعات البسيطة التي تأتي من فاعلي الخير والتي تصل الينا وقد اصابها الهلاك,


يوميا ,وكل دقيقة يمر أناس ,يعبرون من إمامي , اسمع خطاهم والمح وجوههم المغبرة , أصواتهم الشاحبة لا تنقطع على مدار الليل والنهار وهي تنادي حيا على الخلاص – لا أكاد اتاكد هل هم موجودين فعلا أم لا حتى يختفوا من إمامي , ولكن من أين يدخلون ومن أين يخرجون ؟! حتى أني لا اعلم علو سقف خيمتي , أحيانا اصطدم به وانا جالس وأحيانا أخرى اقفز فلا اطولة.


وكذلك الأعمدة والزوايا , هي ثابتة أصلا,ولكنها تتضام الى بعضها البعض , ثم تبتعد ثانية . أحيانا اشعر أنني مختنق بها . لقد أصابني مرض التوحد وأصبحت معزولا عن العالم وأحيانا اشعر أنني أعيش في براح مخيف كثيرا ما حاولت ان اهتف مناديا طالبا العون , داعيا ان يأتيني من يخرجني من تلك الخيمة التي جعلتني شبية بالمعتقل, او حتى يدلني على طريق الخروج من هذه الساحة التي أصبحت أشبة بمخيمات اللاجئين, وكان الرد يجيئني سريعا ومباغتا , لم يكن إلا صدى صوتي الهزيل الخائف وتردد كلماتي المتقطعة وكأن هناك شخصا آخر يطلب العون ايظا من خيمته الأخرى.


لم اصف لكم المشهد كما يجب, يوم سئ وغريب .. أرى السماء ملبدة بالغيوم من فوقي , وضوء الشمس اختفى وحلمي المسلوب الذي أتيت من أجلة بعيد المنال , أنا معلق في الهواء , لست معلقا على مشانق الموت, ولكن الغريب اني عالق وسط كومة من الأوهام والأحلام الكئيبة , بدا كأنة ليس يوم موتي , لا اسمع أصوات المارة في الشارع ليس فقط لان الشارع بعيد , ولكن أيضا لأني لست بحاجة ان اسمعهم في هذا اليوم , إنني لا اسمع إلا صوت ليس بغريب عني يكاد يمزق غطاء خيمتي لقد صادف ذلك اليوم ذكرى استشهاد زميلي قبل عام ونصف في إحدى المظاهرات التي خرجنا فيها معا لإسقاط نضام الحكم الذي حكمنا منذ عقود بالظلم والاستبداد والتخلف.


اليوم كُنت نائماً, فهذا هو الشيء الوحيد الذي أفعلة في كل يوم اقضيه من أيامي المريرة في ساحة الثورة واستيقظت لأرى شعاع النور إياه مسلطا على وجهي مباشرة , قلبت وجهي وأغمضت عيني هرباً منة , فإذا بي اصطدم بمشاهدة جسم بجواري , لم أتعود ان أرى او المس او المح اي جسم في هذه الخيمة بعد استشهاد زميلي ,


تذكرت سريعا انة كان لي صديقا عزيزا في متقبل العمر يدعى مصطفى , فكنت قد نسيته ولا أبالغ لكم ان قلت أنني قد نسيت نفسي ..أيضا, فبعد ان فارقته أصبحت لا أرى لا رجالا ولا نساء , أرى فقط تلك الأشباح التي تدخل وتخرج من الخيمة يوميا ولا استطيع تمييز جنسها....


وفي هذ الليلة الغريبة أرى صورا خيالية لوجه صديقي وبعض القطع النادرة واللافتات التي كان يدون عليها الشعارات الثورية قبل خروجنا في المظاهرات , وأوراق عليها عبارات تتحدث عن حب الوطن وما يجب علينا من تضحيات في سبيله أيضا عن الصداقة الدائمة حتى بعد فناء الكون وعن الأجراس التي تدق في عالم النسيان كان قد تركها لي .


كان نائما هو الآخر . حاولت أن أيقضه , لا أكاد أن ألمسة حتى اسحب يدي سريعا من قبل أن المسه وأخيرا صرخت بصوت عال.


اصحى , اصحى


وجدته يتقلب في سريرة , وكأنة اعتاد النوم في هذه الخيمة ... ثم نضر الي بعين نصف مغلقة , وقال لي بصوت تخلله تنهيدة وتثأب :-
 
صباح الحرية.
 
بدا كأنة ليس مستغربا للموقف كما هو الحال بالنسبة لي , كأنة يعرفني وأنة معتاد على الاستيقاظ في أسرة الغُرباء... سألت بصوت متلجلج ( من أنت ! هل تعرفني؟!) كان شعاع النور الآن موجهاً على وجه مع أني لم أراه جيدا , وكان هناك شعاع آخر يخرج من رأسه ... قام من السرير وتحول من ملاك نائم الى رجل نشط , وكأنة مستيقظ منذ عام وليس من أربع ثوان..وقال لى :
 
طبعا أعرفك
 
قلت له منذهلا ً: ولكني لم أراك قبل الآن .
 
قام من السرير وأعطاني رأسه وعلية اثر الرصاصة التي قتلته في تلك الحادثة المؤسفة وكنت عندما أودعته إلى مقبرته التي أصبحت الآن مزاراً للماضي قد وضعت كفي على رأسه وقرأت له ما يجب عليّ أثناء دفنه, 
 
فتثأب وهو يقول : ولن تراني طوال عمرك , من قال انك ستراني أصلاً ..,مددت يدي كي المسه , وكلما اقتربت اجتاحتني موجة من الخوف والذعر , لم استطع ان المسه . نضر إلي وضحك ضحكة بريئة احدث لها صدى واضحا في الخيمة ثم اختفى , تماماُ مثل كل الأحلام التي أراها يوميا تدخل وتخرج من خيمتي التي عادت تضمني أنا وحدي ... وحدي

ضـــــــــــــــغـــــــــــــــــــــــط:
 يذكر بانهذه القصةالقصة الفائزة هذا الأسبوع: "خيمتي "  كتبها حارث محمد الصمدي من اليمن ونستمع إليها بصوت الزميل مصطفى كاظم.   مسابقة القصة القصيرة لبي بي سي اكسترا
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: خيمتي..الفائزة هذا الأسبوع بمسابقة القصة القصيرة لبي بي سي اكسترا كتبها حارث الصمدي Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للانباء-سـام
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً