![]() |
| الكاتب المغربي مصطفى قطبي |
السبئي نت: أخذت إسرائيل بالنصيحة الأمريكية منذ بداية الأحداث في سورية، بضرورة التعاطي مع الحدث السوري بأعلى مستوى من الانضباط الذي يوهم بالحياد الإسرائيلي عن الحدث،
وهي المساهمة الأكبر التي تقدمها إسرائيل لمن يخدم تطلعاتها، وعدم إحراجه بتطابق المصالح وتوافق الأهداف مع ما يجري على الأرض، وقد تفهمت إسرائيل النصيحة وحاولت أن تعمل بها طيلة الوقت، سوى قليل من المحطات التي استشعرت بها تراجعاً أو انخفاضاً في حدة الهجمة الخارجية لتكون لها المساهمة المتاحة في تأجيجها من جديد. لم تغب يوماً الأصابع الإسرائيلية عن أي ربيع مررت به فيما تقدم، لكن الملاحظ في مسار الأحداث أن النصيحة الأمريكية كانت حازمة في التعاطي مع ما حدث في العراق، لكن الحماس الإسرائيلي كان في كثير من الأوقات يسبق الخطط الأمريكية لدرجة الطلب من الولايات المتحدة المشاركة في تنفيذ بعض المهام العسكرية، لتواجه بالرفض أكثر من مرة على مدى سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق ثم مصر، وما رافق التغيير من توجهات كثير منها كان يؤشر لاتفاقات كامب ديفيد بما يؤشر ذلك لعودة البوصلة الإسرائيلية إلى زمن الرئيس الراحل \'\'جمال عبد الناصر\'\' وخسارة كل المكتسبات التي تحققت لها بعد رحيله. في الأيام القليلة الأخيرة تأكد لها أن القيادة السورية بعد أن استنفدت كل فرص الحل السلمي بوسائله الداخلية، بدءاً من الشروع بتنفيذ برنامج إصلاحي شامل، والإصرار الجدي على استكماله رغم المعيقات الكثيرة التي توضع في طريقه من الخارج بوسائل، بعضها داخلي تبنته المعارضة التي تعرّت سلميتها بوقت مبكر، وأكثرها خارجي كان الإعلام رأس حربته، وتدفق السلاح والمسلحين الغرباء أصحاب المشروع التكفيري، والمرتزقة المأجورين لخدمة المشروع الأمريكي العالمي الذين برز دورهم الميداني على الساحة العراقية بشكل واضح، والتقارير الغربية الأخيرة تؤكد وجودهم على الساحة السورية بما لا يرفضه النطق بسبب انكشاف الدور الأمريكي الرئيسي فيما يحدث في سورية. يضاف إلى العاملين السابقين تحول دولي كبير دلالته المباشرة تشير إلى اتساع دائرة المتفهمين للأزمة السورية بعد تساقط معظم أوراق التوت عن جبهة الإعلام المعادي، وتكشف حقيقة الأمر التي بينت أن ما يحدث في سورية ليس محطة في ربيع عربي، وإنما خطوة أخرى في مشروع تدمير الدول الواقعة في \'\'المجال الحيوي الإسرائيلي\'\' للوصول إلى شرق أوسط جديد، يُعْمَل من أجله منذ عشرات السنين، ومنه إلى العالم الجديد الذي تسعى له أمريكا، وقد عبّر عن ذلك في وقت سابق أحد معاوني وزير الخارجية الروسية بالقول: \'\'اليوم سورية، وغداً بيلاروسيا، وبعد غد روسيا\'\'. ولدى الأصدقاء الروس كثير من الدلائل على أن تفكيك روسيا هو الهدف النهائي في المسعى الأمريكي، وليس مشروع الدرع الصاروخي دليله الوحيد، وترك الصين إلى المرحلة اللاحقة هو خيار يقصد منه إزاحة القوة العسكرية الروسية أولاً، ثم التعاطي مع القوة الاقتصادية الصينية بوسائل أخرى مناسبة. لقد كشفت إسرائيل عن مخططها العدواني ضد سورية في ظل الأزمة الحالية، بعد أن تَخَفتْ طوال هذه الفترة وراء مجموعة من العصابات الإرهابية، وهذا ليس بجديد عليها، لقد فعلت ذلك في العراق وإيران، وغيرهما من الدول. فبعد غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق بتاريخ: 20/3/2003 تغلغل الموساد الإسرائيلي بكثرة في البوابة الشرقية للأمة العربية، وأقام له في شمال العراق قاعدة تجسس على البلدان المجاورة، ما سهل تنفيذ المؤامرة على العراق، وعمد الموساد إلى قتل أكثر من 550 عالماً وأستاذاً جامعياً من ضمن القائمة المستهدفة لأكثر من ألف شخصية عراقية، وذلك حسب التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية الأميركية في فترة الرئيس \'\'جورج بوش\'\' الإبن، كما لعب الموساد أيضاً دوراً كبيراً في زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإغراق العراق بحرب أهلية طويلة الأمد. كما وجهت إسرائيل أنظار المجتمع الدولي نحو إيران، والذي بدوره قام بالضغط على حكومة طهران، وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعلمية، وغير ذلك عليها، بسبب استمرارها في تطوير برنامجها النووي، بينما ترسل إسرائيل جواسيسها لقتل العلماء والباحثين الإيرانيين، وتخريب المنشآت والبنية التحتية. لم يعد الحلم التوراتي الأسطوري يدغدغ شعور زعماء إسرائيل كما كان في الماضي، ببسط حدودهم من الفرات إلى النيل، بعد الهزائم المتكررة التي لحقت بالجيش الإسرائيلي في حروبه الأخيرة على لبنان في عامي 2000 و2006 وفي غزة 2008 فالباحثون والمفكرون الإسرائيليون يدركون تماماً ضعف بنية المؤسسة العسكرية لديهم، بسبب ما تعانيه من الفسق والفساد، وفشل محادثات السلام مع الدول المعنية زاد من عزلة إسرائيل دولياً، بسبب عدم مصداقية زعمائها السياسيين، ولهذا السبب تبحث إسرائيل هذه الأيام عن شريك للسلام على مقياسها، بحيث تحتفظ على الأقل بحدودها الحالية، فأنشأت الجدار الإسمنتي الفاصل في فلسطين المحتلة، والآن تنفذ مشروعها في بناء جدارها الفاصل في الجولان، وقريباً ستقيم جداراً على الحدود مع لبنان ومصر، رغم توقيع معاهدة سلام مع الأخيرة، وهكذا تكون إسرائيل قد عزلت نفسها بنفسها عن دول الجوار. وتدفق المساعدات المالية السخية من الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية أصبحت ضئيلة عليها، إذا ما قورنت بالماضي، ولذلك طور زعماء إسرائيل سياسة عدوانية جديدة، وهي محاربة الأعداء عن طريق دفع المجتمع الدولي ضدهم، وبالمقابل تحافظ إسرائيل على قدرتها العسكرية والمادية والمعنوية، وتحرك الموساد وعملاءها لاغتيال الشخصيات النخبة، وتخريب البنية التحتية، والإجهاز على الدولة المستهدفة. لعبت إسرائيل منذ بداية الأزمة السورية دوراً عدوانياً، من دون أن تظهر على مسرح الجريمة، فاستخدمت استخباراتها وعملاءها في الداخل لاغتيال النخبة من الطيارين السوريين، وضباط الجيش، وأساتذة الجامعات، والمخترعين، والباحثين، وغيرهم من الشخصيات الوطنية، وكان هذا السيناريو تكرر في العراق وإيران. فانتظار إسرائيل لهذه الفترة الطويلة لخراب سورية بيد المجتمع الدولي، أخذ حيزاً كبيراً من الوقت بالنسبة إليها، ونفد صبرها، والمطلوب من المجتمع الدولي هو الحسم العسكري السريع وتدمير سورية، كما فعل في العراق وليبيا، فالفرصة سانحة اليوم ولن تتكرر، فأموال عرب النفط السخية جاهزة للدفع مقابل كل رصاصة تطلق في سورية. الإخوان المسلمون، والسلفيون في سورية منذ بداية الأزمة، والإسلام السياسي بكل فروعه وارتباطاته، موجود أيضاً، وهذا الإسلام السياسي، هو غير إسلام التدين، إنه مختلف، والفرق شاسع بين الاتجاهين، من حيث القرب والبعد عن جوهر الدين والسلف الصالح الذين هم منه براء. إن هذا الإسلام السياسي متحالف مع أمريكا، ومشغول الآن برئاسة \'\'فيلتمان\'\' مساعد \'\'كلينتون\'\'، و\'\'ليفي\'\' الصهيوني معاون المهرّج الفرنسي السابق \'\'ساركوزي\'\' في مشروع حصار سورية، الذي أصبح هدفه واضحاً، وهو الوصول إلى السلطة، مقابل تحقيق المصالح الأمريكية، والضغط لتحقيق مشروع التسوية بالرغبة الإسرائيلية، هذا المشروع الذي أشار إليه \'\'برهان غليون\'\' رئيس ما يسمى بالمجلس الاسطنبولي، لصحيفة \'\'وول ستريت\'\' على أنه إذا ما وصل إلى السلطة في سورية فإنه سوف يقطع الاتصال بين سورية، وحزب الله، وحركة حماس، وإيران وإلى أنه سيحل مشكلة الجولان، والاحتلال الإسرائيلي له، ولسائر الأراضي العربية بالمفاوضات الدبلوماسية، وليس بالقوة أو بالمقاومة، الأمر الذي يؤكد، أن المطلوب في سورية من قبل هذا التحالف، هو نظام خنوع، لا نظام صمود. فإسرائيل التي تعلن فرحتها بتشظي العرب وتمزقهم، لا تخفي الآن وبكل وقاحة وصراحة أنها تعمل مع المتآمرين الأعراب من مشيخات الخليج أو جيران تربوا في أقبية المخابرات الغربية ـ نعم لا تخفي إعلانها أنها تريد تقسيم سورية إلى محافظات، متنافرة متناحرة وهذه هي استراتيجية إسرائيلية قديمة جديدة، يعملون عليها سراً وعلانية... قد تخفت حيناً حسب الظروف وتستعيد زخمها أحياناً أخرى... تشابكت أهداف وخيوط المؤامرة وانكشفت الأوراق كلّها، وكان ذلك متوقعاً، ولكن من غير المتوقع ألا يشعر أعراب الخليج أنهم وقود جهنم التي ستحرق مشيخاتهم، وتلقي بهم في صحارى الظلمة والضياع، وقد أخبرهم \'\'إيالون\'\' أنهم سيعودون إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى... هم سيعودون وحدهم إلى جاهليتهم، إلى حقدهم، وسورية ستصمد، ستقاوم، ستعيد كتابة تاريخ العرب من جديد. وعلى الرغم من قلة كلام الصهاينة عن سورية خلال العام الماضي، والغموض الذي اتبعوه، كي لا يفسدوا الخطة ولا يفضحوا من يعمل لمصلحتهم، إلا أن الكلام صار يزيد في الفترة الأخيرة، وبما يكشف الموقف الحقيقي للصهاينة مما جرى ويجري في سورية، فـ\'\'إيال زيسر\'\' الأستاذ المتخصص في شؤون سورية ولبنان في جامعة تل أبيب يقول: \'\'إن الإدانات الإسرائيلية الخجولة لما يحدث في سورية، تندرج ضمن الرغبة في عدم إبداء خدمة علنية للمعارضة السورية، وأن المسؤولين الإسرائيليين يفضلون الصمت خوفاً من إضعاف المعارضة السورية\'\'. لقد كانت تفلت من الصهاينة مواقف تفضح في أي جهة يقفون، من ذلك قول وزير الحرب الصهيوني \'\'إيهود باراك\'\': \'\'سقوط النظام السوري سيكون نعمة لـ \'\'إسرائيل\'\' وضربة لمحور إيران حزب الله\'\'، و قول صحيفة معاريف (13/11/2011): \'\'إن إسرائيل يجب ألا تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يجري في سورية، وكل من سيحل محل الرئيس \'\'الأسد\'\' سيكون أفضل لإسرائيل، وقد أشار تقرير إسرائيلي (براك لابيد ـ هآرتس 16 /2/ 2012 ): إلى أنه حدث تباين في موقف الحكومة الصهيونية بشأن العلنية إزاء ما يجري في سورية، فوزير الخارجية \'\'أفيغدور ليبرمان\'\' يعتقد بأنه على إسرائيل تبني موقف علني ضد الرئيس \'\'بشار الأسد\'\'، فيما يرى \'\'نتنياهو\'\' أن الوضع في سورية حساس... وأن الصمت هو الأفضل. ومع ذلك فقد استمرت التصريحات التي تفضح الموقف الإسرائيلي، فالجنرال \'\'عوزي ديان\'\' الرئيس السابق لـ \'\'مجلس الأمن الإسرائيلي\'\' دعا في حديث إذاعة الجيش الصهيوني يوم (7/2/2012): إلى تقسيم سورية ورأى أن الوضع الحالي (الأحداث الجارية) في سورية يصب في مصلحة إسرائيل، من خلال إضعاف سورية، وتفكك خط إيران ـ سورية ـ حزب الله. أما \'\'إفرايم هاليفي\'\' ـ رئيس الموساد الأسبق فقد صرح لصحيفة لوس أنجلوس تايمز: عدم الاستقرار في سورية فرصة لضرب طموحات إيران الإقليمية وبرنامجها النووي... سورية هي السبيل لتسليح حزب الله في لبنان وحماس في غزة، وأكد أن \'\'أي بديل للرئيس \'\'الأسد\'\' سيكون أفضل لـ إسرائيل، فنظام \'\'الأسد\'\' هو الأكثر عداءً لـ إسرائيل. وعبر ما سبق، فلا أحد يشك أن إسرائيل بكافة أجهزتها العسكرية والأمنية تتابع في كل لحظة ما يجري في سورية لأن الحكومة الإسرائيلية تؤكد أن التخلص من سورية وقدراتها العسكرية سيزيح عنها أخطر جبهة حرب مقبلة ولذلك يزداد اهتمام المحللين العسكريين الإسرائيليين في متابعة ما يجري وعرض استنتاجاتهم على شكل سيناريوهات ومقترحات لقادة الجيش والحكومة. وفي هذا الاتجاه كان (أودي ديكيل) أحد رجال الأبحاث في مركز (أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي) قد نشر مؤخراً دراسة تحت عنوان: (توصيات مطروحة أمام القيادة السياسية) يعترف فيها أن التدخل العسكري المباشر الأميركي ـ الأطلسي أصبح أمراً ميئوساً منه ولن يحدث بسبب عدم وجود غطاء سياسي من مجلس الأمن نتيجة معارضة موسكو وبكين وكذلك بسبب المتاعب التي يتوقعها حلف الأطلسي من تدخل كهذا ضد سورية، وبعد سقوط قواعد لعبة التدخل العسكري هذه يستنتج (ديكيل) أن واشنطن وحلفاءها في المنطقة بما في ذلك إسرائيل يفترضون الآن أن دعم المعارضة السورية المسلحة بما في ذلك السلاح أصبح يشكل أحد أهم قواعد اللعبة الجديدة في مشروع الغرب الهادف إلى (إسقاط النظام). ويكشف (ديكيل) أن إسرائيل لا تزال حتى الآن غير ظاهرة في التدخل في هذه المهمة وهي التي تتمنى رؤية سقوط النظام واستمرار العمل على إضعاف قدراته العسكرية شهراً تلو آخر. يرى (ديكيل) أن معظم السيناريوهات التي يمكن توقعها نتيجة لما يجري في سورية تضع إسرائيل بشكل طبيعي (أمام تحديات تتطلب حلولاً وردوداً سريعة أو متدرجة بحسب الخطر المتوقع من كل سيناريو. فبقاء \'\'الأسد\'\' سيشكل أكبر الأخطار على حين أن سيناريو تظهر فيه حكومة مشتركة بين النظام والمعارضة الخارجية سيكون أقل خطراً نسبياً. ويضيف (ديكيل) أن التأثيرات التي يحملها أي تطور على قوة أو ضعف سورية تجاه الدول المجاورة وأكثر ما يقلق إسرائيل وأكثر ما تخشى منه لأن الصراع الدائر الآن في المنطقة يتركز بين قوتين إحداهما متحالفة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي والأخرى يمتد تحالفها الإقليمي من سورية وحزب الله وإيران إلى موسكو وبكين اللتين لن تسمحا بهزيمة هذه الأطراف لأسباب إستراتيجية دولية ترتبط بشكل وثيق بدورهما كقوتين عظميين في العالم. ولذلك تجد إسرائيل نفسها جزءاً من التحالف الأميركي، الأطلسي وحلفائه وفي النظام الرسمي العربي وتخشى بالمقابل من عدم قدرة هذه الأطراف على تحقيق أهدافها المطلوبة ضد سورية وحزب الله وإيران لأن إسرائيل ستكون أول من يدفع ثمن هذا العجز أولاً ولأن أطراف قوى حلف الممانعة سيصبح أكثر قدرة على التحرك وحشد القوى بعد انتصاره على الحلف الأميركي ـ الأطلسي... وبالمقابل يعتقد المحللون الأميركيون أن كل شهر يمر على هذه التطورات في المنطقة غالباً ما تفرز نتائجه تطورات قد تكون سلبية على دول أخرى مثل الأردن وتركيا ولبنان بشكل خاص وأن التوافق السياسي العراقي مع سورية وإيران سيشكل أهم قاعدة دعم عربية تثير خوف تركيا من الاستمرار في دورها الراهن. وبغض النظر عن الموقف الصهيوني التقليدي من سورية، فإن جميع الأطراف المتورطة في صناعة الأزمة السورية والمحافظة على استمراريتها كانت تنسق وتتعاون بشكل أو بآخر مع العدو الصهيوني لخدمة ما يعتبرونه مصلحة مشتركة ألا وهي إسقاط الدولة السورية، ولذلك كانت البصمات الصهيونية واضحة منذ عدة أشهر في مجرى الأحداث التي تشهدها سورية من خلال: ـ ضبط وحدات الجيش العربي السوري والجهات المختصة لأسلحة إسرائيلية المنشأ في مناطق مختلفة من سورية كان يستخدمها الإرهابيون لقتل السوريين، وما كان لهذه الأسلحة أن تدخل لولا جهود طرف ثالث يرتبط بعلاقة وثيقة مع الإرهابيين والصهاينة. ـ تأكيد وسائل إعلام غربية ودولية على أن بعض مشيخات الخليج كالسعودية وقطر، عقدت صفقات واتفاقيات مع الكيان الصهيوني لشراء أسلحة بغية توريدها إلى المجموعات الإرهابية المسلحة في سورية. ـ استهداف الكفاءات والكوادر العسكرية والفنية السورية ممن تعتبرهم إسرائيل خطراً على مستقبلها، كعمليات اغتيال الطيارين السبعة وعشرات الضباط والمهندسين وأساتذة الجامعات، وأخيراً التفجير الإرهابي الذي استشهد فيه عدد من القادة الذين شكلوا لسنوات طويلة هاجساً مخيفاً للعدو الإسرائيلي. ـ غزل مجلس اسطنبول المستمر للكيان الصهيوني وإعلانه الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة وإقامة علاقات طبيعية معه فيما لو وصل إلى الحكم في سورية، وما كشف عنه خلال الفترة الماضية عن لقاءات ثنائية بين الجانبين والطلب من الكيان الصهيوني التدخل في الأحداث بشكل مباشر لدعم مجلس اسطنبول وميليشياته بما يكشف عن المراحل التي قطعها التنسيق بين من تعتبر نفسها معارضة خارجية وبين الكيان الصهيوني. ـ إعلان بعض الجهات الإسرائيلية عن رغبتها أو قيامها بتقديم ما وصفته بالمعونات الغذائية والصحية لساكني المخيمات المقامة في بعض دول الجوار، والتي هي في واقع الأمر عبارة عن مراكز تدريب للإرهابيين والمسلحين السوريين والأجانب. وعلى هذا فإنه لا يمكن لأحد إنكار الدور الصهيوني في صناعة الأزمة السورية وتصعيدها، سواء تولت بعض الدول والجهات وكالة التنفيذ نيابة عنه أم عبر التدخل المباشر للكيان الصهيوني، وبالتالي فمن الطبيعي أن يخرج إرهابيو هذا الكيان بين الفينة والأخرى لدعم معنويات تلامذتهم القتلة في سورية وهم يُسحقون أمام جنود الجيش العربي السوري، أو بهدف استمرار تسخين الملف السوري وتوتيره على الساحة الدولية للضغط نحو خيارات ليست في مصلحة الشعب السوري... لكن ما فشل هذا الكيان أن يأخذه في العقود الماضية، فإنه لن يحصل عليه اليوم لمجرد أنه وجد من يخون شعبه ودماء آلاف الشهداء وينسق معه لتدمير وطنه وتخريبه. واليوم أصبحت إسرائيل تدرك أن حدّ الكماشة السوري ما يزال صلباً، وأن مخطط تفكيك الدولة السورية يواجه فشلاً جديداً على الأرض، وهو ما يعيد سورية إلى موقعها الرائد في قيادة الصراع العربي الإسرائيلي وإحياء حقيقة هذا الصراع من جديد، بعد تبدلات الربيع الإسرائيلي المنتظر على الأرض العربية لتعود إلى سلوكها التاريخي الذي كان جزءاً من وسائل قيام إسرائيل، وهو الشكوى من عذابات اليهود المزعومة، ثم من أخطار وجودية تواجه مستقبلها وهو التأشير إلى خطر السلاح الكيميائي والجرثومي المزعوم في سورية، وتصويره على أنه أكبر مخزون عالمي. وهنا نؤكد أن لكل دولة في حالة حرب مع عدو خارجي الحق في امتلاك وسائل الدفاع عن وجودها، وفي الحروب الحديثة تصبح بعض الوسائط الهجومية جزءاً من منظومة الدفاع تحت شعار الردع، وأبرز هذه الوسائط أسلحة التدمير الشامل المؤكد وجودها في إسرائيل، لكن الأهمية لا تكمن في من يملك سلاح الردع بقدر ما تكمن في من يستخدمه، وعلى الرغم من أن هناك من يدعي أنه يمكن استخدامه تكتيكياً، أي ضمن نطاقات محدودة من الأرض، لكن بالمقارنة نستدل أن إسرائيل جاهزة لاستخدامه في أي بقعة من الأرض العربية، ليس بما تؤكده عقيدتها القتالية فقط، بل عقيدتها التوراتية أيضاً، يضاف إلى ذلك العامل الأهم وهو علاقة الإنسان بالأرض التي ستتلوث وتتخرب، والإسرائيليون لا يشعرون أنهم أصحاب أرض، وبالتالي لا تعنيهم نظافة الأرض أو تلوثها، وقد لجأت القيادة الإسرائيلية لخيار السلاح النووي في كل مرة تحسست خطراً على وجودها، والحالة المؤكدة كانت في الأيام الأولى لحرب تشرين 1973. وتأتي المزاعم الإسرائيلية حول الملف الكيميائي السوري، لتؤكد أسلوباً معداً للاستخدام في المناسبات المناسبة كما الملف النووي تخرج أحدهما للتداول بين الفينة والأخرى بقصد الضغط على سورية في زمن أصبح بعض العالم في حالة عمى طوعي لا يرى الترسانة النووية الإسرائيلية التي أقرّ بها \'\'شمعون بيريز\'\' بزلّة لسان ثعلبية، وتراجع عنها بذات السلوك، وإذا كانت زلّة لسان الرئيس الإسرائيلي لا تعد دليلاً، فالخبير \'\'فعنونو\'\'، العامل على مدى أكثر من عقدين في البرنامج النووي الإسرائيلي، دليل لا يقبل الشك! إن ما ترغبه إسرائيل الآن من النظام السياسي في سورية، هو القبول بشروطها، أو الرحيل، لكنها لا تجد من يصغي لرغباتها هذه، وهي تدرك أن ما تسعى إليه، للنيل من صمود سورية مصيره الفشل وسيصطدم بتحالف المقاومة في المنطقة، لكن المؤلم لسورية وقوى المقاومة، هذا الدمار الحاصل للذات العربية، والذي تعود أسبابه لانحسار العمل القومي العربي، بعد التباعد بين سورية ومصر، نتيجة اتفاق \'\'كامب ديفيد\'\' والذي أدى إلى انتقال زمام المبادرة إلى الرجعية العربية، وفي طليعتها بعض الدول النفطية المنفلتة من عقالها، نحو التآمر والتبعية، ليجد العرب أنفسهم مرتبطين زوراً وبهتاناً بأشد مواثيق الخنوع بالأمريكي والصهيوني، من خلال خلط الأوراق بين من جمعهم التآمر على سورية، هذا التآمر الذي سيكون مآله السقوط، لا لسبب إلا لسبب واحد، هو وعي الشعب السوري، الذي أفصح عنه في الميادين، والساحات، بالتأكيد على الوحدة، والصمود، والعزة، والكرامة، والإصلاح. إن تغلب سورية على أزمتها الراهنة، وخروجها منتصرة سيفضي إلى التالي: وضع البلاد على سكة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإداري، وتحولها إلى أنموذج لا يريد الأميركيون لأحد في المنطقة الاقتداء به، ارتفاع منسوب تصحيح وجهة انتفاضة الشعب المصري التي تتعرض لمصاعب وضغوط من كل حدب وصوب، وتقف اليوم على مفترق حاسم والمساهمة في إعادة مصر إلى موقعها التاريخي والطبيعي في المنظومة العربية والإقليمية، إمكان سقوط أو تصدع على الأقل، الكثير من الأنظمة العربية المحمولة على حوامل أميركية وإسرائيلية على غرار ما حدث في نهاية الخمسينيات، عندما تمكنت مصر \'\'عبد الناصر\'\'، وبعد انذار وزير الدفاع السوفييتي \'\'بولغانين\'\' الذي يشبه الموقف الروسي الراهن إلى حد بعيد من الخروج منتصرة على العدوان الثلاثي. وعليه، يجوز الافتراض وباطمئنان، أن مآل الأزمة في سورية التي تشكل الحصن الأخير للعروبة المراد القضاء عليها، فكراً وثقافة وعملاً وتجلياً، وتحتل موقع القلب في جسد خريطة القوى المقاومة لإسرائيل ومشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة وتعتبر البوابة الرئيسية للنفاذ إلى قلب وأطراف أوراسيا، ستحدد، ليس فقط طبيعة وشكل النظام الإقليمي، وإنما أيضاً ملامح النظام العالمي الذي تحاول الولايات المتحدة إعادة إنتاج زعامتها له، في مقابل سعي رزمة من الدول الوازنة إلى جعله متعدد الأقطاب.
وهي المساهمة الأكبر التي تقدمها إسرائيل لمن يخدم تطلعاتها، وعدم إحراجه بتطابق المصالح وتوافق الأهداف مع ما يجري على الأرض، وقد تفهمت إسرائيل النصيحة وحاولت أن تعمل بها طيلة الوقت، سوى قليل من المحطات التي استشعرت بها تراجعاً أو انخفاضاً في حدة الهجمة الخارجية لتكون لها المساهمة المتاحة في تأجيجها من جديد. لم تغب يوماً الأصابع الإسرائيلية عن أي ربيع مررت به فيما تقدم، لكن الملاحظ في مسار الأحداث أن النصيحة الأمريكية كانت حازمة في التعاطي مع ما حدث في العراق، لكن الحماس الإسرائيلي كان في كثير من الأوقات يسبق الخطط الأمريكية لدرجة الطلب من الولايات المتحدة المشاركة في تنفيذ بعض المهام العسكرية، لتواجه بالرفض أكثر من مرة على مدى سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق ثم مصر، وما رافق التغيير من توجهات كثير منها كان يؤشر لاتفاقات كامب ديفيد بما يؤشر ذلك لعودة البوصلة الإسرائيلية إلى زمن الرئيس الراحل \'\'جمال عبد الناصر\'\' وخسارة كل المكتسبات التي تحققت لها بعد رحيله. في الأيام القليلة الأخيرة تأكد لها أن القيادة السورية بعد أن استنفدت كل فرص الحل السلمي بوسائله الداخلية، بدءاً من الشروع بتنفيذ برنامج إصلاحي شامل، والإصرار الجدي على استكماله رغم المعيقات الكثيرة التي توضع في طريقه من الخارج بوسائل، بعضها داخلي تبنته المعارضة التي تعرّت سلميتها بوقت مبكر، وأكثرها خارجي كان الإعلام رأس حربته، وتدفق السلاح والمسلحين الغرباء أصحاب المشروع التكفيري، والمرتزقة المأجورين لخدمة المشروع الأمريكي العالمي الذين برز دورهم الميداني على الساحة العراقية بشكل واضح، والتقارير الغربية الأخيرة تؤكد وجودهم على الساحة السورية بما لا يرفضه النطق بسبب انكشاف الدور الأمريكي الرئيسي فيما يحدث في سورية. يضاف إلى العاملين السابقين تحول دولي كبير دلالته المباشرة تشير إلى اتساع دائرة المتفهمين للأزمة السورية بعد تساقط معظم أوراق التوت عن جبهة الإعلام المعادي، وتكشف حقيقة الأمر التي بينت أن ما يحدث في سورية ليس محطة في ربيع عربي، وإنما خطوة أخرى في مشروع تدمير الدول الواقعة في \'\'المجال الحيوي الإسرائيلي\'\' للوصول إلى شرق أوسط جديد، يُعْمَل من أجله منذ عشرات السنين، ومنه إلى العالم الجديد الذي تسعى له أمريكا، وقد عبّر عن ذلك في وقت سابق أحد معاوني وزير الخارجية الروسية بالقول: \'\'اليوم سورية، وغداً بيلاروسيا، وبعد غد روسيا\'\'. ولدى الأصدقاء الروس كثير من الدلائل على أن تفكيك روسيا هو الهدف النهائي في المسعى الأمريكي، وليس مشروع الدرع الصاروخي دليله الوحيد، وترك الصين إلى المرحلة اللاحقة هو خيار يقصد منه إزاحة القوة العسكرية الروسية أولاً، ثم التعاطي مع القوة الاقتصادية الصينية بوسائل أخرى مناسبة. لقد كشفت إسرائيل عن مخططها العدواني ضد سورية في ظل الأزمة الحالية، بعد أن تَخَفتْ طوال هذه الفترة وراء مجموعة من العصابات الإرهابية، وهذا ليس بجديد عليها، لقد فعلت ذلك في العراق وإيران، وغيرهما من الدول. فبعد غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق بتاريخ: 20/3/2003 تغلغل الموساد الإسرائيلي بكثرة في البوابة الشرقية للأمة العربية، وأقام له في شمال العراق قاعدة تجسس على البلدان المجاورة، ما سهل تنفيذ المؤامرة على العراق، وعمد الموساد إلى قتل أكثر من 550 عالماً وأستاذاً جامعياً من ضمن القائمة المستهدفة لأكثر من ألف شخصية عراقية، وذلك حسب التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية الأميركية في فترة الرئيس \'\'جورج بوش\'\' الإبن، كما لعب الموساد أيضاً دوراً كبيراً في زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإغراق العراق بحرب أهلية طويلة الأمد. كما وجهت إسرائيل أنظار المجتمع الدولي نحو إيران، والذي بدوره قام بالضغط على حكومة طهران، وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعلمية، وغير ذلك عليها، بسبب استمرارها في تطوير برنامجها النووي، بينما ترسل إسرائيل جواسيسها لقتل العلماء والباحثين الإيرانيين، وتخريب المنشآت والبنية التحتية. لم يعد الحلم التوراتي الأسطوري يدغدغ شعور زعماء إسرائيل كما كان في الماضي، ببسط حدودهم من الفرات إلى النيل، بعد الهزائم المتكررة التي لحقت بالجيش الإسرائيلي في حروبه الأخيرة على لبنان في عامي 2000 و2006 وفي غزة 2008 فالباحثون والمفكرون الإسرائيليون يدركون تماماً ضعف بنية المؤسسة العسكرية لديهم، بسبب ما تعانيه من الفسق والفساد، وفشل محادثات السلام مع الدول المعنية زاد من عزلة إسرائيل دولياً، بسبب عدم مصداقية زعمائها السياسيين، ولهذا السبب تبحث إسرائيل هذه الأيام عن شريك للسلام على مقياسها، بحيث تحتفظ على الأقل بحدودها الحالية، فأنشأت الجدار الإسمنتي الفاصل في فلسطين المحتلة، والآن تنفذ مشروعها في بناء جدارها الفاصل في الجولان، وقريباً ستقيم جداراً على الحدود مع لبنان ومصر، رغم توقيع معاهدة سلام مع الأخيرة، وهكذا تكون إسرائيل قد عزلت نفسها بنفسها عن دول الجوار. وتدفق المساعدات المالية السخية من الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية أصبحت ضئيلة عليها، إذا ما قورنت بالماضي، ولذلك طور زعماء إسرائيل سياسة عدوانية جديدة، وهي محاربة الأعداء عن طريق دفع المجتمع الدولي ضدهم، وبالمقابل تحافظ إسرائيل على قدرتها العسكرية والمادية والمعنوية، وتحرك الموساد وعملاءها لاغتيال الشخصيات النخبة، وتخريب البنية التحتية، والإجهاز على الدولة المستهدفة. لعبت إسرائيل منذ بداية الأزمة السورية دوراً عدوانياً، من دون أن تظهر على مسرح الجريمة، فاستخدمت استخباراتها وعملاءها في الداخل لاغتيال النخبة من الطيارين السوريين، وضباط الجيش، وأساتذة الجامعات، والمخترعين، والباحثين، وغيرهم من الشخصيات الوطنية، وكان هذا السيناريو تكرر في العراق وإيران. فانتظار إسرائيل لهذه الفترة الطويلة لخراب سورية بيد المجتمع الدولي، أخذ حيزاً كبيراً من الوقت بالنسبة إليها، ونفد صبرها، والمطلوب من المجتمع الدولي هو الحسم العسكري السريع وتدمير سورية، كما فعل في العراق وليبيا، فالفرصة سانحة اليوم ولن تتكرر، فأموال عرب النفط السخية جاهزة للدفع مقابل كل رصاصة تطلق في سورية. الإخوان المسلمون، والسلفيون في سورية منذ بداية الأزمة، والإسلام السياسي بكل فروعه وارتباطاته، موجود أيضاً، وهذا الإسلام السياسي، هو غير إسلام التدين، إنه مختلف، والفرق شاسع بين الاتجاهين، من حيث القرب والبعد عن جوهر الدين والسلف الصالح الذين هم منه براء. إن هذا الإسلام السياسي متحالف مع أمريكا، ومشغول الآن برئاسة \'\'فيلتمان\'\' مساعد \'\'كلينتون\'\'، و\'\'ليفي\'\' الصهيوني معاون المهرّج الفرنسي السابق \'\'ساركوزي\'\' في مشروع حصار سورية، الذي أصبح هدفه واضحاً، وهو الوصول إلى السلطة، مقابل تحقيق المصالح الأمريكية، والضغط لتحقيق مشروع التسوية بالرغبة الإسرائيلية، هذا المشروع الذي أشار إليه \'\'برهان غليون\'\' رئيس ما يسمى بالمجلس الاسطنبولي، لصحيفة \'\'وول ستريت\'\' على أنه إذا ما وصل إلى السلطة في سورية فإنه سوف يقطع الاتصال بين سورية، وحزب الله، وحركة حماس، وإيران وإلى أنه سيحل مشكلة الجولان، والاحتلال الإسرائيلي له، ولسائر الأراضي العربية بالمفاوضات الدبلوماسية، وليس بالقوة أو بالمقاومة، الأمر الذي يؤكد، أن المطلوب في سورية من قبل هذا التحالف، هو نظام خنوع، لا نظام صمود. فإسرائيل التي تعلن فرحتها بتشظي العرب وتمزقهم، لا تخفي الآن وبكل وقاحة وصراحة أنها تعمل مع المتآمرين الأعراب من مشيخات الخليج أو جيران تربوا في أقبية المخابرات الغربية ـ نعم لا تخفي إعلانها أنها تريد تقسيم سورية إلى محافظات، متنافرة متناحرة وهذه هي استراتيجية إسرائيلية قديمة جديدة، يعملون عليها سراً وعلانية... قد تخفت حيناً حسب الظروف وتستعيد زخمها أحياناً أخرى... تشابكت أهداف وخيوط المؤامرة وانكشفت الأوراق كلّها، وكان ذلك متوقعاً، ولكن من غير المتوقع ألا يشعر أعراب الخليج أنهم وقود جهنم التي ستحرق مشيخاتهم، وتلقي بهم في صحارى الظلمة والضياع، وقد أخبرهم \'\'إيالون\'\' أنهم سيعودون إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى... هم سيعودون وحدهم إلى جاهليتهم، إلى حقدهم، وسورية ستصمد، ستقاوم، ستعيد كتابة تاريخ العرب من جديد. وعلى الرغم من قلة كلام الصهاينة عن سورية خلال العام الماضي، والغموض الذي اتبعوه، كي لا يفسدوا الخطة ولا يفضحوا من يعمل لمصلحتهم، إلا أن الكلام صار يزيد في الفترة الأخيرة، وبما يكشف الموقف الحقيقي للصهاينة مما جرى ويجري في سورية، فـ\'\'إيال زيسر\'\' الأستاذ المتخصص في شؤون سورية ولبنان في جامعة تل أبيب يقول: \'\'إن الإدانات الإسرائيلية الخجولة لما يحدث في سورية، تندرج ضمن الرغبة في عدم إبداء خدمة علنية للمعارضة السورية، وأن المسؤولين الإسرائيليين يفضلون الصمت خوفاً من إضعاف المعارضة السورية\'\'. لقد كانت تفلت من الصهاينة مواقف تفضح في أي جهة يقفون، من ذلك قول وزير الحرب الصهيوني \'\'إيهود باراك\'\': \'\'سقوط النظام السوري سيكون نعمة لـ \'\'إسرائيل\'\' وضربة لمحور إيران حزب الله\'\'، و قول صحيفة معاريف (13/11/2011): \'\'إن إسرائيل يجب ألا تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يجري في سورية، وكل من سيحل محل الرئيس \'\'الأسد\'\' سيكون أفضل لإسرائيل، وقد أشار تقرير إسرائيلي (براك لابيد ـ هآرتس 16 /2/ 2012 ): إلى أنه حدث تباين في موقف الحكومة الصهيونية بشأن العلنية إزاء ما يجري في سورية، فوزير الخارجية \'\'أفيغدور ليبرمان\'\' يعتقد بأنه على إسرائيل تبني موقف علني ضد الرئيس \'\'بشار الأسد\'\'، فيما يرى \'\'نتنياهو\'\' أن الوضع في سورية حساس... وأن الصمت هو الأفضل. ومع ذلك فقد استمرت التصريحات التي تفضح الموقف الإسرائيلي، فالجنرال \'\'عوزي ديان\'\' الرئيس السابق لـ \'\'مجلس الأمن الإسرائيلي\'\' دعا في حديث إذاعة الجيش الصهيوني يوم (7/2/2012): إلى تقسيم سورية ورأى أن الوضع الحالي (الأحداث الجارية) في سورية يصب في مصلحة إسرائيل، من خلال إضعاف سورية، وتفكك خط إيران ـ سورية ـ حزب الله. أما \'\'إفرايم هاليفي\'\' ـ رئيس الموساد الأسبق فقد صرح لصحيفة لوس أنجلوس تايمز: عدم الاستقرار في سورية فرصة لضرب طموحات إيران الإقليمية وبرنامجها النووي... سورية هي السبيل لتسليح حزب الله في لبنان وحماس في غزة، وأكد أن \'\'أي بديل للرئيس \'\'الأسد\'\' سيكون أفضل لـ إسرائيل، فنظام \'\'الأسد\'\' هو الأكثر عداءً لـ إسرائيل. وعبر ما سبق، فلا أحد يشك أن إسرائيل بكافة أجهزتها العسكرية والأمنية تتابع في كل لحظة ما يجري في سورية لأن الحكومة الإسرائيلية تؤكد أن التخلص من سورية وقدراتها العسكرية سيزيح عنها أخطر جبهة حرب مقبلة ولذلك يزداد اهتمام المحللين العسكريين الإسرائيليين في متابعة ما يجري وعرض استنتاجاتهم على شكل سيناريوهات ومقترحات لقادة الجيش والحكومة. وفي هذا الاتجاه كان (أودي ديكيل) أحد رجال الأبحاث في مركز (أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي) قد نشر مؤخراً دراسة تحت عنوان: (توصيات مطروحة أمام القيادة السياسية) يعترف فيها أن التدخل العسكري المباشر الأميركي ـ الأطلسي أصبح أمراً ميئوساً منه ولن يحدث بسبب عدم وجود غطاء سياسي من مجلس الأمن نتيجة معارضة موسكو وبكين وكذلك بسبب المتاعب التي يتوقعها حلف الأطلسي من تدخل كهذا ضد سورية، وبعد سقوط قواعد لعبة التدخل العسكري هذه يستنتج (ديكيل) أن واشنطن وحلفاءها في المنطقة بما في ذلك إسرائيل يفترضون الآن أن دعم المعارضة السورية المسلحة بما في ذلك السلاح أصبح يشكل أحد أهم قواعد اللعبة الجديدة في مشروع الغرب الهادف إلى (إسقاط النظام). ويكشف (ديكيل) أن إسرائيل لا تزال حتى الآن غير ظاهرة في التدخل في هذه المهمة وهي التي تتمنى رؤية سقوط النظام واستمرار العمل على إضعاف قدراته العسكرية شهراً تلو آخر. يرى (ديكيل) أن معظم السيناريوهات التي يمكن توقعها نتيجة لما يجري في سورية تضع إسرائيل بشكل طبيعي (أمام تحديات تتطلب حلولاً وردوداً سريعة أو متدرجة بحسب الخطر المتوقع من كل سيناريو. فبقاء \'\'الأسد\'\' سيشكل أكبر الأخطار على حين أن سيناريو تظهر فيه حكومة مشتركة بين النظام والمعارضة الخارجية سيكون أقل خطراً نسبياً. ويضيف (ديكيل) أن التأثيرات التي يحملها أي تطور على قوة أو ضعف سورية تجاه الدول المجاورة وأكثر ما يقلق إسرائيل وأكثر ما تخشى منه لأن الصراع الدائر الآن في المنطقة يتركز بين قوتين إحداهما متحالفة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي والأخرى يمتد تحالفها الإقليمي من سورية وحزب الله وإيران إلى موسكو وبكين اللتين لن تسمحا بهزيمة هذه الأطراف لأسباب إستراتيجية دولية ترتبط بشكل وثيق بدورهما كقوتين عظميين في العالم. ولذلك تجد إسرائيل نفسها جزءاً من التحالف الأميركي، الأطلسي وحلفائه وفي النظام الرسمي العربي وتخشى بالمقابل من عدم قدرة هذه الأطراف على تحقيق أهدافها المطلوبة ضد سورية وحزب الله وإيران لأن إسرائيل ستكون أول من يدفع ثمن هذا العجز أولاً ولأن أطراف قوى حلف الممانعة سيصبح أكثر قدرة على التحرك وحشد القوى بعد انتصاره على الحلف الأميركي ـ الأطلسي... وبالمقابل يعتقد المحللون الأميركيون أن كل شهر يمر على هذه التطورات في المنطقة غالباً ما تفرز نتائجه تطورات قد تكون سلبية على دول أخرى مثل الأردن وتركيا ولبنان بشكل خاص وأن التوافق السياسي العراقي مع سورية وإيران سيشكل أهم قاعدة دعم عربية تثير خوف تركيا من الاستمرار في دورها الراهن. وبغض النظر عن الموقف الصهيوني التقليدي من سورية، فإن جميع الأطراف المتورطة في صناعة الأزمة السورية والمحافظة على استمراريتها كانت تنسق وتتعاون بشكل أو بآخر مع العدو الصهيوني لخدمة ما يعتبرونه مصلحة مشتركة ألا وهي إسقاط الدولة السورية، ولذلك كانت البصمات الصهيونية واضحة منذ عدة أشهر في مجرى الأحداث التي تشهدها سورية من خلال: ـ ضبط وحدات الجيش العربي السوري والجهات المختصة لأسلحة إسرائيلية المنشأ في مناطق مختلفة من سورية كان يستخدمها الإرهابيون لقتل السوريين، وما كان لهذه الأسلحة أن تدخل لولا جهود طرف ثالث يرتبط بعلاقة وثيقة مع الإرهابيين والصهاينة. ـ تأكيد وسائل إعلام غربية ودولية على أن بعض مشيخات الخليج كالسعودية وقطر، عقدت صفقات واتفاقيات مع الكيان الصهيوني لشراء أسلحة بغية توريدها إلى المجموعات الإرهابية المسلحة في سورية. ـ استهداف الكفاءات والكوادر العسكرية والفنية السورية ممن تعتبرهم إسرائيل خطراً على مستقبلها، كعمليات اغتيال الطيارين السبعة وعشرات الضباط والمهندسين وأساتذة الجامعات، وأخيراً التفجير الإرهابي الذي استشهد فيه عدد من القادة الذين شكلوا لسنوات طويلة هاجساً مخيفاً للعدو الإسرائيلي. ـ غزل مجلس اسطنبول المستمر للكيان الصهيوني وإعلانه الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة وإقامة علاقات طبيعية معه فيما لو وصل إلى الحكم في سورية، وما كشف عنه خلال الفترة الماضية عن لقاءات ثنائية بين الجانبين والطلب من الكيان الصهيوني التدخل في الأحداث بشكل مباشر لدعم مجلس اسطنبول وميليشياته بما يكشف عن المراحل التي قطعها التنسيق بين من تعتبر نفسها معارضة خارجية وبين الكيان الصهيوني. ـ إعلان بعض الجهات الإسرائيلية عن رغبتها أو قيامها بتقديم ما وصفته بالمعونات الغذائية والصحية لساكني المخيمات المقامة في بعض دول الجوار، والتي هي في واقع الأمر عبارة عن مراكز تدريب للإرهابيين والمسلحين السوريين والأجانب. وعلى هذا فإنه لا يمكن لأحد إنكار الدور الصهيوني في صناعة الأزمة السورية وتصعيدها، سواء تولت بعض الدول والجهات وكالة التنفيذ نيابة عنه أم عبر التدخل المباشر للكيان الصهيوني، وبالتالي فمن الطبيعي أن يخرج إرهابيو هذا الكيان بين الفينة والأخرى لدعم معنويات تلامذتهم القتلة في سورية وهم يُسحقون أمام جنود الجيش العربي السوري، أو بهدف استمرار تسخين الملف السوري وتوتيره على الساحة الدولية للضغط نحو خيارات ليست في مصلحة الشعب السوري... لكن ما فشل هذا الكيان أن يأخذه في العقود الماضية، فإنه لن يحصل عليه اليوم لمجرد أنه وجد من يخون شعبه ودماء آلاف الشهداء وينسق معه لتدمير وطنه وتخريبه. واليوم أصبحت إسرائيل تدرك أن حدّ الكماشة السوري ما يزال صلباً، وأن مخطط تفكيك الدولة السورية يواجه فشلاً جديداً على الأرض، وهو ما يعيد سورية إلى موقعها الرائد في قيادة الصراع العربي الإسرائيلي وإحياء حقيقة هذا الصراع من جديد، بعد تبدلات الربيع الإسرائيلي المنتظر على الأرض العربية لتعود إلى سلوكها التاريخي الذي كان جزءاً من وسائل قيام إسرائيل، وهو الشكوى من عذابات اليهود المزعومة، ثم من أخطار وجودية تواجه مستقبلها وهو التأشير إلى خطر السلاح الكيميائي والجرثومي المزعوم في سورية، وتصويره على أنه أكبر مخزون عالمي. وهنا نؤكد أن لكل دولة في حالة حرب مع عدو خارجي الحق في امتلاك وسائل الدفاع عن وجودها، وفي الحروب الحديثة تصبح بعض الوسائط الهجومية جزءاً من منظومة الدفاع تحت شعار الردع، وأبرز هذه الوسائط أسلحة التدمير الشامل المؤكد وجودها في إسرائيل، لكن الأهمية لا تكمن في من يملك سلاح الردع بقدر ما تكمن في من يستخدمه، وعلى الرغم من أن هناك من يدعي أنه يمكن استخدامه تكتيكياً، أي ضمن نطاقات محدودة من الأرض، لكن بالمقارنة نستدل أن إسرائيل جاهزة لاستخدامه في أي بقعة من الأرض العربية، ليس بما تؤكده عقيدتها القتالية فقط، بل عقيدتها التوراتية أيضاً، يضاف إلى ذلك العامل الأهم وهو علاقة الإنسان بالأرض التي ستتلوث وتتخرب، والإسرائيليون لا يشعرون أنهم أصحاب أرض، وبالتالي لا تعنيهم نظافة الأرض أو تلوثها، وقد لجأت القيادة الإسرائيلية لخيار السلاح النووي في كل مرة تحسست خطراً على وجودها، والحالة المؤكدة كانت في الأيام الأولى لحرب تشرين 1973. وتأتي المزاعم الإسرائيلية حول الملف الكيميائي السوري، لتؤكد أسلوباً معداً للاستخدام في المناسبات المناسبة كما الملف النووي تخرج أحدهما للتداول بين الفينة والأخرى بقصد الضغط على سورية في زمن أصبح بعض العالم في حالة عمى طوعي لا يرى الترسانة النووية الإسرائيلية التي أقرّ بها \'\'شمعون بيريز\'\' بزلّة لسان ثعلبية، وتراجع عنها بذات السلوك، وإذا كانت زلّة لسان الرئيس الإسرائيلي لا تعد دليلاً، فالخبير \'\'فعنونو\'\'، العامل على مدى أكثر من عقدين في البرنامج النووي الإسرائيلي، دليل لا يقبل الشك! إن ما ترغبه إسرائيل الآن من النظام السياسي في سورية، هو القبول بشروطها، أو الرحيل، لكنها لا تجد من يصغي لرغباتها هذه، وهي تدرك أن ما تسعى إليه، للنيل من صمود سورية مصيره الفشل وسيصطدم بتحالف المقاومة في المنطقة، لكن المؤلم لسورية وقوى المقاومة، هذا الدمار الحاصل للذات العربية، والذي تعود أسبابه لانحسار العمل القومي العربي، بعد التباعد بين سورية ومصر، نتيجة اتفاق \'\'كامب ديفيد\'\' والذي أدى إلى انتقال زمام المبادرة إلى الرجعية العربية، وفي طليعتها بعض الدول النفطية المنفلتة من عقالها، نحو التآمر والتبعية، ليجد العرب أنفسهم مرتبطين زوراً وبهتاناً بأشد مواثيق الخنوع بالأمريكي والصهيوني، من خلال خلط الأوراق بين من جمعهم التآمر على سورية، هذا التآمر الذي سيكون مآله السقوط، لا لسبب إلا لسبب واحد، هو وعي الشعب السوري، الذي أفصح عنه في الميادين، والساحات، بالتأكيد على الوحدة، والصمود، والعزة، والكرامة، والإصلاح. إن تغلب سورية على أزمتها الراهنة، وخروجها منتصرة سيفضي إلى التالي: وضع البلاد على سكة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإداري، وتحولها إلى أنموذج لا يريد الأميركيون لأحد في المنطقة الاقتداء به، ارتفاع منسوب تصحيح وجهة انتفاضة الشعب المصري التي تتعرض لمصاعب وضغوط من كل حدب وصوب، وتقف اليوم على مفترق حاسم والمساهمة في إعادة مصر إلى موقعها التاريخي والطبيعي في المنظومة العربية والإقليمية، إمكان سقوط أو تصدع على الأقل، الكثير من الأنظمة العربية المحمولة على حوامل أميركية وإسرائيلية على غرار ما حدث في نهاية الخمسينيات، عندما تمكنت مصر \'\'عبد الناصر\'\'، وبعد انذار وزير الدفاع السوفييتي \'\'بولغانين\'\' الذي يشبه الموقف الروسي الراهن إلى حد بعيد من الخروج منتصرة على العدوان الثلاثي. وعليه، يجوز الافتراض وباطمئنان، أن مآل الأزمة في سورية التي تشكل الحصن الأخير للعروبة المراد القضاء عليها، فكراً وثقافة وعملاً وتجلياً، وتحتل موقع القلب في جسد خريطة القوى المقاومة لإسرائيل ومشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة وتعتبر البوابة الرئيسية للنفاذ إلى قلب وأطراف أوراسيا، ستحدد، ليس فقط طبيعة وشكل النظام الإقليمي، وإنما أيضاً ملامح النظام العالمي الذي تحاول الولايات المتحدة إعادة إنتاج زعامتها له، في مقابل سعي رزمة من الدول الوازنة إلى جعله متعدد الأقطاب.
