
بقلم -طه العامري: اليمن إلى أين .. وإلى أي أتجاه تقودنا تداعيات الأحداث الراهنة التي تمر بها بلادنا .. تساؤلات تفرض نفسها في ظل حراك أقل ما يمكن وصفه إنه يندرج في سياق الأفعال ( العبثية) التي تصنع أحداث ( سلبية) خاصة أن كان أطرافها يعملون على تكريس الانتصارات ( الذاتية) على حساب الأهداف والتطلعات الجمعية الوطنية التي ينشدها ويتوق إليها كل أبناء الشعب اليمني بكل أطيافهم ومشاربهم السياسية والفكرية ..
بيد أن معطيات الراهن الوطني اليمني تحتم علينا التوقف والتأمل في قيم ومفاهيم هذه المعطيات ومخرجاتها بقدر من المسئولية والوعي الوطنيين لندرك إننا نحاول الهروب من المجهول إلى المجهول ذاته , متسلحين بكل قيم ومفاهيم التجهيل ..!!
ربما أدركت _ مؤخرا_ وقد يكون هناك من يوافقني الرأي على أن ما حدث في 22 مايو 1990م كان حدثا عظيما وكبيرا , لكن المؤلم إننا لم نكن _ حينها_ ولا نزل نمتلك من الوعي والقناعات الوطنية بما يمكنا من إدارة الحدث العظيم والكبير والارتقاء به إلى مستوى عظمته كفعل حضاري تاريخي شكل رافدا لقوة حضارية يمنية تمتلك كل عوامل الديمومة والبقاء والصمود لعوامل كثيرة سياسية منها واقتصادية وجغرافية وحضارية وتاريخيه ..إذ وبقدر عظمة الفعل الوحدوي اليمني الذي حدث في 22 مايو 1990م , كانت ( قزمية) الرؤى و( دونية) السلوك في التعاطي مع الحدث , ولهذا كان من الطبيعي أن نصل إلى ما وصلنا إليه في 2011م وما قبله بدءا من حرب صيف 1994م التي كانت مؤشرا دلتنا على تفاصيل ما نحن عليه اليوم ..!!
أن أزمتنا ليست نتاج أحداث العامين الأخيرين ولا هي نتاج منظومة اختلالات مالية وإدارية وسلوكية , لكنها أزمة مركبة, هي بكل المقاييس أكبر وأعمق من التبريرات التي تسوق اليوم عبر خطاب إعلامي وسياسي للأطياف المتصدرة واجهة المشهد والمتصارعة على الخارطة الوطنية دفاعا عن ( ذاتية) حزبية أو قبلية أو طائفية أو مناطقية أو سياسية فكل الدوافع تم حشدها على مسرح الأحداث كوسائل لتحقيق غايات ذاتية ليس فيها غاية وطن ولا حلم مواطن ..لقد غاب عن أطراف الصراع أو غيبت عنهم الكثير من الحقائق الجوهرية أبرزها وأهمها هو غياب ( المشروع الوطني ) الحاضن لكل الأحداث والمنجزات الوطنية العظيمة , هذا المشروع الوطني غاب بكل تفاعلاته ومخرجاته وقيمه ومفاهيمه ..
أن الأحداث العظيمة لا يمكن أن تسطر بصماتها وانتصاراتها على مسارات التاريخ وذاكرة الناس إلا بمقدار ما لديها من القيم والمفاهيم والأهداف العظيمة ,وبما تملك من الوسائل الشريفة وكذا بما لديها من نبل في المواقف والسلوك التي يفترض أن يتسلح بها ويمتلكها القائمين على إدارة مثل هذه الأحداث العظيمة باعتبارها الغاية الوطنية والهدف الجمعي الوطني الذي تتوق إليه كل شرائح المجتمع ..
لا أريد أن أقول أن ما حدث في 22 مايو 1990م كان بمثابة ( انتصار الصدف) , بقدر ما كان ( الإدارة بالصدف) هي الطاغية على مسرح الفعل الوطني , لأن ما حدث في 22مايو 1990م كان حدث عظيما جاءا نتاج تضحيات أجيال متعاقبة من ابناء اليمن الذين خاضوا معتركات الحياة النضالية عبر مسارات تاريخية ,كانوا خلالها يحلمون بلحظة (المجد) التي انبثقت صبيحة 22 مايو 1990م الذي أعاد الاعتبار لليمن الأرض والإنسان والتاريخ والفعل الحضاري والهوية الوطنية ..
لكني أقول جازما أن وعينا بتلك اللحظة من المجد لم يكون يرتقي لعظمتها التاريخية , لم نكون على قدر من المسئولية لندرك أن ما حدث يتطلب رؤى وطنية تتماهى معه وإلى مشروع وطني يرتكز عليه ويحصنه , نعم لم نكون نملك رؤية أو مشروع وطي ولا نزل وبالتالي لم نتمكن من إدارة انتصارا تحققت فقد كان فوق قدرتنا , لم نتمكن من تقدير حقيقة انتصارنا لا في السياق الوطني الآني ولا في السياق الاستراتيجي , لم نفكر برؤى وطنية جمعية ولم نستشرف ابعاد ومؤثرات الحدث على الصعيدين الإقليمي والدولي ناهيكم إننا أغفلنا البعد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للحدث وأخذنا فقط بالبعد السياسي لكن بعد أن أفرغنا هذا البعد من كل مضامينه الوطنية والحضارية ..لهذا وجدنا أنفسنا ( أصغر) بكثير من عظمة الحدث الذي أفرغناه من كل قيمه ومفاهيمه ناهيكم إننا بسلوكنا ( الدوني) مع الحدث عملنا على تجريده من معطيات وتبعات استراتيجية ومن مؤثرات حضارية كانت في حالة إجدنا إدارة الحدث الذي تحقق في 22 مايو 1990م تكفل لنا حياة حرة كريمة وقرار سيادي مستقل ومكانة مرموقة على خارطة الفعل الإقليمي والدولي وبهامات مرفوعة تعانق خد الشمس..
بمعنى أدق أقول أن الوحدة اليمنية تحولت من عامل ( قوة) لليمن إلى عامل ( ضعف) وبدلا من أن تكون بداية انطلاق لفعل حضاري يمني يتمتع بكل المقومات السيادية والحضارية الوطنية , أدى سوء إدارتنا لها إلى دخول اليمن بكل مقوماتها في مربع الارتهان والتبعية حد الامتهان لنصبح مجرد ( عالة ) على المجتمع الدولي و ( عاهة) بالنسبة للأنظمة الخليجية المجاورة لليمن ..؟!!