لكن ومع مرور مائة يوم على تولى ( بايدن ) سدة الرئاسة الأمريكية حتى وجد نفسه وإدارته أمام خيارات لا بد من التعاطي معها وأن مكرهين ؛ لكن ثمة تطورات مذهلة حدثت على أثر المواجهات داخل الأراضي العربية المحتلة ؛ تطورات يمكن وصفها بالدرامية لمن لا يعرف حقيقة الغرب وأمريكا تحديدا وطريقة تفكيرها ؛ إذ سرعان ما هرولت ( واشنطن ) تستنجد بحلفائها بالمنطقة وتطالبهم بسرعة وقف المواجهات داخل الأراضي العربية المحتلة ؛ مبدئية رغبتها بالعودة لتحريك ( عملية السلام ) قابلة بفكرة ( حل الدولتين ) ؛ متراجعة عن قرارها مقاطعة السلطة الوطنية الفلسطينية وفصائلها ؛ كما اتخذت قرارها بإعادة المنحة المالية التي كانت تقدمها للسلطة الوطنية الفلسطينية ؛ بل وإعادة فتح ( قنصليتها ) لدى السلطة الوطنية في فلسطين ومقرها القدس الشرقية ..؟!
تزامن كل هذا بحرصها على إنجاح محادثات ( فيينا ) مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ؛ وداعية ولأول مرة إلى ضرورة إنها الحرب باليمن ؛ وساعية بكل جدية إلى تطبيع الأوضاع في ليبيا ؛ ومرسلة مبعوثها إلى افريقيا لتطويق أزمة ( سد النهضة ) بين مصر وأثيوبيا ؛ ومبدئية رغبتها في لقاء الرئيس ( بوتين ) في قمة خاصة يمكن وصفها فقمة ( التفاهمات المستورة ) ..؟!!
تزامن كل هذه التداعيات مع بروز تحول في مزاج الراي العام الأمريكي تجاه القضية العربية الأولى ( فلسطين ) وانطلاق أصوات أمريكية رسمية ومؤثرة تندد بالمواقف الصهيونية حتى برز الفتور واضحا في علاقة الرئيس ( بايدن ) وبعض اركان ادارته مع حكومة رئيس وزراء الكيان المطرود من الوزارة ( نتنياهو ) الذي قاد حملة ضد واشنطن داخل كيانه وخارجه وخاصة على خلفية موقفها من إيران ورغبتها بالعودة للاتفاق النووي لدرجة أن هدد ( نتنياهو ) بعملية عسكرية ضد إيران باعتبارها خطرا وجوديا على كيانه وأن رفضت أو اعترضت واشنطن على ذلك ؛ لتشهد العلاقة الامريكية _ الصهيونية حركة مكوكية دبلوماسية وعسكرية واستخبارية للحيلولة دون قيام نتنياهو بمغامرة يهرب منها من مصير ينتظره أن فشل في الحفاظ على مكانته كرئيس وزراء للكيان ..؟!!
المزاج الأمريكي تجاوز كل هذه التداعيات إلى وسائل الإعلام وإلى الشارع الأمريكي الذي تفاعل بطريقة غير مسبوقة مع القضية الفلسطينية وشهدت شوارع ومدن أمريكا أكبر واضخم المظاهرات الجماهيرية ومثلها حدث في لندن وباريس رغم الحظر وفي عدة مدن أوروبية وغربية .!!
هذا التفاعل وهذا الإحساس بمعاناة الشعب العربي في فلسطين من قبل النظام الأمريكي والأنظمة الغربية ومن قبل وسائل إعلامهم ؛ التي سبق لها وأظهرت الطفل الفلسطيني ( محمد الدرة ) ومشهد مصرعه بأنه ( طفل يهودي ) قتل على يد ( الإرهابيين العرب ) نعم ظلت قناة السي أن أن وفوكس نيوز تردد هذه الفبركة وهذا الكذب لأكثر من عام كامل ..؟!!
ولكن علينا أن ندرك أن كل هذه المواقف وما حدث وما سيحدث من تفاعل وتضامن أمريكي _ غربي مع القضية الفلسطينية يعود الفضل فيه أولا وأخيرا لجمهورية الصين الشعبية ولروسيا الاتحادية ولدول الممانعة والمقاومة الرافضة للهيمنة الأمريكية الغربية الصهيونية ....؟
نعم لولاء الصين لما أندفع 35 % من قادة وأعضاء الحزب الديمقراطي الأمريكي أي حزب الرئيس ( بايدن ) يطالبون بمعاقبة حكومة الاحتلال ؛ ولولا الصين لما تحرك ماكرون في فرنسا وجونسون في بريطانيا وأخرون من زعماء الدول الغربية يعبرون عن تضامنهم مع الشعب العربي الفلسطيني ويتحدثون عن ضرورة العودة لاتفاقية ( السلام ) وفكرة حل الدوليتين ؛ الذي تجاوزتهما حكومة الكيان فحل الدولتين يدعوا لإقامة دولة عربية فلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية على مساحة 48% من أراضي فلسطين فيما الواقع اليوم يقول لم يبقى من المساحة المتاحة للفلسطينيين سوى 11% بعد أن زحفت المستوطنات بكل الاتجاهات على أراضي فلسطين من ( أم الرشراش _ إيلات _ إلى راس الناقورة بالجليل الأعلى وألأغوار. ناهيكم عن عنصرية صهيونية تسعى لطرد عشرات بل مئات الألاف من عرب ما يطلق عليهم بعرب 48 داخل الخد الأخضر أي الواقعين تحت سيطرة الكيان ويحملون جنسيته قسرا وهؤلاء يشكلون ما نسبته 40 % من قوام اليد العاملة داخل الكيان .!!
في جانب أخر تحاول واشنطن استغلال دبلوماسية اللقاحات عبر استمالة بعض الدول في المنطقة وفي قارتي أمريكا وافريقيا واسيا بزعم نيتها تقديم لقاحات مجانية لهذه الدول وهي لم تفعل ذلك حتى اليوم رغم أن الصين قدمت حتى نهاية الشهر الماضي قرابة 400 مليون جرعة للدول الفقيرة والغنية على حد سواء ليس هذا وحسب بل أبرمت ( بكين ) سلسلة اتفاقيات مع أكثر من 25 دولة على امتداد القارات الخمس ومنحتهم صلاحية انتاج اللقاحات الصينية على أراضيهم ؛ في ذات الوقت التي عملت فيها الصين وبصورة متزامنة مع كل مواقفها الإنسانية على تلقيح قرابة 900 مليون مواطن صيني وحصنتهم من الفيروس فيما واشنطن لا تزل تفكر في تقديم المساعدات لحلفائها وحسب ..؟!!
إذا من هي الدولة العظمي ؟ التي تستحق أن تحترم من قبل الرأي العام على مواقفها الإنسانية الخالية من أي حسابات الصين ؟ أم أمريكا التي لم تحترم مواطنيها ؟ يوم أمس الأول احتفل المواطنون الأمريكيون من أصول أفريقية بذكرى الماسة الكبرى التي مضى عليها مائة عام وهي ماسة أو مجزرة مدينة ( تلسا ) في ولاية أوكلاهوما التي ارتكب فيها البيض أبشع مجزرة بحق مواطنيهم من أصول أفريقية ولا تزل العنصرية تتجذر بالسلوك الأمريكي حتى اللحظة ..؟!!
طبعا الأمر لم يتوقف عند هذا النطاق بل يمتد إلى منظومة الفلسفة الليبرالية بكل قيمها ومنظومتها وأدواتها ؛ فخلال الأيام القليلة الماضية قدم الرئيس الفرنسي ( ماكرون ) اعتذاره واسف الدولة الفرنسية على جرائم الإبادة التي ارتكبتها في ( رواندا ) منتصف العقد الأخير من القرن الماضي معلنا عن بدء فرنسا بتقديم المساعدات المطلوبة للشعب الرواندي وقبله كان ماكرون قد اعترف بقيام بلاده باغتيال احد قادة الثورة الجزائرية ؛ ثم تبعته ألمانيا بالاعتذار عن جرائم إبادة ارتكبتها قواتها قبل مائة عام بحق شعب ( نامبيبيا ) مبدئة رغبتها بتقديم مليار ومائة يورو مساعدة أولية لناميبيا ..هذه الاعترافات والمحاولات الاستباقية للانهيار الليبرالي هي محاولة لكسب ود الرأي العام العالمي وود الشعوب الضحية للاستعمار الامبريالي وأيضا بهدف التخفيف من لحظة الانهيار القادم والحتمي للنظام الليبرالي فكرا وسلوكا ومواقفا وأدوات وتحسين ما يمكن تحسينه من صورة قبيحة تميز بها هذا النظام وكجزاء من سياسة احتوى النفوذ القطبي الصيني الذي يتجه بخطى متسارعة وواثقة للسيطرة على خارطة العالم وإعادة التوازن السلوكي وقدرا من العدالة لشعوب اضطهدت جراء الغطرسة الإمبريالية بقيمها الليبرالية المزيفة ..!!
أن العالم يعيش اليوم حالة تبدل قطبي بكل ما تعني الكلمة من معنى وهي الحالة التي ستقود إلى تراجع الغطرسة الأمريكية وتراجع المواقف والسلوكيات الإمبريالية وهذا ما سوف تثبته وتؤكده تداعيات الاحداث القادمة التي ستثبت أن ( بايدن ) هو الوجه الأخر أو النسخة الأخرى من ( جورباتشوف ) فترقبوا ..؟!
بايدن ) هل يكون نسخة أخرى من ( جورباتشوف ) ..؟!( 6 ):
دخلت العلاقة الامريكية - الصينية دائرة المواجهة المباشرة بدءا من عام 2018 م تحديدا بعد تدشين ( بكين ) واحدة من اضخم الغواصات النووية في بحر الصين الجنوبي إضافة لثلاث حاملات طائرات عملاقة صينية تجوب اليوم المحيطين الهندي والهادي وبحر الصين بل وعموم مياه البحر الاصفر ، فالصين لا تتقدم وتتطور اقتصاديا وحسب بل وتتطور وتتقدم عسكريا وتخوض معركة الدبلوماسية الناعمة بثقة واقتدار وجدارة وكل هذه الانجازات الصينية تمثل كابوسا مرعبا لامريكا ، فإذا ما اضفنا هذه الإنجازات الصينية إلى جانب القدرات الروسية والتحالف الروسي - الصيني هو تحالف استراتيجي يصعب اختراقه او الحد من نفوذه ، وقد حاولت واشنطن خلال السنوات الماضية العمل على تطويق النفوذ الصيني واغلاق المضائق والمعابر البحرية أمامها ، في ذات الوقت الذي بدت فيه واشنطن خلق المزيد من العوائق والعراقيل امام الصين وافتعال ازمات داخلية امامها بدءا من هونج كونج الى اثارة قضية مسلمي الايجور في إقليم شينجيان الصيني ذو الحكم الذاني ، وكذلك تصعيد علاقات ( بكين ) مع جمهورية تايوان التي تعد جزءا من الاراضي الصينية وتم اقتطاعها بالقوة من قبل أمريكا خلال حرب الاستقلال الصينية ، كما تزاصل واشنطن رفع يافطة حقوق الإنسان في الصين وصولا إلى تحميلها المسئولية عن جائحة كورونا بعد ان كلف الرئيس ( بايدن ) مؤخرا اجهزة مخابراته لتتبع منشاء الفيروس ولا اعرف كيف سيكون لاجهزة المخابرات علم بهذا الجانب وهو يفترض أن يكون مجال علمي وسبق لمنظمة الصحة العالمية ان اصدرت تقريرها بهذا الخصوص لكن واشنطن تصر على تسييس الجاىحة بهدف وحيد وهو تحميل الصين وزر هذه الجائحة ومن ثم شرعنته وقوننته لابتزاز الصين وتدفيعها تعويضات ..؟!!
رد الفعل الصيني على قرار واشنطن نشر تقرير عن الجائحة خلال 90 يوما من قبل اجهزة مخابراتها جاء كما يلي :( ان محاولة واشنطن هي لعبة سياسية ومحاولة إلقاء اللوم على الاخرين : ) في هذه العبارة يمكن لاي مراقب استشراف الحقيقة التي تحاول الصين الاحتفاظ بها بل وتتعامل بكين بدملوماسية الواثق المقتدر مع كل التخرصات الامريكية ..
ومن الممكن ملاحظات التخبط الامريكي من خلال التصريحات التي اطلقها الرئيس ( بايدن ) مؤخرا والمتصل بقرب لقائه في قمة مع ( بوتين ) في السادس عشر من الشهر الجاري في مدينة - جنيف السويسرية - فالرجل ومن خلال تصريحاته يتعامل بذات السلوكيات التي اعتاد عليها رؤساء امريكا في لحظة لم تعد امريكا هي نفسها التي كانت قبل ربع قرن مثلا ..!!
ويدرك هذه الحقيقة الرئيس ( بايدن ) ويدركها صناع القرار الامريكي ومع ذلك يتجاهلونها - إعلاميا - في تصريحاتهم ويتمسكون بذات اللغة المتعالية التي اعتادوا عليها وتسويقها للعالم ، وقبل ايام اجراء ( بايدن ) اتصالا مطولا مع الرئيس الصيني تشي بينغ لم تشير إلي تفاصيلها وسائل الاعلام الرسمية ولا حتى الشعبية في الصين ، لكنها اشارة الى حدوثها ، فيما ( بايدن ) تحدث عن مطالبته الصين بالالتزام بقضية حقوق الإنسان وان ( واشنطن ستبقى دائمة مدافعة عن حقوق الإنسان في كل العالم ) ولم يتردد ( بايدن ) في القول ان الرىيس الصيني ابلغه أن ( الصين سوف تمتلك امريكا عام 2025 م ) ؟!!
والحال كذلك قاله ( بايدن ) عن لقائه المرتقب مع الرئيس ( بوتين ) ، هذا ما سوقه الامريكييون عبر وسائل اعلامهم لكن الواقع أن القمة المرتقبة مع الرئيس الروسي والاتصال بالرئيس الصيني جميعها لا علاقة لها بحقوق الأنسان بل بحقوق امريكا في الوجود والنفوذ والمصالح الامريكية التي تنهار وتتقلص وتتراجع وتشير إلى قرب انهيار إمبراطورية الغطرسة والشر وصانعة الفوضى والخراب والدمار لسكان المعمورة ..؟!
يقول موقع "غلوبال فاير بور" الأميركي إن الصين أصبحت تمتلك أضخم أسطول بحري في العالم بـ 777 قطعة بحرية.
وتضم القوة البحرية الصينية حاملتي طائرات و50 مدمرة و46 فرقاطة و72 كورفيت، و79 غواصة حربية و123 سفينة دورية، إضافة إلى 36 كاسحة ألغام بحرية ..كما تشير التقارير ان الصين لديها اليوم اضخم اسطول جوي عسكري وان معداتها العسكرية غدت تجوب المحيطين الهادي والهندي وبحر الصين ، فيما سماء هذه النطاقات غدت تحت سيطرة القوات الجوية الصينية ، ليس هذا وحسب بل غدت الصين حاضرة وبقوة في الفضاء بعد ان اصبح لها محطة فضائية خاصة بها ومن المفترض ان تبقى هذه المحطة شغالة حتى العام 2050م فيما محطة الفضاء الدولية التي تديرها واشنطن سينتهي العمل بها نهائيا عام 2030م ..؟!
خلال الاشهر الماضية وحين احتدت خلافات واشنطن مع الصين انحازت اغلب الدول الاوروبية الى جانب الصين رافضة التفريط بعلاقتها الاقتصادية والتجارية مع الصين التي ترتبط بمشاريع تجارية واقتصادية واستثمارية عملاقة مع دول الاتحاد الاوروبي وتقدم للعديد من دول الاتحاد مساعدات وخاصة فيما يتصل بجائحة كورونا ، واشنطن ازاء هذا كله دفعت رئيسها للقبول بلقاء الرئيس الروسي على امل إبرام صفقة مع روسيا على حساب الصين ، اي اعادة طرح ما سبق ان رفضته ( موسكو ) في عهد ( اوباما ) وهو فكرة تقاسم خارطة العالم بينهما ورفض فكرة عالم متعدد الاقطاب الذي تتبني فكرته موسكو وبكين وتم طرحه عام 2015 م غير ان واشنطن ترفضه وبقوة ، ومع ذلك وفيما تمضي بكين بثبات نخو اهدافها الحيوسياسية والاستراتيجية وتعد نفسها وبقوة للحظور على خارطة العالم الى جانب روسيا ودول ( البريكس ) كما تمضي وبثبات في مشروع ( الحزام والطريق ) ، فان واشنطن تعاني من ازمات داخلية واخفاق خارجي وفضائح تلاحقها ليس اخرها التجسس على حلفائها في دول الاتحاد الاوروبي ، اما شماعة ( حقوق الإنسان ) التي تزعم واشنطن انها قضيتها الوجودية اصبح الحديث عنها من قبل المسئولين الامريكين يثير السخرية والاستهجان في بلد طفحت فيها العنصرية البشعة حد الوقاحة ، بلد فيها 5000 ألف سجن 80% من نزلاء هذه السجون ابرياء وفق احدث تقرير استقصائي بثته وساىل الاعلام الغربية مؤخرا ،..؟!
ان امريكا لم تحترم حقوق مواطنيهاولم تتعامل معهم يوما وعبر تاريخها بقدر من العدالة كما تصور لنا افلام هيوليود عن عدالة( السوبر باور ) ..نعم قد يقول قائل ان امريكا دولة عظيمة وتملك ( ترسانة نووية ) وهذه حقيقة ، لكن على من يقول هذا ان يفهم ان ترسانة الاتحاد السوفييتي النووية ، لم تحول دون تفكيكه ، بل لولا صعود ( بوتين ) للرئاسة لكانت تلك الصواريخ بيعت في اسواق الحديد الخردة ..؟!
فالسلاح النووي نعم سلاح ردع لكنه في المحصلة لا يسد جوع مواطنيه ، ويمكن القول ان الاسلحة التقليدية الغير نووية هي الاخطر من الاسلحة النووية ، وخطورة الاسلحة النووية لدى الغرب وامريكا لا تمكن في امتلاك السلاح النووي ذاته بقدر ما تمكن مخاوف الغرب وامريكا في امتلاك المعارف العلمية والمعلوماتية التي تحول المجتمع من مجتمع استهلاكي الى اخر انتاجي متفوق في كل الجوانب الحياتية وهذا ما يقلق الغرب لانه سيفقد اسواقا استهلاكية كان يسوق فيها منتجاته الاستهلاكية المتعدد الجوانب ..!!
يتبع
