طه العامري
بغض النظر عن كل التوصيفات التي يمكن أن يطلقها المحللون والمراقبون والنشطاء السياسيون وخصوم أمريكا وحلفائها وعشاقها ومن يمقتها ؛ فأن ما يمكن قوله وببساطة أن أمريكا تعيش حالة سقوط أخلاقي مريع لم تعيش مثله أي إمبراطورية عرفها التاريخ الإنساني ؛هذا السقوط الأخلاقي بدت ملامحه مباشرة بعد تفرد أمريكا بقيادة العالم على أثر انهيار القطب الأخر في المعادلة الدولية الاتحاد السوفييتي أوائل العقد الأخير من القرن الماضي ..إذ أدى غياب القطب الأخر في المعادلة الدولية إلى ما يمكن وصفه ب ( تنمر ) الولايات المتحدة الأمريكية وهذا التنمر لم يقف في نطاق اعدائها بل طال حتى حلفائها والمرتبطين بها في كل قارات العالم ؛ تنمر أفقد ( واشنطن ) احترامها ومكانتها الأخلاقية ؛ وحل الخوف من غضبها وتجنب بطشها ديدن غالبية أنظمة العالم بما في ذلك المرتبطين بها عضويا وضمن دائرة زعامتها الإمبريالية ..
تفرد واشنطن بقيادة العالم لم يدفعها لتحقيق وأن قدرا من التوازن والعدالة على المسرح الدولي ؛ كما أنها لم تعمل على استغلال نفوذها بتطبيق ولو جزءا من بعض الشعارات التي ترفعها زورا وبهتانا وتضحك بها على الرأي العام العالمي الذي قطعا فقد ثقته بكل طروحات أمريكا ومزاعم اداراتها التي ازدادت غطرسة وتنمرا منذ عهد الرئيس ( بوش _ الأبن ) المعروف بالأكثر تشددا ( للصهيونية _ المسيحية ) عن كل رؤساء أمريكا الذين عرفتهم منذ تأسيسها ؛ وخلال العقدين المنصرمين دشنت أمريكا سياسة السقوط الأخلاقي والحضاري وجعلت منها منهجا للتعامل وثقافة سياسية رسختها في تعاملها مع الاخر دون اعتبارات للقادم من المستقبل الإنساني والحضاري .
ورغم الماكينة الإعلامية الجبارة التي سخرتها لتبرير جرائمها وأنسنة مواقفها ؛ ورغم نفوذها الهائل على الخارطة الكونية ؛ ورغم حالة الخنوع حتى الخضوع والانبطاح التي قوبلت بها من غالبية أنظمة العالم ؛ إلا أنها لم تستفيد من كل هذه العوامل لتكريس قيم واخلاقيات ليبرالية حقيقية بحسب ما تدعوا لها أدبياتها وقيمها المزعومة وأن ما نسبته 1% وحسب ؛ بل عملت على تقديم سلوكيات ومواقف متوحشة مجردة من أبسط القيم الأخلاقية والحضارية والإنسانية ؛ لم نجدها حتى في سلوك الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة التي يصفها المؤرخون بأبشع الصفات لكنها تبدو أكثر إنسانية في مواقفها من مواقف أمريكا زعيمة العالم الحر ..؟!!
عربيا مارست واشنطن سياسة استعمارية غير مسبوقة وبطريقة ما يوصف ب(الدبلوماسية الناعمة ) لفترة من الزمن لكن ومنذ العام 2000م استبدلتها بدبلوماسية الصدمة والرعب ؛ وأتذكر جيدا حين وصلت طلائع من القوات الأمريكية إلى ( ساحة الفردوس ) بالعاصمة العراقية بغداد في مارس 2003م وكانت بغداد تشهد أشرس المعارك في مواجهة قوات الغزو الأمريكي ؛ وفيما كانت طلائع تلك القوات تسقط تمثالا للرئيس صدام حسين ؛ طلع ( بوش ) في خطابه ليقول مؤكدا ( بعد اليوم لن نسمع في الشرق الأوسط من يهتف بالروح والدم نفديك يا زعيم )؟؟!!
كانت تلك العبارات تجسيدا لحالة من تنمر وغطرسة لم يكن بالإمكان يؤمها تفسير أبعادها ؛ لكن تداعيات الاحداث المتلاحقة في المنطقة والعالم قدمت تفسيرا ذاتيا لكل ذلك من خلال تجرد أمريكا فعليا عن ( اخلاقياتها ) ليس كدولة عظمى وحسب ؛ بل حتى كدولة استعمارية ..!!
أن أمريكا ترفع الكثير من الشعارات البراقة عن الحرية ؛ والديمقراطية ؛ والتعددية ؛ وحقوق الإنسان ؛ والحوكمة ؛ والعدالة؛ والشفافية ؛ ومكافحة الفساد ؛ ومع ذلك ارتكبت وترتكب أمريكا كل المؤبقات المحرمة أخلاقيا وحضاريا وإنسانيا وقانونيا ؛ فهي لا تؤمن إلا بحريتها بانتهاك سيادة الدول وامتهان كرامة الشعوب ؛ فيما الديمقراطية تسخرها لتطويع إرادة الشعوب والأنظمة وتجعلهم في خدمتها ؛ وهي تقيم ديمقراطيات وانتخابات الشعوب وفق مزاجها ؛ فأن فاز في هذه الانتخابات أو تلك ( اتباعها أو عملائها ) فهي ترحب بنتائجها وأن فاز خصومها فهي ديمقراطية مزيفة ومزورة حتى وأن كانت أرقى وأكثر شفافية وديمقراطية من أعرق الديمقراطيات ..؟!
بل جيرت أمريكا كل هذه المفاهيم الحضارية وحولتها إلى أسلحة فتاكة تحارب بها شعوب ودول وأنظمة وتتخذ منها ( مبررات قانونية ) لغزو هذه الدولة أو تلك ؛ حدث هذا في يوغسلافيا ؛ وفي أفغانستان ؛ وفي العراق ؛ وفي سورية ؛ وفي ليبيا ؛ وفي العديد من دول أمريكا اللاتينية ودول البلقان وعلى امتداد خارطة العالم ..!!
لم تعترف يوما بحقوق الإنسان في فلسطين بل وقفت وتقف إلى جانب قوات الاحتلال ؛ وهي من حولت القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومجلس الامن إلى وسائط ورافعات لتحقيق أهدافها الاستعمارية وانحطاطها الأخلاقي والحضاري والإنساني ..!!
قتلت الأفغان ودمرت بلادهم على رؤوسهم بزعم أنها ستعمل على تقدمهم وتطورهم وتنتشلهم من براثن الجهل والفقر فزادتهم جهلا على جهلهم وفقرا على فقرهم بل ومزقت نسيجهم الاجتماعي وجعلتهم يقتلون بعضهم بعضا وبوحشية ..؟!
وفعلت هذا في العراق الذي قتلت منه قرابة مليونين من البشر وشردت اضعافهم ثلاث مرات ثم نهبت ثرواتهم وتركتهم يقتانون الجهل والفقر ويعيشون حالة تناحر مجتمعي مريع ..!!
سعت لتمزيق سورية وتفتيت جغرافيتها ؛ وانفقت المليارات على مرتزقتها ؛ ولا تزل ؛ شنت عدوانها على ليبيا ومزقت نسيجه وتركت الشعب الليبي يقاتل بعضه ورحلت ؛ شنت عدوانها على اليمن ودفعت أبنائه لقتال بعضهم وزجت بدول الخليج في معترك العدوان نيابة عنها لكي تعقد لهم صفقات السلاح وتستنزف قدراتهم المادية والمعنوية وتجعلهم جزءا من سقوطها الأخلاقي والحضاري .
لقد نشرت أمريكا الخراب والدمار والحروب الاهلية والفتن ومزقت مجتمعات وجوعت شعوب واهانة زعامات وذلت سادة قومهم ؛ بل ومن ردأة انحطاطها وهي الدولة الأعظم في الكون لم تجد في لحظات ( عدوا ) لها غير شلة من المطاريد يطلق عليهم ( تنظيم القاعدة ) وهم زبانيتها وعملائها وهي من أوجدتهم حين رفعت شعار الغير على الإسلام والمسلمين وعملت على تجميعهم إلى أفغانستان ليقاتلوا نيابة عنها خصمها اللدود الاتحاد السوفييتي وكانت تطلق عليهم ( المقاتلين من أجل الحرية ) ..؟!!
وحين انهار خصمها وتفكك وانتفت حاجتها لهم جعلة منهم العدو البديل وراحت تطاردهم بمشاركة 85 دولة من دول العالم خاضوا معها معركتها ضد ما اطلقت عليه ( الحرب ضد الإرهاب ) ليس حبا بل خشية من غضبها وهكذا استباحت سيادة دول وانتهكت حقوق الدول والأنظمة والشعوب والأفراد في سابقة لم يعرف لها التاريخ مثيلا ..؟!!
ليس هذا وحسب بل وفيما كانت تضغط على الأنظمة باعتقال كل من تشك بميولهم نحو التطرف وكراهية أمريكا كنظام ومؤسسات ؛ وحين يتم اعتقالهم من قبل تلك الأنظمة كانت تدفع بمعارضي تلك الأنظمة ومنظمات المجتمع المدني التي صنعتها إلى مواجهة الأنظمة بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان ؛ أي انها كانت تحتوي الأنظمة بالمعارضين داخل الوطن الواحد وتجعلهم جميعا في خدمة مخططها القذر حد البشاعة ..؟!!
لم تكن المجتمعات تعرف العنصرية والصراعات العنصرية ولا الصراعات المذهبية والدينية ولكنها عرفتها مؤخرا بفضل أمريكا التي مهمتها هي صناعة الازمات لشعوب العالم وتجويع هذا العالم عبر ربط دوله وانظمته ( بروشتات البنك والصندوق الدوليين ) اللذان لعبا دور( المرابي اليهودي شايلوك ) في مسرحية الكاتب الانجليز الشهير وليم شكسبير في مسرحية ( تاجر البندقية ) ..لقد افسدت أمريكا قيم واخلاقيات الشعوب والدول وثقافتها الحضارية المكتسبة ؛ كما دمرت قيم واخلاقيات وثقافات وسعت لطمس تاريخ وحضارات ومعتقدات إنسانية ؛ ودمرت المناخ والبيئة وقطاع الزراعة في كل بقعة أرض طالتها ؛ لنكتشف مؤخرا أن حتى ( مواطنيها ) وحاملي جنسيتها تعرضوا لانتهاكاتها وبوحشية وأنها دولة عنصرية ؛ والعنصرية فيها متجذرة والعبودية لا تزال سارية فيها ؛ فهناك مليون مواطن من أصول أفريقية لا يزالون ( عبيدا ) في بعض ولاياتها الاقطاعية ؛ ليس هذا وحسب؛ بل هناك 320 مليون أمريكي هم تعداد سكانها يعيشون حياة ( العبودية ) ولكن بقالب حضاري منمق ..هذه هي أمريكا ( الشيطان الأكبر ) فعلا وصدق من وصفها بهذا الوصف ..!! وهي المنحلة أخلاقيا وحضاريا وانسانيا ولها من الجرائم ما يصعب لعاقل مبهور بتقدمها أن يصدق إلا أن تابع تداعيات احداثها وانهمك في قرأة واقعها الاجتماعي تحديدا ..والمصيبة أن قادتها لا يخجلون ولا يدركون أن هناك بشر يتابعوا مواقفهم وقد اكتشفوا اكاذيبهم السافرة ؛ ومع ذلك ها هي أمريكا تتحدث عن حقوق الإنسان في الصين بل وفي كل العالم وترى أن هذه ( مهمتها الإنسانية ورسالتها الأخلاقية ) حسب تصريحات ( بايدن ) مؤخرا ..؟!!
الذي يؤكد أيضا انه سيعمل على ( نشر الديمقراطية وتعزيز قيمها والدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية للإنسان في العالم )..؟!!!
تماما كما نشرها اسلافه في يوغسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا وسورية وتونس والصومال والسودان وفي العديد من دول العالم ..اللعنة عليها دولة إلى يوم يبعثون .
