728x90 AdSpace

25 فبراير 2021

المجتمع المدني الوطني ضرورة أم ترف سياسي


إعداد الدكتور : حسام الدين خلاصي

مفهوم المجتمع المدني قد ظهر بصورته الأولى وتمأسس في بلاد الغرب مرتبطا بنظرية العقد الاجتماعي التي أحدثت القطيعة بين السياسة (السلطة) و الكنيسة و ما جسدته الأخيرة من استبداد من جهة إقرارها لمبدأ حقوق الأفراد ضمن المجتمع الذي شكل بداية ما يعرف بحقوق الانسان من جهة ثانية . 

و اعتبرت هذه النظرية و خاصة عند جان جاك روسو أن السلطة يجب أن تكون نتيجة اتفاق بين أفراد المجتمع و الدولة " الحكام و الشعب " و أن السيادة يجب أن تكون للشعب. 

وقد مهدت لقيام منظومة علمانية تلغي مفهوم السلطة الدينية القائمة على التفويض السماوي و التي كانت الكنيسة رمزا لها.

ان هذه النظرية ساهمت بشكل كبير في بروز الديموقراطية القائمة على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية و التنفيذية و القضائية) و أدت الى صياغة دساتير و مواثيق تحمي المجتمع من سيطرة الدولة و تتيح للمؤسسات المدنية التي يقيمها الأفراد من المشاركة في العملية السياسية. 

و قد تطورت الديموقراطية بحيث أضحت عبر مؤسسات المجتمع المدني ميدانا عمليا لكي يتعرف الأفراد على كيفية ممارسة أصول الديموقراطية و يمارسونها عمليا مشاركة و مراقبة و ومحاسبة ، بحيث تصبح ثقافة تتعمق في داخل كل فرد سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو حتى الشخصي (العائلي) .

بينما في البلاد العربية وعبر ثورات الربيع العربي المزعومة وقبلها بسنوات كثيرة فقد انتشرت فيها منظمات العمل المدني المستوردة انتشار النار في الهشيم وقَبِلها  الناس لأنها رأت فيها الحداثة التي يفتقرون إليها عبر تقادم اساليب العمل الحزبي والمؤسساتي السائدين في مختلف أقطار الوطن العربي ، وكذلك لقت قبولاً من الجهات الحكومية والمحلية في أكثر البلدان والتي تم اختراقها بسهولة إما لضعف أمني أو لسد النقص الحاصل في الأداء والنتائج والنفعية هي التي سوغت قبول الكثير من الهبات وماشابها من الخطط الخبيثة نتيجة الركض المحموم خلف الربح والمكاسب وتجاهل المخاطر ، ومن هنا نجد أن المجتمع المدني المستورد والمصدر إلى دول الوطن العربي هو الذي أدى لصراع وقتال بين الجيوش الوطنية أو القوى الوطنية مع الشعب الذي تم تضليله بهذه المنظمات المدنية المشبوهة والتي تحولت أوكانت بالأصب جمعيات دينية وهابية ظهرت في اللحظة المناسبة .

ماهو تعريف المجتمع المدني :

ان موضوع تعريف المجتمع المدني هو مسألة خلافية بين الباحثين نتيجة لتعدد أساليب التوظيف الفكري والسياسي والمنشأ للمفهوم و استخدامه من قبل قوى متعددة الاتجاهات . و لكن التعريف الأكثر شيوعا و الذي اعتمده عدد كبير من الباحثيين هو التالي: " ان المجتمع المدني عبارة عن شبكة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين المواطن و الدولة و تعمل على تحقيق المصالح المادية و المعنوية لأفرادها و الدفاع عن هذه المصالح في اطار الالتزام بالقانون و بقيم و معايير الاحترام و التراضي و التسامح الفكري و السياسي ، و القبول بالتعددية و الاختلاف ، و الادارة السلمية للصراعات و الاختلافات ."

وقد تبنى البنك الدولي تعريفاً للمجتمع المدني أعده عدد من المراكز البحثية: " المجتمع المدني هو مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. ويشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى مجموعة عريضة من المنظمات، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية ، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري".

ويتسم المجتمع المدني بأنه مجال للتطوع الاختياري ، والحرية الشخصية ،و المسئولية الفردية ، تجاه المجتمع الذي يعيش فيه المرء ويريد العطاء له بما لديه من إمكانيات مادية ومعنوية .

تقوم العناصر الفاعلة في المجتمع المدني بتأدية عملها في مجالات الحياة كافة عبر طرق عدة: 

•كحمل هموم المواطنين والرأي العام 

•العمل على رأب الصدع في المجتمعات التي تعاني من الصراعات

• الدفاع عن الفئات التي تعاني من التمييز أو الحرمان

• تبادل المعلومات

• مناصرة ومراقبة تنفيذ معايير حقوق الإنسان

• التبليغ عن أي انتهاكات تتعلق بهذا الموضوع

• مساعدة ودعم ضحايا الانتهاكات

• إطلاق حملات من أجل تطوير معايير جديدة لحقوق الإنسان

•وتقديم المشورة بشأن السياسات 

• والمساهمة في توفير نظام حماية فعال على الصعيد الوطني وتقديم التدريب في هذا المجال .

...

لقد شهدت سنوات العقد المنصرم توسعاً مذهلاً في قدرات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم، مدعوماً بعملية العولمة واتساع نطاق نظم الحكم الديمقراطية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والتكامل الاقتصادي. ووفقاً لحولية المنظمات الدولية، فقد زاد عدد المنظمات غير الحكومية الدولية من 6000 عام 1990 إلى ما يزيد على 50 ألفاً عام 2006. 

كما أصبحت منظمات المجتمع المدني أيضاً جهات مهمة لتقديم الخدمات الاجتماعية وتنفيذ برامج التنمية الأخرى كمكمّل للعمل الحكومي، لا سيما في المناطق التي يضعف فيها التواجد الحكومي كما في أوضاع ما بعد انتهاء الصراعات. ولعل أحدث وأبرز مثال على مشاركة منظمات المجتمع المدني في إغاثة ما بعد الكوارث جاءنا من آسيا أثناء عملية الإعمار فيما بعد تسونامي بعد عام 2006.

كما اتضح تأثير منظمات المجتمع المدني في تشكيل السياسات العامة على مستوى العالم خلال العقدين الماضيين. ويبدو هذا النشاط جلياً من خلال الحملات الدعائية الناجحة التي تدور حول قضايا بعينها مثل 

حظر زراعة الألغام الأرضية 

وإلغاء الديون 

وحماية البيئة 

والنداء العالمي لمكافحة الفقر  وهو حملة دولية للمجتمع المدني تدعو إلى الإعفاء من الديون وزيادة المعونات للبلدان الفقيرة.

•••

إلى هنا سنشعر بالخطورة لما ورد في الأفكار السابقة فالتعاريف الواردة قبلاً فضفاضة وتدل على سعة المفهوم وعلى خلط الممثلين عن المجتمع  في طيات المجتمع المدني مابين اثنيات عرقية أو مجموعات دينية والمحافظة على الهوية العرقية كمكون رئيسي للمجتمع المدني ولا ذكر أبدا للمفهوم الوطني ( الوطنية وسيادتها ) فمما سبق يكون المجتمع المدني هو عابر للأوطان واقرب للأممية والعولمة المنفتحة خاصة وأن قضية التمويل للمشاريع معومة وغير معروفة الشروط رغم وجود الشروط والمفهوم السابق قائم على حاجة الدول وعلى سد الفراغ فيها عبر أموال ومشاريع مشبوهة ظاهرها براق وداخلها مشوب بأهداف غير وطنية .

ولذلك تنبع الضرورة لكي نعتمد نظرة جديدة للمجتمع المدني والتي هي أقرب للوطنية منها للعولمة الامبريالية فتكون مواصفته كما التالي : 

● الركن التنظيمي المؤسسي للمجتمع المدني الوطني : 

فالمجتمع المدني يجب أن يضم مجموعة المؤسسات و المنظمات التي يؤسسها الأفراد أو ينضمون اليها بمحض ارادتهم ، و منها على سبيل المثال الأحزاب السياسية و النقابات المهنية و العمالية  و الجمعيات الأهلية والاتحادات و النوادي و المنتديات الاجتماعية و الفكرية و الثقافية و الشبابية ، فضلا عن الحركات النسائية و الطلابية و الهيئات الحرفية و المراكز البحثية و مراكز الدراسات غير الحكومية و المؤسسات الدينية ، وغرف التجارة و الصناعة وغير ذلك. و من المهم أن نذكر أن كل هذه المؤسسات و المنظمات تعبر عن تكوينات و فئات و شرائح اجتماعية مختلفة و هي تعمل من أجل تحقيق مصالحها المادية و المعنوية و الدفاع عن هذه المصالح سواء في مواجهة الحكومة أو في مواجهة قوى و مؤسسات أخرى للمجتمع المدني.

● الفعل التطوعي الحر : ان المؤسسات و منظمات المجتمع المدني يؤسسها الأفراد بمحض ارادتهم الحرة أو ينضمون اليها طواعية بشروط يلتزم بها الجميع (كالمهنة و السن و غيرها) . و يمكن للفرد أن ينتمي الى أكثر من مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني فقد يكون عضوا في حزب سياسي و عضوا في نقابة مهنية أو اتحاد رياضي أو جمعية أهلية .

● الاستقلالية عن الدولة : من أبرز أركان المجتمع المدني الوطني أن تتمتع مؤسساته و منظماته باستقلالية حقيقية عن وصاية الحكومة والأحزاب الحاكمة والخضوع فقط يكون للقانون والذي يفترض أن يكون متطوراً بصورة دائمة سواء في النواحي المالية أو الادارية أو التنظيمية و تمتلك هذه المؤسسات هامشا من الحرية تبعاً للقانون ولا تتدخل أي جهة فيه طالما هي ملتزمة بالقانون .

● عدم السعي الى تحقيق الربح: المقصود من ذلك أن مؤسسات المجتمع المدني لا تقوم على أساس تجاري غايته الربح كما هو الحال في القطاع الخاص ، لأن غايتها حماية المصالح المادية و المعنوية لأعضائها ، و حتى في حال وجود بعض المؤسسات التي قد تحقق أرباحا من خلال نشاطها و خدماتها فإنها لا توزعها على أعضائها بل تستخدمها في توسيع و دعم نشاطاتها وتطوير و تحسين مستواها و أدائها. 

● قيم المجتمع المدني : و يتمثل بمجموعة من القيم و المعايير التي تلتزم فيها مؤسسات المجتمع المدني و منظماته سواء في ادارة العلاقات فيما بينها أو فيما بينها و بين الدولة، و من هذه المعايير، التسامح و الاحترام المتبادل و القبول بالتعدد و الاختلاف في الفكر و الرؤى و المصالح، و احترام القوانين و الاحساس بالانتماء للوطن و اللجوء الى الطرق السلمية في ادارة الصراعات و الخلافات . و قد يطلق البعض على هذه المعايير : الثقافة المدنية .

● ماهي  وسائل تدعيم المجتمع المدني

أ . الاطار القانوني السياسي : يتضمن هذا الاطار مبادئ  قانونية و سياسية تساعد على تفعيل المجتمع المدني الوطني و اعطائه الضمانات اللازمة لحركته و نشاطاته وذلك كما يلي:

1.     وجود دستور مستفتى عليه شعبيا يقر بالتعددية الحزبية و حرية تكوين الهيئات و المنظمات السياسية و النقابية و الاجتماعية و الثقافية ، و يحمي الديموقراطية و الحريات و حقوق الانسان.

2.     أن يضمن نظام الحكم الدستوري الفصل بين السلطات .

3.     ايجاد القواعد القانونية التي تنظم و تحكم تكوين مؤسسات المجتمع المدني الوطني و تحترمها.

4.     احترام النظام القضائي و استقلاله لحماية الشرعية الدستورية و الحريات و الديموقراطية.

5.     سن القوانين التي تحول دون انتهاك الحريات أو حل السلطة التشريعية أو تجميد الدستور أو اعلان الطوارئ أو القوانين أو التهديد بها.

6.     المشاركة الشعبية في صناعة القرارات على المستويات المختلفة بما يتطلبه ذلك من اتباع اللامركزية و توزيع الصلاحيات.

و من المفيد أن نذكر و نكرر عن الارتباط بين الديموقراطية و المجتمع المدني فتراجع الاولى يستتبع تراجع الثاني لأن اللجوء الى صناديق الاقتراع وحده(كل اربع سنوات مثلا) مع غياب مؤسسات المجتمع المدني يشير الى ديموقراطية عرجاء عاجزة عن تطوير الدولة و تعميق وعي المواطن.

أما الديموقراطية المتمركزة الى المجتمع المدني و مؤسساته الشاملة كالأحزاب و النقابات و الهيئات و الجمعيات فهي الديموقراطية الصحيحة التي يمارس فيها المواطن كل يوم حقه في المشاركة و المحاسبة والمراقبة عبر  المؤسسات المختلفة التي ينتمي اليها و تتعمق في داخله تقاليدها و أساليبها.

 ب. الاطار الثقافي : من الواضح أن المجتمع المدني لا ينشط فقط لوجود هياكل تنظيمية تستقل رسميا عن السلطات العامة لأنه لا قيمة لهذه الهياكل في حد ذاتها مالم تسبقها ثم تعززها ثقافة مواكبة تبرز ضرورة تقييد السلطات العامة بحدود معينة في تعاملها مع المواطن ، أفرادا و جماعات ، و احترامها حق هؤلاء في التعبير و النقد. بمعنى آخر لايمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تكون فاعلة دون اطار ثقافي يساعد في ترسيخ قيم الممارسة الديموقراطية و مبادئها. ان ايجاد المجمتع المدني هو ثقافة و تربية وممارسة تعين الفرد على احترام الآخر و تضع للخلاف آدابا و أطرا و تستبعد أي فكر اقصائي يرى أن رأيه هو الصواب دون سواه.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: المجتمع المدني الوطني ضرورة أم ترف سياسي Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً