السبئي -متابعات خاص:
تتمة شهادتي عن عبد الوارث عبدالكريم و الرئيس الغشمي..
الحلقة (15)..
يحيى منصور ابواصبع..
قال عبدالوارث ان الامور سوف تتضح خلال الساعات القليلة القادمة وأين مصير هذه الوحدات وفي أي اتجاه، ثم سألتقي بك مساءً أو صباح الغد، فأنا مضطر لتغيير أماكن اختفائي وتحركاتي، قلت له وماذا بخصوص تساؤلات رفاقنا في هذه الوحدات المستهدفة بالخروج من صنعاء، قال قد صدرت لهم التعليمات وهي في الطريق إليهم، عدت إلى منزل عبدالحفيظ بهران وطلبت أن أخزن أنا و هو وحدنا، وضعته في صورة أخباري، كان عبدالحفيظ يقلب الدنيا أخماس بأسداس وهو من الرجال الذي يتعامل بجديه وعمق وبعد نظر، زادني هم على غم، وفي الساعة العاشرة مساءً جاءني ضابط لا أعرفه وأعطاني علامات وأخذني لعبدالوارث وهو مكان قريب من بيت بهران، قال عبدالوارث قوات الاحتياط قد خرجت عن بكرة أبيها إلى منطقة متنه ووادي السهمان في بني مطر والمعلومات أن الوجهة هي تهامة الحديدة، والكتيبة السابعه اتجهت ذمار وأما الثالثة فإلى سنحان أو خولان وجرت تنقلات في الشرطة العسكرية والأمن العام، وختم حديثه أن موضوعنا الخاص (الانقلاب) تأجل حتى تتضح الصورة خلال الأيام القادمة وليس الأسابيع، طبعاً كان مع عبدالوارث عدد من الأشخاص أعتقد أنهم عسكريون ومن الخلية المسؤولة عن مشروع الانقلاب ولم يكن من عاداتنا إطلاقاً أن نسأل ونستفهم عن الأسماء أو العمل فهذه من الأمور المحرمة تماماً، والتخاطب يتم بأسماء وألقاب حركية تنظيمية.
في اليوم التالي شاعت الأخبار عن إحباط محاولة انقلابية وأن الرئيس الغشمي قضى عليها بمهدها، وعن صحة عبدالوارث حدثنا الدكتور محمد قاسم الثور أنا وعمه عبدالحفيظ أن قرحة المعدة متعبة جداً وأن اشتداد القلق والتوتر بصورة متواصلة قد يؤديان إلى نزيف دموي حاد ونخشى أن نواجه صعوبة في إسعافه أو إجراء عملية جراحية، وأضاف لقد رفض أكثر من مرة إجراء العملية لمشاغله ومسؤولياته التي تثقل الجبال ووجه طلباً أن نعين عبدالوارث على أخذ قسط من الراحة والهدوء، اتصلت بالرئيس بعد أسبوع من هذه الأحداث وطلبت تحديد موعد مع الجبهة الوطنية الديمقراطية بناءً على اتصال من الأخ صالح الأشول والذي كان يعتبر مقرر السكرتارية الخاصة بقيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية، وبعد أسبوع اتصلوا من المكتب أن اللقاء بالرئيس في القصر الجمهوري، رحب الرئيس بنا وقال هذا الاجتماع الثالث بالجبهة الوطنية وهذا من إلحاح الشيخ يحيى منصور أبو اصبع، علق عبدالرحمن مهيوب قائلاً هو شيخ الحزب الديمقراطي، رد عليه الرئيس بنبرة مرتفعة بل شيخ الحزب والجبهة الوطنية، رد عليه الحضور ونحن موافقون، ثم تساءل الرئيس وأين القيادات حق الجبهة الوطنيه من الحركيين وذكر سلطان عمر وجار الله ويحيى الشامي والهمزة والسلامي والحدي، وإلا جالسين في الوسطى يجهزون للكفاح المسلح، وما المانع من عودتهم إلى صنعاء بوجه الرئيس ألا يمسون من أية جهة، طرح عبدالقادر هاشم موضوع المعتقلين سلطان القرشي وآخرين، هز رأسه، وختم الرئيس اللقاء وقال موجه الحديث إلينا قائلاً في الاجتماع القادم أريد أسمع خبر عن قيادة الجبهة من الحركيين.
التقيت عبدالوارث في مخبأ عبدالحميد حنيبر والذي يعتبر المسؤول الثاني في الحزب الديمقراطي بعد المؤتمر الأخير المنعقد في زنجبار بأبين 1973 وهو المؤتمر الذي لم أحضره، كان الاثنان متعبين وكان اللقاء من أجل توديع عبدالحميد حنيبر المجهز نفسه للسفر إلى عدن بالطرق الملتوية حسب العادة، وقد سمعت عبدالوارث يوجه نقداً حاداً للقيادة المتواجدة في عدن ويتهمها بإهمال الجوانب السياسية والتنظيمية والتباطؤ في عملية التنسيق مع فصائل اليسار وأن لجنة تنسيق فصائل اليسار على طريق التوحيد لم تباشر عملها رغم مضي أسابيع على تشكيلها، مما جعل التواصل والتنسيق بين الفصائل في صنعاء غير فعال ولا حيوي، وأهم ما قاله عبدالوارث أن على قيادة الحزب الديمقراطي وقيادة فصائل اليسار والجبهة الوطنية أن يسترشدوا بالتقارير والمعلومات والتوجيهات التي ترسل من صنعاء ومن الشمال عموماً وليس الاستماع فقط لما تأمر به بعض أوساط الجبهة القومية وأجهزة السلطة في عدن من أصحاب الجملة الثورية وشعار السلطة تنبع من فوهة البندقية من خلال حرب التحرير الشعبية، وحول المصاريف لا تكفي لأي شيء لولا الاشتراكات والتبرعات من أعضاء الحزب على فقرهم، وطلب عودة بعض الشخصيات والكوادر التي قد حددها بالتقرير المرسل في الشهر الماضي، وتحدث عبدالحميد عن صحة عبدالوارث وقال له حرام عليك تعمل بنفسك هكذا جهد وإرهاق ونشاط متواصل، لقد استهلكت صحتك وماذا أقول للإخوان في عدن من تنفيذك للقرارات والتوجيهات للذهاب من أجل العلاج وقد حصلوا على منح علاجية إلى كوبا أو ألمانيا لعلاجك، قال عبدالوارث لم يعد لي نفس للنزول إلى عدن لأن الوضع هناك يسبب لي الإحباط، علقت أنا على رفضه الذهاب للعلاج في كوبا أو ألمانيا قلت له والله أنك مدبر وغاوي متاعب روح اتعالج ما باتسقط السماء فوق الأرض، لولا قُرانع مدعم للسماء، ضحك عبدالوارث وقال أنت تعرف الكثير ويصعب عليا ترك صنعاء هذه الأيام، المنظمة والرفاق والمتابعة صارت حياتي ومعنى وجودي وليست مبالغة إذا قلت لكم أنني حين أحس أني بعيد عن عملي وتحركاتي ورفاقي وصنعاء وأطفالي أشعر أني أموت، أنا مثل السمك إذا خرج من الماء اختنق، ونحن خارجين وصل الرفيق معاوية قدمنا لبعض عبدالوارث وقال هذا سلطان الجرادي (معاوية) وهو مسؤول لجنة التنسيق التي لم تجتمع لفصائل اليسار الخمس (الحزب الديمقراطي، الطليعة الشعبية، حزب العمل، حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي، منظمة المقاومين الثوريين )و لهذا يجب أن تنسق معه نشاطك السياسي هو فهمان ونشيط جداً في العملية السياسية ومثقف وملتزم جيد إلا أن له فلسفة في العمل السري لا تتفق مع أوضاعنا وإمكانياتنا في اليمن، قلت لمعاوية عند لقاءاتنا القادمة نناقش نظريتك حول العمل الحزبي السري في ظل أنظمة القمع البوليسية، وذهب كل إلى وجهته، وبعد أيام قليلة طلبني رئيس الجمهورية، قال أشعر اليوم أني قد تخلصت من المشكلات الكبار، فخروج مجاهد القهالي للعمل في السفارة في أوروبا وعبدالعالم والمضلات بصورة أضرت بسمعتهم وسحقت شعبيتهم، قد يلتقون في عدن مجاهد وعبدالله عبدالعالم وهم ناصريين مثل الناصريين حق مصر، أزاحهم السادات بساعة وكل القوة كانت بيدهم وانتهوا لا قضى ولا سلف، وأيضاً بخروج القوات من صنعاء وخاصة قوات الاحتياط وقد نشرناهم في تهامة كل كتيبة في وادٍ، وحمود قطينة عيناه ملحق عسكري يرتاح هناك ويخطط ويجهز للانقلاب ويطلع نفسه زعيم أو ذي وده، لا أحد يراقبه ولا يتابعه، سألت الرئيس وأنا أتوجس خيفة هل كان قطينة معه قوات غير الاحتياط، قال طبعاً كل من كان مع الحمدي، قلت له مافيش أحزاب معه، قال المعلومات لدينا أن الرجل مشعب جور ويرى نفسه أفضل مني وما زلنا نجمع معلومات موثقة عن المتعاونين معه، أما التهويش والمعلومات المستعجلة فهي تتهم كل الناس والأحزاب والجيش لكننا لا نثق فيها، وقد كلفت المخابرات أشخاص في الخارج يتابعون قطينة ويستخرجون منه الأخبار، قلت للرئيس هذا عين الصواب حتى لا تصيبوا أناس بمجرد الفبركات وتصفية الحسابات، شعرت براحة البال ولكن إلى حين فالأيام حبلى بالمفاجئات.
قال الرئيس نعود للجنوب، أيش معهم هذه الأيام ، ضجه في الإعلام عن الحزب الطليعي وتوحيد الفصائل في الجنوب، مش كلهم شيوعيين هم وباذيب، استدعيتك لأسمع منك لأن تحليل الأصنج وأصحابه فيه الغث والسمين، شرحت بإيجاز أن الجبهة القومية والاتحاد الشعبي (باذيب) والطليعة الشعبية (أنيس حسن يحيى) توحدوا بإسم التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية، وكيف – علق الرئيس- باتسوي بعملك معهم هؤلاء الجدد هل لك معرفة بهم، قلت له نعم أعرف عبدالله باذيب معرفة جيدة وصداقة قوية، وأول معرفتي به في تعز في 1959 حين هرب من عدن إلى الإمام أحمد الذي كلفه بإصدار صحيفة يهاجم بها الاستعمار البريطاني وكنت حينها في سن اثنا عشر سنة أخذني أخي أحمد لأعرف تعز حيث كانت أمي مريضة وتعالج هناك في مستشفى تعز وباذيب صديق لأخي أحمد كانوا نازلين في مطعم بلقيس ملك محمد أنعم (والد الرفيق المناضل عبدالرزاق أنعم الذي كان من أفضل القيادات الحزبية في تلك الظروف 1973) وكان معه أحمد قاسم دماج وجبر بن جبر وسعيد الجناحي وعبدالله صالح عبده، ثم تعارفنا سياسياً من عام 1963 بعد الثورة حيث انتسبت للشبيبه حق عبدالله باذيب وتوطدت العلاقات حتى التحقت بالحزب الديمقراطي عام 1968، علق، هاااه إذاً أنت شيوعي أصيل من الطفولة، قلت له أنا درست في جامع جبلة وأحفظ جزئين غيب تجويد من القرآن الكريم والحديث وأصول الفقه واللغة العربية قبل الثورة، وبعدها عملت خلطة بين الدين والاشتراكي وضحكنا، وسأل الرئيس يقولون أن الحزب الطليعي با يضم الأحزاب التي في الشمال وتتوحد أداة الثورة ويحققون الوحدة اليمنية بالقوة كيف بايسوا ، دخلنا في مناقشة ختمها الرئيس بقوله هؤلاء خبلان ما يعرفوا أن قبائل الشمال با تبتلعهم هم وعشرة أمثالهم، عندنا القبائل يلهفوا أموال قارون لو تمطر لهم السماوات فلوس الدنيا ما كفتهم، ولا تنسى أن القبائل والمشايخ والتجار ضدهم لأنهم سحلوا العلماء والمشايخ والتجار وعملوا اشتراكية على السينما والكراسي والمطاعم ومعظم الناس هاربين عندنا في الشمال، والأصنج دايماً يشرح لنا عنهم، قل لهم يعقلوا كفايتنا حروب وألغام وقتل وتدمير وأنا مستعد للتعاون، بس انتبه لعبدالفتاح وأصحاب الحجرية فقد أخبرني الأصنج أنهم الخطر والمتشددين بالأفكار الهدامة، وجه لي سؤال، هل باتتحرك عدن أو ما هي أساليبك، أريد أعرف برنامجك حول الجنوب ودبر عملك، أريد أفهم الأوضاع جيداً وخلي في بالك زيارتك لعدن قائمة، عليك أن تجهز أمورك وأشوفك بعد أسبوع وأنت جاهز بأفكارك و عليك ان تبقى في صنعاء، شكرته على الاهتمام والاستماع، ظل الرئيس يؤكد في كل لقاءاتي معه أن علاقته بسالمين تتطور وتتحسن بسرعة.
بعد هذا اللقاء حاولت ألتقى عبدالوارث عبدالكريم وفشلت وبعد أيام تأتي الأخبار أن عبدالوارث في مستشفى الكويت مريض والأمن الوطني يحاصره ويحتل المستشفى، ذهبت إلى عبدالحفيظ بهران والأخبار عنده قال لي من اليوم الفجر طوق الأمن المستشفى بعد أن اكتشفوا عبدالوارث وقد أجريت له عملية في المعدة حيث حدث له نزيف حاد من جراء القرحة وكان على وشك الموت من شدة النزيف ويظهر أنه اكتشف من خلال بقائه في المستشفى منذ خمسة أيام، قلت له وأنا أبحث عنه ولا تردوا لي جواب كلكم، قال حتى أنا لا أعلم إلا فجر اليوم، الأوامر عندهم بتحريم الحديث عنه حتى لا تتسرب أخبار، قلت له وأين محمد قاسم الثور، قال في المستشفى إنما سيعود عند الغداء، أخبرني الدكتور الثور أن العملية ناجحة وتحت مسؤولية الرفاق من الأطباء وأغلب أطباء المستشفى و العاملين في المستشفى رفاق من الحزب وأضاف أنه تسرب الخبر من طبيب بعثي اكتشف العملية بالصدفة ويظهر أنه نقل المعلومات إلى قيادة البعث والمعروف عن هذا الطبيب أنه محترم وخدوم وعلاقتنا به جيدة.
يتبع الحلقة (16)..
يحيى منصور ابواصبع..
