العميد د. امين محمد حطيط:
بعيدا عن النقاش حول مصدر فيروس كورونا و حقيقته ، خاصة ان احدا من أصحاب الاختصاص والعلم والخبرة لم يقطع حتى الان بتحديد ما إذا كان هذا الفيروس منتج طبيعي او مركب اصطناعي، وأحد من الذين قالوا بمصدره الطبيعي لم يؤكد قطعيا حقيقة المصدر وكذلك الامر مع الذين قالوا بمصدره الاصطناعي واوحوا بان جهة ما انتجته كسلاح جرثومي وأطلقته ضد أعداء حددتهم او كانت تحضره لذلك ثم فقدت السيطرة عليه و يشيرون هنا التي اميركا التي يرونها " المصدر الأصلي لفيروس COVID-19 حيث كان مختبر الحرب البيولوجية العسكري الأمريكي في فورت ديتيك هو المصنع ." اميركا التي ابتغت من ورائه تدمير الصين وإيران وغيرهما .... بعيدا عن هذا النقاش الذي لم يحسم حتى الان حيث لم يؤكد أحد كيف اتى هذا الفيروس واين سينتهي، فان أخطر ما نتوقف عنده من نتائج انتشار هذا الوباء هو العجز والفضائح التي كشفها. عجز على الصعيد العلمي لمواجهته، وفضائح اخلاقية سلوكية على صعيد العلاقات الدولية عامة والغربية خاصة. ..
ففي الوجه الأول ظهر عجز الحضارة الإنسانية الحاضرة وتحديدا عجز ارباب الحضارة الغربية التي تزعم انها تقود العالم عجزهم عن مواجهة الجائحة، علاجا ووقاية وفي الوجه الثاني ظهرت فضيحة الحضارة الغربية وانكشفت انانيتها وفرديتها ولا انسانيتها لا بل وحشيتها التي كانت تمارسها بحق الغير وباتت في زمن الوباء تمارسها بين مكوناتها ذاتها.
ففي الموضوع العلمي ، ظهرت محدودية القدرة العلمية العالمية عن المواجهة ، اذ رغم مضي اكثر من 100 يوم على الظهور الأول لهذا الفيروس ،فان مختبرات البحث العلمي الجرثومي على مستوى العالم كله لم تستطع الوصول الى فهم حقيقة هذا الفيروس و رسم خريطته الجينة الدقيقة و فهم اسراره التي تمكن من الانتقال الى المرحلة الثانية في المواجهة التي تفضي الى تصنيع الدواء للمعالجة و انتهاءا بالمرحلة الثالثة و هي الأهم و الأخطر و الافعل و هي مرحلة الوقاية المحكمة منه و المتمثلة بتصنيع الطعم المناسب المانع من الإصابة بالمرض و الحامي كليا من هذه الفيروس الخطر و لازال العالم و العلماء يتخبطون بين المرحلة الأولى و الثانية و لا يرتقبون الوصول الى نتيجة حاسمة في المرحلة الثالثة قبل عام .
و رغم كل ما تناقلته وسائل الاعلام و ما ابداه المسؤولون هنا و هناك من قول حول اقتراب الوصول الى الدواء الشافي او الطعم الواقي ، رغم كل ما قيل فان الاقوال بقيت وعود و بقي الفيروس يفتك بالشعوب و الملفت في الشأن ان الصين التي كانت البؤرة الأولى لظهور المرض استطاعت السيطرة عليه انتشارا و تستمر في البحث عن العلاج و الطعم ، بينما ظهرت اروبا ام الحضارة الحديثة كما تصف نفسها عاجزة عن المواجهة ،و باتت البؤرة الألى للفيروس وتكاد تفقد السيطرة عليه او تكاد تستسلم له خاصة في الدول الست الكبرى فيها و هي الدول الأكثر تطورا و تقدما في اروبا كلها (إيطاليا المانيا اسبانيا فرنسا سويسرا و بريطانيا ) و التي تعتبر الان على أبواب كارثة حقيقة كما تصف الجهات المختصة لمتابعة للموضوع .و اميركا تلحقها كما يبدو .
اما من جهة الفضائح وهو الأخطر على صعيد ما كشفه فيروس كورونا، فهو ما يتعلق بسلوك الغرب وارباب الحضارة الرأسمالية الحديثة (النيوليبرالية) سلوكهم فيما بينهم وحيال الشعوب، سلوك يشكل فضيحة مدوية لا اعتقد ان هافا بعد هذه لفضيحة يمكنه ان يتعامل مع هذا المتوحش الإنساني والا أخلاقي وهنا من المفيد ان نتوقف عند الصور التي كشفها هذا المرض كالتالي:
1. كذبة التضامن الغربي وانكشاف بشاعة الفردية والانانية الغربية. بدأ اجتياح فيروس كورونا لأروبا من البوابة الإيطالية، وبقيت إيطاليا تصارع الوباء وحدها أسبوعين متتاليين دون ان تسمع او ترى صوتا او يدا اروبية او أميركية تمتد اليها للمساعدة او عرض المساعدة او حتى المواساة، لا بل ان البعض شمت بإيطاليا واشعرها بانها تستحق هذا العقاب الجرثومي لانها غردت منفردة في علاقة تجارية واقتصادية مع الصين بعيدة عن الموقف الغربي. سلوك أكد للقاصي والداني ان التضامن الغربي ووحدة الموقف كذبة أكد عليها موقف ترامب عندما حاول ان يحتكر ما توصلت اليه المانيا في مسار البحث عن دواء وطعم للوباء ليستعملها في اميركا وحدها ويمنعه عن العالم بما فيه اروبا.
2. وحشية الغرب حيال الانسان بشكل عام بما فيها انسانه هو. وهنا توقف المراقبون وكل العالم عند امتناع الغرب عن تقديم المساعدة لمن يحتاجها من الدول او اعتماد معايير التمييز في تقديم المساعفة الطبية داخل الدولة ذاتها كما حصل في دول اروبية أقدمت على الامتناع عن تقديم المساعفة لمن هم فوق ال 65 او 70 سنة من العمر وكأنهم يقسمون المرضى بين فئتين فئة تستحق الحياة وفئة ترسل الى الموت المؤكد. وكان خروج رئيس وزراء بريطانيا على مواطنيه بالقول وبكل وحشية "حضروا أنفسكم لموت احبة لكم، ثم قوله في "غضون 3اسابيع سنكون امام كارثة إيطاليا"
3. وحشية زعيمة العالم الرأسمالي اميركا وعنصريتها حيال الدول والشعوب خاصة ضد الصين وإيران حيث انها صنفت الفيروس بانه صيني من اجل الإساءة للصين التي انتصرت عليه، اما السلوك الأميركي الوحشي اللاإنساني الابشع فقد ظهر حيال إيران وتمثل بتشديد العقوبات عليها ومنعها من الحصول على الأدوية والمعدات الطبية والمواد الأولية التي تستعمل في المختبرات للبحث عن دواء او علاج او طعم ضد كورونا. ما جعل العالم يصاب بالذهول من هول الصدمة التي احدثتها هذه الوحشية الأميركية.
4. انكشاف وهن الغرب امام الكوارث والأوبئة وغياب الاستراتيجية الجماعية للعمل المشترك في مواجهتها. لم يكن أحد ليصدق ان الغرب على هذا القدر من الوهن في مواجهة وباء او جائحة. والأشد سوءا ان هذا الوهن ظهر مركبا من وهن بنوي ذاتي داخل كل دولة من دول الغرب الأوروبي والأميركي ووهن تنظيمي على صعيد التحالفات وظهرت اميركا على حقيقتها حيث تأكد انها ليست في اروبا دولة حليفة بل هي دولة مستعمرة لا يهمها من اروبا الا ما تحققه من مصالح فيها اما إذا احتاجتها اروبا فأنها لن تستجيب لها الا بمقدار ما يكون من مصلحة أميركية فان انتفت المصلحة امتنعت عن العون وهذا الامر سيترك بصماته على العلاقة المستقبلية بين اروبا و اميركا تلك العلاقة التي قيل انها صيغت لتكون بشكل شبه اتحادي فاذا بها تظهر بصورة علاقة مستعمر بمستعمرات.
5. ثبوت الصفة التجارية الخالصة للنظام الليبرالي وتأكد بعده عن الإنسانية والأخلاقية. ففي حين ان المنطق يقول ان الانسان يجب ان يكون المحور والهدف في كل سلوك ، وبهذا المنطق أنشئت الأمم المتحدة و قبلها عصبة الامم من اجل الانسان و حماية حقوق الانسان – الانسان بالمطلق – و من اجل الامن و السلام الدوليين وفي طليعتهما الصحة العالمية ، فاننا نجد الغرب اليوم وخاصة اميركا التي تتدعي انها زعيمة العالم و تسعى الى إقامة نظام الأحادية القطبية و اطلقت العولمة التي اسقطت الحدود بين الدول لصالح الدولة الأقوى أي اميركا بذاتها ، رغم كل ذلك نجد ان جائحة كورونا فضحت حقيقة هذا الغرب الرأسمالي الذي لا قيمة للإنسان لديه و لا أهمية لشعور انساني ولا وزن لعلاقة صداقة او تحالف عنده والأهمية كل الأهمية هي للذات و للمصالح الفردية و القيم المادية ما اظهر البشاعة المطلقة لهذا النظام بحيث تأكد لكل عاقل بانه نظام لا يمكن القبول به لينتظم العالم بموجبه وهو نظام جمع الثروات و هدر الانفس و التفريط بالإنسان وجودا و حقوقا . نظام افشاء النزاعات والحروب والاوبئة. ولذلك وفي هذه النقطة بالذات نستنج ان الضحية الكبرى والأولى لفيروس كورونا هي الليبرالية الجديدة والرأسمالية سبق واظهر بشاعتها السيد محمد باقر الصدر وأكد على خطورتها على الانسان وحقوقه. نعم ان النظام الدولي الذي أرسى بعد الحرب الثانية يسقط الان، هذا النظام الذي فشل عسكريا وسياسيا في ميادين الشرق الأوسط خاصة في سورية واليمن يسقط اليوم بالضربة القاضية من باب كورونا.
6. اما الصوة المشرقة الناصعة التي اظهرها إعصار كورونا فهي ما ظهرت عليه القوى المستهدفة عادة من القوى الغربية و المتهمة منها بشتى الموبقات في مجال حقوق الانسان والأداء السياسي والإنساني ،و في طليعتها الصين و ايران و روسيا ، ، حيث اكدت هذه الدول على أهمية وجود الدولة المركزية القوية في مواجهة الاخطار الكبرى، و اظهرت الجانب الإنساني والأخلاقي للنظم القائمة فيها و على طبيعتها الإنسانية التي دفعتها لمد يد العون لأكثر من دولة تأذت من كورونا واكدت هذه الدول خاصة الصين قدرتها على المواجهة و نصرة الانسان بدون تمييز .
