بقلم / فاضل الربيعي
القدس لم تكن عاصمة إسرائيل القديمة
هل استولى أخاب التوراتي على السامرة في فلسطين؟
يعجّ سفر الملوك الأول والثاني من التوراة، بتفاصيل يصعبّ تسجل بدقة أشكال الصراع الدموي بين الإسرائيليين الشماليين واليهود الجنوبيين. وفي كل هذه الأسفار لا وجود لأي إشارة قط إلى أن "قدس" (קדש) كانت عاصمة مملكة إسرائيل، علما بأن أحداث هذا السفر تغطي حقبة طويلة من التاريخ. ومع ذلك، فسوف أعمل على تقديم أفضل تكثيف ممكن لها.
أين كانت عاصمة إسرائيل القديمة إنْ لم تكن لا في "قدس/ قدش" ولا في "أورشليم"؟ سأرسم إطارا تاريخيا عموميا لتسهيل الأمر على القرّاء:
عندما انقسمت المملكة الموّحدة الإسرائيلية/اليهوذية (وهي ذاتها المملكة السبأية/الحميرية 727- 605 قبل الميلاد) ظهرت مملكتان: في الشمال مملكة سبأ، وهؤلاء هم العبرانيون الإسرائيليون أبناء عابر (وسبأ في أنساب اليمن ابن/حفيد لعابر) ومملكة يهودية في الجنوب (وهؤلاء هم الحميريون الذين تقول أنسابهم إنهم ينتمون لهود وهو نفسه عابر).
وأنا هنا أعارض التاريخ الرسمي اليمني الذي كتبه المستشرقون، تماما كما أعارض التاريخ التوراتي. المملكتان الشقيقتان (الشمالية والجنوبية) خاضتا صراعا متراكبا، تماما كما صورته التوراة، حول الأرض والدين والتجارة.
سعى الجنوبيون بكل وسائل القوة إلى التوسع في "تعز" والسيطرة عليها لضمان السيطرة على سواحل المخا والحديدة (تماما كما يحدث اليوم أمام أنظارنا)، بينما قاتل الشماليون ببسالة ودون ترددّ من أجل فرض الهيمنة على "تعز". وسأكشف في مؤلفاتي القادمة كل التفاصيل عن هذا الجانب.
يؤكد سفر الملوك الأول أن عاصمة مملكة إسرائيل كانت في عصر أخاب بن عمري هي "السامرة" -أي ليست "قدس" ولا "أورشليم"-. هاكم ما يقوله النص بلغته القديمة:
سفر الملوك الأول 16: 29 :
وأخْآبُ بْنُ عُمْرِي ملَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلاَثِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ أَخْآبُ بْنُ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَة.
וְאַחְאָב בֶּן-עָמְרִי, מָלַךְ עַל-יִשְׂרָאֵל, בִּשְׁנַת שְׁלֹשִׁים וּשְׁמֹנֶה שָׁנָה, לְאָסָא מֶלֶךְ יְהוּדָה; וַיִּמְלֹךְ אַחְאָב בֶּן-עָמְרִי עַל-יִשְׂרָאֵל, בְּשֹׁמְרוֹן, עֶשְׂרִים וּשְׁתַּיִם, שָׁנָה.
هذا النصّ يقول بوضوح، إن الصراع بين الإسرائيليين الشماليين بقيادة أخاب بن عمري، وبين الجنوبيين (من يهوذا/ هود) أي الحميريين، قد انتهى باستيلاء الشماليين على "السامرة". فمن هو أخاب وفي أي عصر عاش؟ بحسب نص تركه لنا شلمانصر الثالث Monolith Inscription of Shalmaneser III فقد كان أخاب وأسرته (858-823 قبل الميلاد) يقاومون الغزو الآشوري. وهذا يعني أنه استولى على "السامرة" بالفعل، وأصبحت عاصمته، ثم دخل في صراع مع الغزاة. هاكم جزءا من النص:
Much of Ahab’s attention, however, was taken up with a war against Syria to the north (1 Kgs 20). When Israel had gained the upper hand, a peace treaty between the two nations was struck which lasted three years (1 Kgs 20:31–34, 22:1). This period of peace was born out of necessity, for both Syria and Israel now faced a common enemy—Assyria.
Ahab, the Israelite...10,000 soldiers from Irqanata; 200 soldiers of Matinu-ba’lu from Arvad; 200 soldiers from Usanata; 30 chariots, 1(0?),
الكثير مما أثار انتباه "آخاب" أثناء الحرب ضد آشور في الشمال (ملوك 1: 20). إن يد إسرائيل بدت وكأنها هي اليد العليا، ولذا قام بتعطيل معاهدة السلام/الطاعة بين الآشوريين وإسرائيل (في الترجمة الإنجليزية بين الدولتين) التي استمرت ثلاث سنوات (ملوك 1/ 20: 31-34 ، 22: 1). لقد ولدت فترة السلام هذه بالضرورة، لأن آشور وإسرائيل كانتا تواجهان الآن عدوا مشتركا. (أسرتُ) أخآب، الإسرائيلي ... (و) 10 آلاف جندي من عرجانة، و200 جندي من بعل إيلو في متنة Matinu-ba'lu و200 جندي من Arvad ومن الأوسانيين Usanata؛ 30 مركوبا.
فما علاقة أخاب الإسرائيلي بالأوسانيين (قبائل مملكة أوسان في الجنوب الحميري) بفلسطين؟ هل يمكن لعاقل أن يتخيّل أن أخاب التوراتي استولى على السامرة في فلسطين، ونقوش الآشوريين تتحدث عن تحالفه مع قبائل "مملكة أوسان" اليمنية المعروفة؟ إن فحوى هذا النقش الطويل تتحددّ في التالي:
خلال صراع "أخاب" ضد الآشوريين في الشمال (ملاحظة المتحف البريطاني: ملوك الأول/ 20)، شعر في لحظة ما أنه يستطيع إلحاق الهزيمة بهم، وأن يده هي اليد العليا؛ ولذا جرى توقيع معاهدة سلام مع الآشوريين استمرت ثلاث سنوات (ملوك 1 : 20: 31-34، 22: 1 هذه ملاحظات مترجمي النص في المتحف البريطاني). في هذه الفترة استتب السلام بين الطرفين. كان أخاب/الإسرائيلي قد خسر عشرة آلاف فارس، كما خسر حلفاؤه في (مملكة أرفد) نحو 200 مقاتل، أما حليفه إيل/إيلو في (مقاطعة المتنة) فقد خسر نحو 200 فارس. كما خسرت قبائل أوسان (مملكة أوسان) 30 من راكبي الجمال.
إذا ما وضعنا هذا الصراع ضمن السردية التوراتية عن استيلاء أخاب على "السامرة" التي اتخذها عاصمة لمملكة إسرائيل كما يقول النص التوراتي؛ فهذا يعني أنه في عصر شلمانصر الثالث (850 قبل الميلاد) لم يكن هناك أي ملك إسرائيلي يفكر -مجرد تفكير- بالاستيلاء على "قدس" ليتخذها عاصمة؛ بل كان التفكير والصراع المحتدم منصبّا على مكان آخر هو "السامرة".
هذا النقش الآشوري واضح ولا لبس فيه، وهو يسجل اسم "أخاب" -في النص التوراتي- سوية مع اسم "أوسان". وبالطبع، لا يمكن لأي مؤرخ أو مؤلف في التاريخ القديم أن يضع أوسان في فلسطين؟ فهذه مملكة جنوبية كانت مزدهرة في هذا العصر (823 قبل الميلاد)، وأراضيها الخصبة هي التي سمتها التوراة بـ"أرض كنعان".
إذا كانت التوراة تتحدث عن استيلاء أخاب على السامرة في عصر مملكة أوسان، والنقش الآشوري يتحدث عن "أخاب" الذي هزمه شلمانصر الثالث في هذا الوقت، فما علاقة فلسطين بمملكة أوسان؟ لقد استولى ملك إسرائيلي على "السامرة" واتخذها عاصمة لإسرائيل. هذا يعني ببساطة أن (القدس/قدس/قدش) في التوراة لم تكن عاصمة مملكة إسرائيل.
وبكل تأكيد لم تكن المدينة الدينية أورشليم تحت سيطرتها.
