بقلم/ د. خالد السبئي
بدأ حزب البعث العربي الاشتراكي منذ مؤتمره التأسيسي الأول عام 1947 صياغة إطار نظري عام للديمقراطية ولمؤسسات المجتمع المدني، ولتنظيم الشعب في إطار منظمات وهيئات وجمعيات تنسجم مع الواقع القائم في الوطن العربي.
وإذا كان الحزب في تلك المرحلة لم يستخدم بشكل مباشر مصطلحات الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، وذلك كغيره من الأحزاب والحركات الناهضة الجديدة آنذاك، بسبب قلة استخدام هذه المصطلحات في الأدبيات السياسية في الوطن العربي، فإنّ الحزب استخدم مصطلحات دالة عليها، وطالب بإعادة تنظيم المجتمع سياسياً واجتماعياً واقتصاداً بما يؤكدها أيضاً، وتضمنها دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي يعد أول وثيقة رسمية أقرّها الحزب في مؤتمره التأسيسي الأول، مثل مصطلحات إرادة الشعب والسيادة ملك الشعب، والشعب وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وقيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها من إرادة الجماهير، وقدسيتها متوقفة على مدى حريتها في اختيارها، ونظام الحكم نيابي دستوري، والسلطة التشريعية ينتخبها الشعب، ويعمل الحزب على تعميم الروح الشعبية وحكم الشعب، والتأكيد على حرية المرأة والعدالة والمساواة والحرية، واختيار الشعب ممثليه.. وعلى صعيد تنظيم المجتمع ركز الحزب في أدبياته، وسلوك أعضائه على إقامة المؤسسات وتأليف النقابات وحرية القول والنشر، وتأسيس النوادي والجمعيات والأحزاب ومنظمات الشباب، وكل وسائل المدنية الحديثة في تعميم الثقافة وترفيه الشعب.. لقد رأى الحزب في عملية التنظيم هذه وسيلة لتطور المجتمع ودافعاً لتقدمه، بهدف تمكين الجميع من المساهمة الفعالة في البناء والنضال.. إذن فالديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وآليات تنظيمه وانتظامه كانت موجودة في إطار الرؤية الشاملة التي حددها حزب البعث العربي الاشتراكي منذ مراحل تأسيسه الأولى، كوسائل لازمة لتنظيم الدولة وتفعيل المجتمع وتطويره، هذه النظرة انطلقت من رؤية قومية شاملة تخطت مظاهر التجزئة القطرية القائمة، بل رأت في الديمقراطية وتنظيم المجتمع وسائل قادرة على تفعيل الحراك الجماهيري وتوسيعه، وصياغة وعي جماهيري بمنظور قومي، يشكل قاعدة راسخة لمواجهة التجزئة والتخلف والتبعية، ومنعكساتها السلبية على الأمة العربية والأمن القومي العربي، وحاملاً للوحدة العربية بين أقطار الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
1-الديمقراطية في دستور حزب البعث العربي الاشتراكي
لقد انطلق حزب البعث العربي الاشتراكي في رؤيته للسلطة وتحديد مهامها ووظائفها من أهدافه وبنيته الجماهيرية، ومن ارتباطه بقضايا الجماهير وتحقيق أهدافها، وكذلك من وعيه للتطورات السياسية التي جرت في العالم، ولذلك انطلق في تعامله مع السلطة من مذهب السيادة الشعبية التي تعدّ الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطة، وتقوم هذه الفكرة على قاعدتين أساسيتين: الأولى، المساواة بين بني البشر، والسلطة ملك للشعب بمجموعه. والثانية، السلطة السياسية لمصلحة الجميع والجميع يجب أن يساهم في إقامتها. وقد حدد الحزب ووضح هذه الرؤية في المادة الخامسة من الدستور، التي تنص على أن حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي، يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب، وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها من إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في الاختيار. لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب، ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً، ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والاقتصادي والصحي، لكي يستطيع الشعب بشخصيته ممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية. لقد حدد الحزب المضمون الشعبي للسلطة، وبذلك حدد العلاقة بينها وبين الشعب، فالشعب يجب أن يوجد في السلطة التي هي أصلاً سلطة الشعب وتعمل من أجله. كما أكد الحزب على ضرورة تعميم حكم الشعب وترسيخ وجوده، ففي المادة السابعة عشرة يعمل الحزب على تعميم الروح الشعبية "حكم الشعب"، وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية. ومن أجل ذلك رأى الحزب ضرورة شرعنة هذه القضية، ووضعها في دستور محدد منظم. ليس هذا فحسب، بل سعى إلى وضع دستور للدولة، يكفل من خلاله للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون، والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم، واختيار ممثليهم اختياراً صادقاً، ويهيّء لهم بذلك حياة حرة ضمن نطاق القوانين. إنّ ما تضمنته المادة السابقة يؤكد النظرية القومية للدستور، من خلال تأكيده على الحقوق والواجبات لأي عربي يعيش في أية دولة عربية، وبذلك تجاوز الحزب في البعد القانوني والدستوري مظاهر التجزئة القائمة. .لقد وعى الحزب منذ تأسيسه أهمية التلازم بين الديمقراطية والحرية، التي هي المضمون الأساسي للديمقراطية ففي ظروف السيطرة الخارجية على الوطن العربي، ومحاولات تغييب الحرية ومرتكزاتها، بيّن الدستور في الفقرة الثالثة من المبدأ الأول أن الوطن العربي للعرب، ولهم وحدهم حق التصرف بشؤونه وثرواته وتوجيه مقدراته، وهذا يتطلب التخلص من السيطرة الاستعمارية الخارجية.. وهذا ما أكد عليه في المبدأ الثالث في مادته الأولى من أن الاستعمار وكل ما يمت إليه عمل إجرامي يكافحه العرب بجميع الوسائل الممكنة، وهم يسعون ضمن إمكانياتهم المادية والمعنوية لمساعدة جميع الشعوب المستعمرة، من خلال الإسهام المباشر والفاعل للأمة العربية في تقديم العون والمساعدة لهذه الشعوب.. وأشار الحزب إلى أن التحرر من السيطرة الاستعمارية يجب أن يستكمل بالتحرر من الاستغلال والظلم، فالحرية واحدة تحرر خارجي وتحرر داخلي، حيث نصت المادة الثامنة والعشرون على أن المواطنين جميعاً متساوين بالقيمة الإنسانية، ولذا فالحزب يمنع استثمار جهد الآخرين..ووجه الحزب في المادة السادسة من المبادئ العامة للدستور إلى ضرورة الانقلاب على الواقع الفاسد، انقلاباً يشمل مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. . إنّ الحزب في رؤيته لمضمون الديمقراطية وبنيتها قد خطا خطوة متقدمة، فتجاوز الديمقراطية بمظاهرها السياسية فقط، وانطلق إلى الديمقراطية الاجتماعية الحقيقية، عندما شدد على ضرورة رفع المستوى الأخلاقي والعقلي والاقتصادي والصحي للشعب، لكي يشعر بوجوده من جهة، ومن جهة أخرى يعي ويعرف ممارسة حقوقه الخاصة والعامة على قاعدة من الوعي والتحرر من سطوة الحاجة. كما رأى الحزب إنّ إحدى القضايا الأساسية في تحقيق الحرية هي إعادة الثروة الاقتصادية في الوطن العربي للشعب العربي، وهذا ما جاء في المادة السابعة والعشرين من سياسة الحزب الاقتصادية، حيث نصت على ضرورة التوزيع العادل للثروات في الوطن العربي..وتضمنت المادة الأولى من المبدأ الثاني في الدستور حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة، لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها. ومسؤولية الدولة عن صيانة حرية القول والنشر والاجتماع والاحتجاج والصحافة في حدود المصلحة القومية العليا.. ونصت المادة الثالثة عشرة من المبادىء العامة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم والحياة الاقتصادية، كي يظهر المواطنون في جميع مجالات النشاط الإنساني كفاءاتهم على وجهها الحقيقي وفي حدودها القصوى.. وكان الحزب في طليعة القوى والحركات السياسية التي رأت أهمية المرأة في المجتمع، وضرورة إعطائها حقوقها كاملة، وإفساح المجال أمامها للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وورد ذلك في المادة الثانية عشرة من المبادىء العامة: تتمتع المرأة العربية بحقوق المواطن كلها، والحزب يناضل في سبيل رفع مستوى المرأة حتى تصبح جديرة بتمتعها بهذه الحقوق .. وخطا الحزب خطوة هامة للانتقال بتنظيم المجتمع من السياسي إلى المدني من خلال ما تضمنه البند الخامس في سياسة الحزب الاجتماعية : تأليف نقابات حرة للعمال والفلاحين، وتحويلها إلى أداة صالحة للدفاع عن حقوقهم ورفع مستواهم، وخلق روح التضامن بينهم، وتمثيلهم في محاكم العمل العليا. وهذا البند يؤكد على وعي الحزب لأهمية تنظيم الشعب في منظمات ونقابات خاصة به، تزيد من فاعليته وتوسع من دائرة مشاركته في المجتمع. وكذلك فسح المجال في حدود الفكرة القومية العربية لتأسيس النوادي وتأليف الجمعيات والأحزاب ومنظمات الشباب، والاستفادة من السينما والإذاعة والتلفزة، وكل الوسائل المدنية الحديثة في تعميم الثقافة القومية وترفيه الشعب..مما تقدم نجد أن الحزب اكتشف مبكراً أهمية الديمقراطية وحدد أهدافها ومضمونها، واستخدمها أداة لتفعيل المشاركة الجماهيرية، وتأصيل الوعي والعمل على تجاوز التجزئة بالوحدة القومية، بما يحقق مصالح الشعب وحقوقه، ويسهم في زيادة وعيه، وتقوية تنظيمه وتوسيع فاعليته.
2- العلاقة بين الديمقراطية والحرية
في منطلقات الحزب النظرية جاءت المنطلقات النظرية خطوة هامة ومتقدمة على طريق تطوير فكر الحزب، ومؤشراً علمياً وعملياً على ذلك، وكانت قضية الديمقراطية وتحديد مفهومها وعلاقتها بالحرية وبتطور المجتمع وإعادة تنظيمه، وتحديد مضمون السلطة وآليات عملها، وعلاقتها بالشعب وآليات تنظيم هذا الشعب ودوره في السلطة والمجتمع، إحدى الدلالات الهامة على مظاهر التطوير هذه.. حيث بدأ الحزب بوضع الأسس والمرتكزات النظرية لإعادة تنظيم المجتمع والسلطة على أسس جديدة، أي تحقيق التنظيم السياسي للمجتمع كمقدمة للتنظيم المدني، وإنهاء مظاهر التناقض بين السياسي والمدني، وتحويل المجتمع إلى ميدان للعمل والكفاح، ونواة ومنطلق للكفاح على الصعيد القومي والإنساني.. لذا تمكن نتيجة ذلك من توضيح مفهومه للحرية، وربطها بمصالح الجماهير وإرادتها وأهدافها، وحدد مفهوم الحرية والديمقراطية في المنطلقات النظرية بمائلي:
أ- الانطلاق من مفهوم شامل للحرية، فالحرية بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي تعني أولاً التحرر الكامل السياسي والاقتصادي من شتى أشكال السيطرة الاستعمارية.
ب- ربط الحزب بين مظاهر التحرر من السيطرة الخارجية، والتحرر من مظاهر السيطرة الداخلية، وضرورة إنهاء المعوقات والقيود التي تمنع تجسيد الحرية والديمقراطية على المستوى القومي.
ج- لقد ربطت المنطلقات النظرية الحرية بالعدالة والمساواة في المجتمع، وبذلك وضعت الحرية في إطارها المجتمعي الشامل وليس في إطارها السياسي المحدد، فالديمقراطية في النهاية هي أداة لتغيير مضمون السلطة، وتغيير وظائفها أيضاً من سلطة ضد الجماهير إلى سلطة الجماهير نفسها، التي تستخدمها للحفاظ على مصالحها وتحقيق أهدافها وتطلعاتها. إنّ الديمقراطية الشعبية هي التي تطور السلطة دوماً، وتجدد اندفاعات الثورة، وتعزز مكاسب الجماهير وتوسعها وتصونها، وتوفر المناخ لنمو التحرك الجماهيري، وتعمق جذوره وعياً وتنظيماً.
د- رأى الحزب أن تطبيق الديمقراطية الشعبية لن يتم عبر الرغبات الذاتية، ولن تتحقق عبر الشعارات والأفكار النظرية، بل لابد لتحقيقها من خلق أسس موضوعية تكفل جدية هذا التطبيق وأصالته، والأساس الموضوعي الحاسم لتطبيق الديمقراطية، هو القدرة على قيادة الجماهير من خلال تحقيق ثقة متبادلة مع الجماهير، وهذه الأسس الموضوعية كما حددتها المنطلقات النظرية هي:
• التنظيم السياسي للسلطة، وهذه العملية يجب أن تقوم على أسس توافر الجمع بين وحدة القيادة وقوتها، وبين ديمقراطيتها وشعبيتها.
• إنّ تحقيق ديمقراطية السلطة يتم بانتخاب هيئات السلطة السياسية من قبل الشعب.
• انتخاب الهيئات العليا من الهيئات الدنيا، وتأمين رقابة دائمة وفعالة من الشعب على هذه الهيئات.
• انعقاد مؤتمرات المجالس الشعبية والمنظمات بصورة دورية، والعمل على إحداث تحولات هامة ومستمرة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
لقد قدم الحزب فهماً علمياً للديمقراطية فهي تجربة إنسانية مفتوحة على تجارب الآخرين وعلى مسارات التطور الاجتماعي، وبين أنه لا توجد صيغ محددة لتطبيق الديمقراطية، بل إنّ تطبيق الصيغة الديمقراطية وتحديدها كإطار لممارسة الحرية، يرتبط بمجمل الظروف الواقعية الملموسة.
أكد الحزب على ضرورة تطوير الجهاز الإداري للدولة وتحديثه، لأنه الأداة والوسيلة لتطبيق أهداف الحزب عبر السلطة ومؤسساتها المختلفة، فهذا الجهاز يجب أن يكون ملتصقاً بقضايا الشعب، مؤمناً بأهداف الجماهير، قادراً على المساهمة في بناء الوطن. وشدد الحزب على ضرورة العمل على إنهاء الأمية في المجتمع بمظاهرها المختلفة، لأن هناك تناقضاً بين الحرية والديمقراطية والأمية، فالأمية تعوق من ممارسة الجماهير لحريتها وديمقراطيتها، وتقلل من حجم مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية في المجتمع، وفي تحقيق تطوره وتقدمه.
إنّ الديمقراطية ليست إيديولوجية جديدة، بقدر ما هي أسلوب حكم ووسيلة تعامل، أساسها المساواة واحترام إرادة الأكثرية، وصيانة حقوق الأقلية من خلال مؤسسات تمثيلية ودستورية، تقر بالحقوق والحريات والرأي وحق الاعتقاد، وحق التنظيم الحزبي والمهني، وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة، وتولي المناصب العليا.. إنّ الديمقراطية بقدر ما هي تطوير للواقع وقبول بالتدرجية، وامتثال لقواعد ومبادئ التعددية والتداولية، تشكل الأساس لعملية التغيير السلمي المدني وليس الانقلابي العنفي العشيري وولخ.. وبالتالي فهي تشكل مفتاح الحل للعديد من الأزمات التي يمر بها الوطن اليمني او العربي، بقدر ما توفر مستلزمات التعايش والسلام الاجتماعي، والتطور والتراكم لاختيار أسلوب حكم يرتضيه الناس، ويحظى بموافقتهم ويستبدلونه كلما شعروا بالحاجة إلى ذلك.
للموضوع بقية
