بقلم الدكتور حسام الدين خلاصي
محمد أنور السادات رئيس مصر السابق أول من فتح الباب مشرعاً للتطبيع العلني مع الكيان الصهيوني بحجة استرداد الأرض مقابل السلام ، ونذكره عندما دفن شاه إيران المخلوع معلناً بذور الرفض لما جرى من ثورة في إيران وتبنيه لفكر الشاه في مقابل فكر الثورة الإيرانية ، لكن وقتها لم تكن ظروف المنطقة تسمح بعداء مصر مثلاً لإيران إلا تلميحاً ، ريثما تنضج محاولة الاستسلام للكيان الصهيوني في أذهان العرب والتي قادها السادات رئيس أقوى دولة عربية كانت في يوم ما مركزاً للقومية العربية في عهد الرئيس عبد الناصر ، وأوكلت مهمة العداء لإيران لتحطيمها لصدام حسين والذي كرس 8 سنوات من الحرب لإنهاك إيران بدعم أمريكي وإسرائيلي وأوروبي ، وحين انتهت الحرب بهزيمة صدام بدأ تفعيل العقوبات الاقتصادية على إيران ومن بعدها على العراق والذي بدا واضحاً لأمريكا أنه سيشكل مستقبلاً العمق الاستراتيجي لإيران .
إن التطبيع العلني الذي مارسه السادات ومن بعده حسني مبارك ومرسي والسيسي تحت مسمى معاهدة السلام ، صار اليوم واقعاً علنياً وسلوكاً مفروضاً من قبل دول عربية عديدة وخاصة أنظمة الخليج حتى من دون معاهدة سلام ولا اتفاق علني على حقوق عربية أو غيرها ، أي إنه تطبيع مجاني إلزامي ، ظهر كمنتج رئيسي من منتجات الربيع العربي الذي عصف بسورية وباقي الدول العربية ، وتم الافصاح عنه في مؤتمر وارسو بكل وقاحة ، وقبلها بلقاءات شعبوية خليجية – اسرائيلية ، إضافة إلى حملات ترويجية إعلامية في بعض محطات الخليج لم ترتق إلى مستوى الضغط الكثيف بل كانت حملات سريعة خاطفة .
العنوان الرئيس لمؤتمر وارسو كان قبل انعقاده ( العداء لإيران ) وتم تجميله فيما بعد بعيارات أمن المنطقة ، والأمن السبراني ، والرفاه الاقتصادي ، والسلام للسلام .
وهنا نسأل هل خدع عرب وارسو بمؤتمر وارسو وأهدافه ؟
الجواب حتماً كلا ، لم يخدع عرب وارسو بشيء بل زحفوا على بطونهم وهم على دراية بهدف المؤتمر ، وحصلوا على التطمينات التامة من أمريكا بأن إيران بعد هذا المؤتمر لن تقوم لها قائمة وأن كل الإمكانات العسكرية متوفرة للقضاء عليها لاحقاً ، وأكثر من ذلك فإن عرب وارسو وحكام الخليج باتوا يقيناً بأنهم يجب أن ينفذوا التعليمة الأمريكية بالذهاب لوارسو وإلا فقدوا عروشهم وسيأتي من هو أكثر انبطاحاً منهم .
في مؤتمر وارسو برز الصهاينة الجدد يمثلون دولاً ، لم نسمع من شعوبها رفضاً واحداً ، هؤلاء ذهبوا أبعد من التطبيع بكثير وأعلنوا أنهم في خندق واحد ضد عدوهم الواحد ألا وهو إيران !!! كيف لا وقد قال لهم أستاذهم نائب الرئيس الأميركي "مايك بينس" خلال كلمةٍ له في مؤتمر وارسو: ( إيران تمثل أكبر تهديد للسلم والأمن في الشرق الأوسط والنظام الإيراني أكبر ممول للإرهاب في العالم)
فبهذه الطريقة تحضر اميركا المسرح والمنطقة : ايران العدو واسرائيل الصديق، وهنا يقول جميع عرب وارسو إلى الوداع يا فلسطين ومرحبا بالفتن: سنة وشيعة ، عرب وفرس.
وفي ومعرض لقاء عرب وارسو مع نتنياهو قالوا له : ( برغم أن القضية الفلسطينية مركزية .. إلا أن القضية الإيرانية هي الأكثر أهمية لأنها تهدد وجودنا .. وأحد الوزراء العرب قال: إذا كانت إيران تسبب لنا حالياً المشاكل .. فما الذي ستفعله حين تمتلك قنبلة نووية ؟)
هذا التقرب لا يندرج إلا تحت إطار تقديم فروض الطاعة ظاهرياً فقط ، ولكن في باطن الأمر ، فهؤلاء هم الصهاينة الجدد الذين يقودون دولاً ليسوا منها ،ولكنهم صهاينة يلتقون مع رئيس وزرائهم الحقيقي ألا وهو بنيامين نتنياهو ، وعندما يتحدثون عن الوجود فهم يقصدون وجود الكيان الصهيوني وليس وجود إمارات وممالك الخليج .
بعد هذه المقدمة والاستنتاج :
1- اسرائيل تعلم علم اليقين ، بأن أي حرب ستدخلها مع إيران ستكون آخر حرب تدخلها وسينتهي وجودها ويتهدم كل ماحصلته عبر سنين من المؤامرات والتحضير .
2- اسرائيل تعلم علم اليقين ، بان الولايات المتحدة الأمريكية تستعملها كأداة لتفتيت المنطقة وأن هذا الزمن يجب أن ينتهي ، وأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تخوض حرباً عالمية من أجلها ، لذلك قررت أن تشرع ببناء كياناها الخاص وتتمدد وتتوسع لتكون شريكاً وليس أداة بالمعنى الاستراتيجي .
3- اسرائيل (في الوقت الحاضر وفقط للتضخيم ) تذرو الرمال في العيون بفكرة أن إيران تشكل عليها خطراً وجودياً وعلى ممالك الأعراب وأنها دولة راعية للإرهاب وتمتد بنفسها الشيعي أو الفارسي وأنها تعيق عملية السلام لتحشد من حولها الممالك والكيانات عربية وبعضاً من الدول أوربية وأفريقية في مواجهة إيران ، في الوقت الذي تخطط فيه لزيادة توسع نفوذها في المنطقة واستنهاض دول لتتبادل معها اقتصادياً وثقافياً وعسكرياً وتكسر الحصار المفروض عليها في المنطقة .
4- اسرائيل تعتبر الحرب على سورية فرصة ممتازة لإشغال حلفائها الروس والإيرانيين ، عما هي ذاهبة إليه في المنطقة والإقليم ، فيعتبر نتنياهو مؤتمر وارسو ( نقطة تحول تاريخية ) ، هذا يدلنا كما هو معروف على أن (التحول هو تغيير للسياق الطبيعي والمتوقع) ، لذلك فإن إطالة فترة الحرب على سورية وتكليف أردوغان بهذه المهمة يصب في مصلحة اسرائيل جملة وتفصيلاً ، فهي تستخدم هذا الوقت برفع الغطاء وبدون ممانعة عربية أو قومية من أحد للصهاينة الجدد الذين سيصبحون في تزايد ، وستذهب إلى الإعلام أكثر لتمارس الإقناع بأنها دولة السلام بلسان العرب والمسلمين من الصهاينة الجدد ، وتجعل دولهم جدار الدفاع عنها أمام إيران وحلف المقاومة الذي قوامه سورية وحزب الله والمقاومة الفلسطينية ، بمعنى سنجد أبو مازن غير محتار في التبعية وسيدفع بنفسه هو وتياره إلى حضن الكيان الصهيوني بدعم من الصهاينة الجدد ليقبل بدرجة مواطنة ثانية في دولة الكيان العنصري .
5- اسرائيل تعرف أن إيران وبعد التقدم السريع لمراحل الانتصار في سورية على الإرهاب وإفشال المشروع الأمريكي ولصالح الجيش العربي السوري بدعم واضح من قبل إيران ، زاد من شعبية إيران بين شعوب المنطقة بعد أن تبين صدق إيران وتبين أن لا نوايا لديها في التوسع في المنطقة فإن ذلك أغضب الكيان الصهيوني فهو عمل لسنين من أجل تشويه صورة إيران ، لذلك سارعت اسرائيل لعقد مؤتمر وارسو لتشارك فيه دول عديدة بعزل إيران عن العروبة والإسلام وفلسطين والمقاومة من جديد .
6- اسرائيل تعرف بأن الصهاينة الجدد ( عرب وارسو ) سيمارسون دوراً اقوى وأوضح في تشويه الإسلام والعروبة في المرحلة القادمة ، خاصة وأن الإسلام الذي يحاربونه متمثل الآن بإيران والعروبة متمثلة بسورية والمقاومة متمثلة بحزب الله .
ختاماً لا أستطيع التقليل من شأن مؤتمر وارسو رغم الحديث عن فشله قبل انعقاده ، فنحن وجدانياً ويقيناً مؤمنون بنصرنا على الكيان الصهيوني وهذا مهم للغاية عند جمهور المقاومة ، خاصة وأن محاولات كثيرة لتطويق سورية وإيران وحزب الله والعراق فشلت سابقاً ، ولكن اليوم الكيان الصهيوني يستعمل علناً صهاينة جدد يطبقون على مساحات واسعة من الوعي العربي والشارع العربي ، والذي جعل الشعب العراقي يحارب في يوم ما وبلا سبب ولمجرد جنون صدام حسين إيران لـ 8 سنوات ، يستطيع أن يشغل الشارع اللبناني بحرب بينية مع حزب الله تستهلكه ، ويستطيع أن يفتت قدرات الدول الرافضة للتطبيع ، ولأني أعرف كما يعرف الكثيرون مدى قذارة العدو الصهيوني خارج أرضه في صوغ المؤامرات والهدم الناعم للدول بقدرات داخلية من نفس الدول ، يجب أن يتوقع أن الصراع لم ينته وأنه علينا وبعد مؤتمر وارسو النهوض بأنماط جديدة من المقاومة أقل هدنة وأكثر جرأة مع الصهاينة الجدد ، بل سأذهب أبعد من ذلك لا أجد حل إلا ببدء الحرب على الكيان الصهيوني الذي لن يتوقف عن تمدده طالما كنا ننشغل بما هو يشغلنا به ويعتمد على تدميرنا من الداخل ، فالحل هو بضرب الكيان الصهيوني ولتكن حرب وجود ولمرة واحدة وأخيرة .
