728x90 AdSpace

11 أكتوبر 2017

المؤتلف والمختلف بين كيانَي السعودية وإسرائيل

محمد ناجي أحمد :
عملت بريطانيا على تخليق كيانات وظيفية في المنطقة العربية، حتى تؤمن طريقها نحو مستعمراتها في الهند الشرقية. في 28 تموز 1913م، تم التوقيع بين تركيا وبريطانيا على اتفاقية اعترفت فيها تركيا لبريطانيا بالسيطرة على الخليج العربي، مثلما وافقت - أي تركيا - على رسم ما سمي بـ«الخط البنفسجي» سيء الصيت، الذي كان من شأنه أن يكون حداً فاصلاً بين نجد العربية السعودية حالياً، والمحميات الشرقية من اليمن، وكذلك بين اليمن المحتل بيد تركياوبين ومااستعمرته بريطانيا منهاوأطلقت عليه اسم( محمية عدن الغربية) بحسب عدنان عويد في كتابه «معوقات حركات التحرر العربية في القرن العشرين»، الصادر عن دار المدى عام 2002م.

استخدمت بريطانيا العرب من أجل إخراج الاستعمار التركي من الولايات العربية، ووعدتهم بوعود لم تف بها، من خلال نشاط «المكتب العربي» الذي أسسته في عام 1915م، وكان له فرع في البصرة وفرع في القاهرة. اتصلت بشيوخ القبائل العربية وزعماء الأحزاب السياسية العربية من أجل تنظيم الانتفاضات، وخلق بؤر التوتر في مؤخرة القوات التركية في الحجاز والعراق وسوريا وفلسطين، وتشجيع تمرد القوات العربية داخل الفرق والفيالق التركية. ونالت بريطانيا مبتغاها بإخراج تركيا من المنطقة العربية، وتقاسمت تركتها مع فرنسا ضمن اتفاقية «سايكس - بيكو».
حين فاضلت بريطانيا بين الشريف حسين الذي طالب بتنفيذ وعود بريطانيا وفقاً لمراسلاته مع مكماهون، ممثل بريطانيا في القاهرة، والتي تقضي باستقلال المشرق العربي تحت حكمه، وبين عبد العزيز بن سعود، أمير نجد الذي تعهد للبريطانيين نظير راتب شهري بأن يكون طوع أمرهم، وألا يقطع أمراً دون مشورتهم وأخذ إذنهم في كل أمر ومصلحة خارجية أو داخلية، وألا يعقد أي اتفاقيات مع دولة أجنبية سواهم... إلخ، كانت المفاضلة لصالح أمير نجد، وهو رأي جناح الإستعمار البريطاني في الهند.
فوقفت بريطانيا إلى جانبه في توسيع ملكه على الحجاز، بمساعدته لهزيمة الشريف حسين وابنه الأمير علي عام 1923م، ثم في حرب 1933-1934م في حربه ضد اليمن واستيلائه على عسير ونجران والحديدة، ثم انسحابه من الحديدة بتوجيه من بريطانيا لأن ذلك سيؤدي إلى اختلاف بريطانيا وفرنسا وإيطاليا حول مستعمراتها في البحر الأحمر المتفق عليها سابقاً، بحيث تكون المناطق غير المتفق عليها خارج النفوذ الإستعماري المباشر. 
لقد فهم الصهاينة حاجة الإستعمار الغربي لهم في خدمة مصالحه في منطقة الشرق الأوسط، فتفاوضوا معه على أساس الشراكة. كان نداء نابليون ليهود الشام، حين توقفت جيوشه على أسوار عكا، من أجل كسبهم إلى جانبه، مؤشراً للاستعمار البريطاني إلى أهمية استخدام الحركة الصهيونية في استعماره للمنطقة، وتحقيق مصالحه القائمة على الاستغلال. إلتقطت بريطانيا النداء وتبنت رغبات المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد عام 1898م، وأصدرت وعد بلفور عام 1917م بإعطاء فلسطين وطناً قومياً لليهود.
تنتقل السعودية من غربي إلى آخر خدمة للغرب وبما يحمي وجودها كأقلية حاكمة
كان الصهاينة على إدراك ووعي بما يراد منهم في خدمة الاستعمار الغربي، فطالبوا بما يعزز من قوتهم وتحقيق كيانهم، وهو ما عبر عنه ماكس نوردوا أمام كبار الإمبرياليين، لويد جورج واللورد بلفور، في احتفال أقيم عام 1919م في البرث هول، حين قال: «نحن نعرف يا سادة ما تتوقعونه منا. تريدون أن نكون حرس قناة السويس. علينا أن نكون حراس طريقكم إلى الهند عبر الشرق الأدنى. نحن على استعداد لأن نقوم بهذه الخدمة العسكرية، ولكن من الضروري تمكيننا من أن نصبح قوة حتى نقدر على القيام بهذه المهمة» (عدنان عويد في كتابه آنف الذكر).
في المقابل، كان العرب بقيادة الشريف حسين وأبنائه ذوي نزعة رومانسية، طغت عليهم العاطفة والحماسة والشعور بالكرامة الذليلة دون تحليل علمي ولا استقراء لما يريده الغرب منهم، بحسب رأي عويد. 
بمقارنة إسرائيل التي انتقلت من حماية بريطانية إلى حماية أمريكية وفقاً لمصالحها، بالكيان السعودي ومشيخات الخليج، نجد أن إسرائيل تتعامل مع الغرب كوكيل وشريك في المصالح، في حين أن مشيخات الخليج وعلى رأسها السعودية تعمل على تبديد الثروة الوطنية وريع النفط والمصالح العربية، وضرب أي مشروع وطني وقومي وتنموي مستقل، خدمة للهيمنة الغربية في المنطقة.
ربطت مشيخات الخليج اقتصادها وقرارها السياسي بما تمليه عليها المصلحة الغربية والأمريكية بشكل خاص. وقد لخص هذه التبعية السفير الأمريكي في السعودية عام 1984م أثناء أزمة الأمريكيين مع إيران، حين قال: «هناك سعوديون أذكياء في مواقع المسؤولية العليا يعرفون أن إنتاجهم البترولي يجب ألا يتعدى 2.5 مليون برميل يومياً، بينما يبلغ اليوم 8.5 مليون برميل يومياً. لكن العربية السعودية تنتج البترول لأن العالم بحاجة له، ولأن الولايات المتحدة بحاجة له، ولأننا طلبنا منهم ذلك. وعلى كل حال ما تفعله رائع، يحب أن نعترف أنهم رائعون، أنا لا أعتقد أن هناك بلداناً بما فيها بلدي كان ممكناً أن يتصرفوا بالطريقة ذاتها في ظروف مشابهة».
إن التلاحم والترابط بين اقتصاديات الخليج، الذي تديره أقلية أوليغارشية مسيطرة، وبين اقتصاديات الغرب وفي مقدمته أمريكا، ذو طبيعة تابعة. فلا توجد إمكانية لفصل الإستثمارات الخليجية عن الإستثمارات الغربية، سواء من خلال الودائع، أو الأسهم في الشركات الأمريكية والبريطانية، أو المنح والقروض التي تقدمها مشيخات الخليج لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي... إلخ، دون أن تكون ذات قرار في الإدارة الإقتصادية في كل مساهماتها. إنه دور التابع والمانح فقط.
مشيخات الخليج اقتصادياً وسياسياً مندمجة في اقتصاديات الرأسمالي العالمي من موقع التابع وليس الشريك، وهي تبعية تنظر إليها مشيخات الخليج على أنها شرط وضمان وجودها واستمرارها في الحكم. لهذا تعمل على تبذير الثروة الوطنية وتبديدها، وتبيع النفط والغاز بأسعار زهيدة. ولا تكتفي بذلك، بل وتضخ ريعه بمئات المليارات مقابل صفقات أسلحة أمريكية وبريطانية ودور تآمري في منطقة الشرق الأوسط والأقصى والأدنى تؤديه كالتزام منها للغرب. كل ذلك تحت ذريعة التكامل السياسي والاقتصادي، الذي هو في حقيقته ذيلية سياسية واقتصادية وأمنية في المنطقة.
ينتقل الكيان الصهيوني من حاضن غربي إلى آخر بما يعزز من المصالح المشتركة للامبريالية والكيان الصهيوني، أعلى مراحل الإمبريالية. ونجد السعودية وبقية مشيخات الخليج تنتقل من حاضن غربي إلى آخر خدمة للغرب وبما يحمي وجودها كأقلية حاكمة واستمرارها في تبديد الثروة وإجهاض المشاريع الوطنية والقومية في المنطقة.

يسير الكيان الصهيوني وفقاً لخطاب ونصائح الإمبريالية الشوفينية التي عبر عنها هرتزل ناصحاً بقوله: «لنفترض مثلاً أنه ينبغي علينا تطهير البلاد من الحيوانات المتوحشة، إننا لن نقوم بهذه المهمة مثلما فعل الأوروبيون في القرن الخامس، إننا لن نرمي السهام والرماح ونلاحق الدببة فحسب، بل سوف ننظم صيداً واسعاً ونشيطاً، وسوف نطرد معاً الحيوانات، ونرمي عليها قنابل شديدة الإنفجار». وكل ما يحدث في فلسطين، منذ زرع الكيان الصهيوني فيها، هو تنفيذ لهذه الوصية.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: المؤتلف والمختلف بين كيانَي السعودية وإسرائيل Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً