728x90 AdSpace

8 سبتمبر 2017

لا تنصدم !!!!! الشعور والانتماء وصدفة الحل :

بقلم الدكتور حسام الدين خلاصي :
رئيس الأمانة العامة للثوابت الوطنية في سورية / مجتمع مدني وطني 
في منطقتنا العربية وفي إقليم شرق المتوسط بصورة خاصة ، تنوع كبير في الاعتقاد والأصول بين أفراد الجماعات البشرية والتجمعات البشرية ، وبصورة ملفته أكثر من أي منطقة في العالم و مما لاحظناه أنه بعد الدراسة المجتمعية والاقتصادية الدقيقة للمنطقة العربية عموما فلقد بدأت الحرب التنفيذية على المنطقة من قبل سلطات الانتداب والاستعمار في القرن الماضي والتي أفرزت نشاطات الاستقلال وظهرت الحدود التقسيمية الجديدة ( سايكس – بيكو ) والتي اقتنع معها سكان الأقاليم بأنهم نالوا استقلالهم وفرحوا بها ولكنهم في حقيقة الأمر وافقوا على اتفاقية سايكس – بيكو ونفذ التقسيم بخبث شديد ، ولاحقاً توارد الكيان الصهيوني للمنطقة في أربعينيات القرن العشرين ومهد وجذب الأنظار لخطره كمركز عسكري مدعوم دولياً يسعى لقضم المناطق تحت مسمى قيام دولة اسرائيل الكبرى  فتجمعت المنطقة وسكانها ضد هذا المشروع الاستعماري الجديد ، فظهرت العروبة كتنظيم سياسي تجمع العرب ونجحت إلى حد ما في بعض المراحل وخاصة في شرق المتوسط  وحوض النيل في التصدي  ( المراقب والمحدود والغير مسموح له بالتمادي ) للمشاريع الاصطناعية الاستعمارية الجديدة ( مثل الاعتداء على مصر 1956وحرب حزيران وتشرين ) والتي كان المراد منها فقط جذب أكبر عدد ممكن الناس إلى العروبة كحل وحيد وإلى الترويج لها بين شعوب المنطقة ( مع الإشارة إلى التجربة المتواضعة في الوحدة ما بين سورية ومصر وإلى الإيمان بالعروبة كخلاص وذلك بديلاً عن أي حل ثاني وتحديداً الحل الاسلامي والذي سقط مع سقوط دولة الخلافة العثمانية . 
هذا كله كان يتم بعناية شديدة ودراسة بالغة الدقة لتوظيف القدرات البشرية وراء الفكر العروبي وجمع الحشود حوله ، فانتقلت العروبة من الشعور إلى التنفيذ السياسي ولكن عملت دوائر الاستخبارات الغربية من وقتها على تكريس حالة من التقسيم اعتمدت على موافقة الدول التي تشكلت كما أسلفنا بعد استقلالها بالموافقة الطوعية على اتفاقية سايكس – بيكو ، فصار لدينا عروبة مصرية – وعروبة سورية – وعروبة عراقية وعروبة خليجية – وعروبة مغاربية وبدأت زعامات الوطن العربي كل لشد الحبل إلى طرفه واثبات أحقية وصواب نظريته في العروبة ووضع سلم أولويات للعرب كل حسب ايمانه وارتباطه الفكري والسياسي والثوري والاقتصادي بباقي دول العالم ، فوصل الأمر لاحقا إلى عروبة بنكهة اشتراكية وعروبة بنكهة رأسمالية وعروبة بنكهة اسلامية وعروبة بنكهة صهيونية !!!
لقد فرقت العروبة السياسية بين أبناء المنطقة رغم أنهم في الماضي ماكانوا لا أمة واحدة ولا دولة واحدة ولم يكونوا دولة في الأصل ، بل كانوا تحت سلطة الولاية العثمانية المتخلفة لقد ظننا نحن المؤمنون بالعروبة أنها الفرصة الأكبر لجمع شمل الناس والوقوف في وجه أطماع استعمار ظننا أنه قد خرج من بلادنا ، ولكن أحداث القرن 21 أثبتت أنه لم يغادرنا قط بل كان يراقب تنفيذ ما أوحى لنا به وسهل لنا مهمة التعلق به ( العروبة السياسية ) ويساعده في ذلك العدو الصهيوني كل حين .
استمرت هذه الحالة وكانت جامعة الدولة العربية التي أسس لها واقع فرضته ( اتفاقية سايكس – بيكو ) عندها آمن العرب بأنهم دولة واحدة وصار كل زعيم من دولته يطالب العرب بالتوحد ويقنع شعبه وشعب الأقطار الأخرى بأن نظرية العروبة عنده هي الأسلم والأضمن للأمة الواحدة ومن هنا نشأت العداوات القطرية علماً بأن العرب لم يكونوا دولة واحدة عبر التاريخ بل كانوا أمة تتلاقى على اسس العروبة وأهمها ( اللغة والمصير ) ضد الهجمات الخارجية المتنوعة واتفق الجميع على ذلك ، ولكن كمفهوم دولة حديثة ، دولة عربية واحدة فإن هذا لم يحصل أبدا ، وإنما هناك أقطار عربية لها حدود تشكلت حديثاً وقسمت هذه الحدود تحضيراً لمراحل قادمة من التقسيم والاستعمار التقني الحديث.
في كلامي السابق ليس المقصود التهجم على العروبة أبداً فهي شعور وانتماء كأي شعور أو انتماء آخر لايمكن انتزاعهما من قلب اي مواطن أو محب للعروبة ، ولكن لو نظرنا للمنطقة اليوم بعد الحرب الظالمة الارهابية على سورية والعراق وليبيا واليمن ، وبعد التبدلات المخيفة التي أحدثها الربيع العربي والتبدل المعلوماتي والاعلامي الذي كرس ثقافات جديدة في دول مثل مصر والمغرب والجزائر وتونس وفلسطين ولبنان ، فإننا نجد أن العروبة السياسية وحدها غير قادرة على لم الشمل وتوحيد الصف ضد الإرهاب أو ثورة العلمنة والمعلومات والتي غزت العقول ، وسننتبه أن المرحلة التي قمنا ببنائها على أكتاف العروبة السياسية قد انتهت بفعل ظهور مفاهيم وانتماءات كانت تحت الرماد ولا يجب التقليل من خطورتها نظراً لما أحدثته من خلل في البنية الاجتماعية للأقطار العربية تحت مسمى الحريات الاثنية والحريات الدينية والحريات المناطقية والحريات الطائفية وغيرها من أنواع الحريات وكذلك حق تقرير المصير وحق التصويت على الاستقلال وعودة المطالبة بالهوية الثقافية لكل مكون من مكونات المجتمعات المحلية ، فصار لدينا سيل من التسميات الجديدة في شرق المتوسط مثل : أشوري – سرياني – كردي – تركماني – أرمني – مسيحي – مسلم – درزي – سني – شيعي – علوي – جعفري – مرشدي – فينيقي - كلداني – عشائري – وفي باقي دول المنطقة على سبيل المثال لا الحصر:  حوثي – يمني جنوبي - قبطي – نوبي – فرعوني – قبائل - طوارق – بربر ..... إلخ 
وتاهت المفاهيم والانتماءات في ظل  هذه الحروب واسقط الاستعمار الحديث اتفاقية سايكس بيكو مع بداية الألفية الجديدة بيده وبإشرافه وبتعاون وثيقمع  منظومة من الحكام العرب وأولهم حكام الخليج المرتبطين وثيقاً بهذه الاتفاقية والمنفذين لها بإخلاص شديد وعبر ارهاب مختلق وجعل الحدود مشاعاً للإرهابيين واستفاد من الخدمات الاخوانية في تركيا والتي أسس لها من بريطانيا واسرائيل وحالة الفلتان الحكومي في العراق بعد استنزافها من خلال الاحتلال الامريكي وكل ذلك طمعاً في تقسيم جديد وشكل جديد للمنطقة تسمح له باستثمار أوسع وأوقح من السابق وسعى لنشر ثقافة داعش كمبرر لحضوره إلى المنطقة .
هنا بات الجميع يعرف دور الجيوش الوطنية والمقاومة الشعبية في سورية ولبنان والعراق واليمن  في التصدي للمخطط  واسقاطه وكذلك دور الجيش المصري في التصدي لعصابة الاخوان المسلمين الصهيونية ، وهذا ما سيسجله التاريخ بأنه تم لمصلحة البشرية جمعاء وليس فقط لمصلحة شعب المنطقة .
لكن المخطط  ليست هذه حدوده والخطط البديلة لدى الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل قد تكون أقسى وأخطر ، لأن الانتصار العسكري للجيوش الوطنية يشابه معارك الاستقلال التي خضناها في أواسط القرن الماضي والتي كان ناتجها التقسيم والذي اقتنعنا به ودافعنا عن جغرافيته ، لذلك فإن المرحلة القادمة هي أدق وأخطر وعلى كل شعوب المنطقة أن تعي خطورة الالتزام الذي ستأخذه على عاتقها من أجل البناء من جديد على أسس صحيحة وسليمة أكثر فعدو البشرية مازال كالذئب المنفلت يحصد الأموال من دول الخليج العميلة له ويخطط اعتماداً على الارهاب الاسلامي للتمدد أكثر في شرق المتوسط وصولاً لآسيا الشرقية . طبعاً لن يكون هذا اهتمامنا الأول فهمنا بلادنا وأقطارنا وعلينا الحفاظ على سيادة الدول وعدم تقسيمها قولاً واحداً وقد تنجح الجيوش الوطنية في سورية والعراق ولبنان ومصر في ضبط الحدود ومنع التقسيم الذي لم يغادر شبحه المنطقة بعد ، ولكن المهمة الأصعب هي أن نستيقظ من انتماءات فارغة بزغت وتتناقض مع مفهوم الدولة الحديثة والعصرية وهي دولة القانون وسيادة القانون ويجب أن يقاتل الجميع لمنع التقسيم الداخلي والذي رسخه تفشي الارهاب وعلينا أن نفكر ملياً :
هل نريد العيش في دولة واحدة قوية تضمن لنا اعتقادنا وممارسة ثقافتنا والتي ولدنا فوجدنا أنفسنا ملتصقين بها بالصدفة ، أم في دويلة صغيرة ضعيفة نمارس فيها سيادة مشاعرنا وانتمائنا الطائفي والاقليمي والديني ونفرح بهدية صغيرة بينما ترقص الولايات المتحدة الأمريكية على ضعفنا .
هل نريد العيش في دولة قوية مركزية يعبر كل مكون منا فيها عن ثقافته في ظل قانون يحميه ويكفل له حرية الحركة والكلام والاقتصاد وكذلك في دولة جيشها قوي ؟ أم نريد العيش في دويلة تعتبر أن المكون الأكثري فيها هو صاحب الحق في فرض ذاته ويحدد للناس حرياتهم أوفي دويلة تحميها مليشيات مرتهنة للأمريكي والبريطاني والفرنسي والاسرائيلي ؟.
هل نريد العيش في دولة تجمعنا تحت سلطة قانون ودستور متفق عليه ويساهم الجميع في تشكيله ولا يخرقه إلا خائن ومجرم ، أم نريد العيش في دويلة أشورية – سريانية – كردية – تركمانية – مسيحية – اسلامية – درزية – سنية – شيعية – علوية – مرشدية – فينيقية - كلدانية – عشائرية – وفي باقي دول المنطقة على سبيل المثال لا الحصر:  حوثية – يمنية جنوبية - قبطية – نوبية – فرعونية – قبائلية - طوارقية – بربريه ..... إلخ 
نحن يا شعوب المنطقة لم نختر هذه الانتماءات الثقافية بل ولدنا هكذا ولايحق لأحد أن يمتاز على غيره بثقافته ولا تكفي الثقافة وحدها لإنشاء دولة قوية قادرة ، نحن نحتاج في الحد الأدنى وفي هذه المرحلة بالتحديد ومن باب الواقعية السياسية أن نحافظ على حدود سايكس بيكو المريرة ( طالما أنها أصبحت تغيظ عدونا ويسعى لتغييرها ونسفها وصناعة حدود جديدة ) وأن نبني دولنا بقوة وسيادة ، فاليوم هو عصر القوة وليس عصر المشاعر والخيال والثقافات السياسية الهشة إنه عصر المقاومة والعلم والسلاح فقط فبقدر ما أنت قوي تستطيع أن تفرض وجودك ، لذلك لنسعى ولنساهم للتواجد في دولة القوة والتي فيها ومن داخلها للقانون السيادة فقط والقوة فيها من خارجها لجيشها الوطني .

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: لا تنصدم !!!!! الشعور والانتماء وصدفة الحل : Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للانباء-سـام
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً