طه العامري ..( الحلقة الثانية )
بعد ان تعمرت السعودية والمشيخات الخليجية بسواعد ابناء اليمن الذين تخلوا عن دراستهم بل وهجروا مدارسهم والتحقوا بالعمل داخل المنظومة الخليجية وفي المقدمة السعودية التي اعطت المغترب اليمني ميزة الدخول والإقامة والعمل والحركة وممارسة كل الانشطة التجارية والمهنية بسلاسة وسهولة ، خلال فترة التعمير من اوائيل الخمسينيات وحتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، بعدها اتخذت الرياض احداث الخليج ذريعة للتخلص من العمالة اليمنية
، لانها وصلت لمرحلة الإكتفاء وأنتهت فيها فترة التعمير والبناء، ولم تعد بحاجة لعمالة البناء والتعمير ، وثانيا اصبح لديها مواطنيين قادرين على القيام بأعمال الصيانة ، ناهيكم عن قيامها باستقدام عمالة اسيوية من دول جنوب شرق اسياء وهم اكثر ولاء وتقديس للنظام وللشعب في السعودية والخليج ، بعكس اليمني الذي وان كان عاملا عاديا لكنه يعتز بكرامته وهويته ووطنيته ، وغير مستعد لتقبل الإهانة والغطرسة من المجتمع الخليجي او من الانظمة ، وثالثا لأن الرياض أتخذت من تقليص العمالة اليمنية سياسة ضغط على النظام اليمني على خلفية قناعات الرياض ان تقليص استيعاب العمالة اليمنية سيولد لصنعاء مشاكل وتبعات اجتماعية داخلية ، ومنذ العام 1990م مارست السعودية والنظام الخليجي ،ضغوطات اقتصادية على اليمن على خلفية مواقفها السياسية من ازمة الخليج ودخول العراق للكويت ،وما ترتب على هذه الازمة من تبعات سياسية واجتماعية تمثلت ببروز الازمة بعد حالة انفتاح وتحولات عشتها اليمن ابرزها اعلان الوحدة واختيارها للنظام الديمقراطي التعددي الذي شكلت معالمه حرية الأعلام والتعددية السياسية فبرزت القوى السياسية مدفوعة بخياراتها العاطفية دون وعي سياسي فاصطفت حسب قناعتها السياسية وانتمائها الفكري ، فشهدت المدن اليمنية حالة حماس غير معهود للعراق فايقنت الرياض مخاطر التحولات التي حدثت باليمن على حين غفلة فقررت البدء في إجهاض تلك التحولات ولكن هذه المرة بطرق ووسائل تختلف عن تلك التي واجهت بها الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر ، إذا راحت تسخر اتباعها ورجالها لتهيئة الوعي باتجاه الاحداث ، وكانت المساجد ورجال الدين ادوات بيد الرياض إظافة للوجهاء والرموز امثال الأحمر وقبائله ، ثم راحت تحارب اليمن اقتصاديا وعلى مختلف الجبهات بدءا من عملية الإنسياب التجاري وخاصة فيما يتصل بالصادرات اليمنية وفي غالبيتها صادرات زراعية مختلفة ، وقد عملت السلطات السعودية على تقليصها بطرق جد متغطرسة وسافرة مثل ان تترك هذه الصادرات على المنافذ لأسابيع حتى تتلف ، وبهذه الطرق تكبد المواطن اليمني والاقتصاد اليمني خسائر فادحة ، وقد اتلفت منتجات مواسم بكاملها من المنتجات الزراعية بسبب المعاملة القذرة للسلطات السعودية على المنافذ الحدودية مع اليمن ، ذهبت الرياض في استغلال التناقضات السياسية فيما بين شركاء الوحدة والسلطة حينها وتمكنت من ايصالهم إلى ميدان المواجهة والحرب ، ولم تكن حرب صيف العام 1994م إلا حرب سعودية _ يمنية ، وان أستخدمت فيها الرياض أطراف يمنية لتخوض الحرب بدلا عنها ، وكانت حرب مزدوجة بقذارتها ومخططها ، ففيما حركت الرياض حلفائها والموالين لها وأتباعها في صنعاء وفي مقدمتهم المؤسسة القبلية بقياد الشيخ الاحمر ومعه الجماعات الإسلامية ممثلة بحزب الإصلاح ، عملت بالجانب الاخر على تغذية الصراع بتشجيع نائب الرئيس حينها علي سالم البيض ،بالمضي بخلافاته مع شريكه في السلطة لتنتهي الأزمة بتلك الحرب الطاحنة التي ليس فيها منتصرا أبدا بل فيها خسارة تكبدها الوطن والشعب ، مع إنتها الحرب وجدت اليمن نفسها أمام قضية أخطر وأكثر كارثية ، لو لم تتحلى القيادة اليمنية بالحكمة ، وهي قضية الاحتلال الإريتري لأرخبيل حنيش في البحر الأحمر ، وما كان للنظام الإريتري أن يقدم على هكذا خطوة لولاء الإيعاز من ( الرياض ) وأطراف دولية أخرى ، وبموافقة ضمنية من أطراف يمنية كانت ولا تزل تعمل في خدمة الرياض وتنفذ كل طلباتها ، وهذه الأطراف هي ذاتها التي تصطف اليوم لجانب الرياض في عدوانها على اليمن ، باستثناء بعض الأغبياء من القوى اليسارية الذين هرولوا نحو قطار الإرتهان والارتزاق بحثا عن مغانم يؤمنون بها حياتهم بعد رحلة حافلة بشضف العيش وقساوة الحياة ..؟!!
نستشرف مما سلف ان الرياض مارست سياسة خبيثة وحاقدة بحق اليمن الأرض والإنسان ،وعملت على ضرب وتمييع أهداف الثورة والجمهورية وضربت التعليم والثقافة والقيم بما فيها القيم المكتسبة منذ عصور الإأئمة ،ففي الجانب التربوي عملت أولا على إفراغ المدارس من طلابها من خلال إستقطابهم للعمل لديها وتعميرها ، ثم فرضت التعليم الديني عبر أتباعها وكانت ( المعاهد العلمية ) بمثابة مغسلة لغسل الوعي الوطني وطمس الهوية الوطنية بكل قيمها وتراثها ومخرجاتها الثقافية والحضارية ، ثم اتجهت نحو الاقتصاد فعملت على تدميره ، فجأة الوحدة اليمنية في لحظة إرتباك سعودي وخليجي وإقليمي ودولي ، وحين فاقت الرياض لم تتردد في البدء الفوري والسريع على أحتوى التحولات اليمنية الجديدة ، فعملت وعلى يد أتباعها الإخوان والمؤسسة القبلية بزعامة المقبور الاحمر الذي كان رأس حربة في مشروع ومخطط السعودية لتخريب اليمن وضرب تحولاته منذ العام 1965م حين الزم الأحمر القبائل السبع المحيطة بالعاصمة صنعاء على إبرام إتفاق مقدس فيما بينهم ودشن هذا الاتفاق نشاطه في الوساطة بين رموز الملكيين والمحسوبين جمهوريين وليس مع الجمهوريين الحقيقيين الذين تم التخلص منهم تباعا وأستمر هذا الحلف القبلي المقدس بين ( السبع القبائل المطوقة على العاصمة صنعاء يؤدي دوره في خدمة المخططات السعودية حتى العام 2015م ، حين اجتمع ممثلين لقبائل الطوق المشئوم واعلنوا فك الارتباط فيما بينهم واعطاء كل قبيلة حرية التصرف واتخاذ المواقف التي تناسبها )..؟!!
جاء هذا الموقف للقبائل بعد إقدام جماعة الحوثي على إقتحام ( العصيمات ) وتفجير وكر رأس الشر ومصدر خراب اليمن عبد الله بن حسين وهروب اولاده بما نهبوه من اموال الشعب وبما قبضوه كثمن إرتزاقهم ووالدهم طيلة نصف قرن ..؟!!
أنفصال حلف القبائل هذا كان وراء التدخل السعودي المباشر بالعدوان العسكري على اليمن ، وبعد ان أيقنت الرياض أنها فقدت القدرة على السيطرة والفعل والتحكم بالقرار اليمني بعد رحيل ( رجلها الكبير ) الاحمر ، دون ان يترك شخصية بديلة كفيلة وقادرة على ان تقوم بدوره ، بما في ذلك اللواء علي محسن الذي كان فعلا نائبا للأحمر الشيخ ولكنه لم يكن مقبولا ليكمل مسيرة العمالة بنفس الوتيرة التي كان عليها الشيخ الاحمر ، لكن الاخطر من كل هذا أن ثقافة تجذرت وتشكلت وأستوطنت الوعي الجمعي الوطني بنسبة طاغية وعنونت سلوكيات الناس واهتمامهم وهي الثقافة الانتهازية التي للاسف كرسها حتى النظام السياسي وهي من دفعت الجموع للبحث عن ينابيع الارتزاق وكانت الرياض قبلة لكل باحث عن الجاه والثروة والسلطة ،في ظل نظام سياسي كل رموزه كانوا يبحثون عن الثراء بغض النظر عن مصادره وطريقته ، فأنتشر الفساد في كل اصقاع الوطن ومن القاعدة للقمة صار الفساد ثقافة وهوية وسلوك يمارس يوميا ،فتم تهريب الاستثمار والمستثمرين ، وهرب حتى المستثمرين المحليين من أبناء الوطن بعد ان وجدوا انفسهم عرضة للابتزاز ومطالبين بالتخلي عن نسبة من ثرواتهم واملاكهم لصالح كبار المتنفذين ومنهم الشيخ الاحمر واولاده ،بل حتى الافواج السياحية تعرضت للخطف وكان الاحمر هو الوسيط بين الخاطفين والمخطوفين وفي حوش منزله كانت تتم عملية التبادل وكان الخاطف يسلم المخطوف ويقبض الفدية وبعلم رئيس السلطة التشريعية وهذا من سخرية القدر طبعا ..وهذا ما سعت إليه وخططت له السعودية بعد تجربتها مع فترة حكم الرئيس الحمدي والتي على اثر التخلص منها وضعت الرياض برنامجا خاصا لضرب كل القيم والتقاليد بما في ذلك قيم وتقاليد واخلاقيات وتراث القبيلة ..
يتبع
