ماجدي البسيونى...
مكتبة بيازيد ... قصة عشق
كنا علي موعد مع د.سوسن رجب صباحا حسب ترتيب الصديق باسل خراط ..الثلوج تغطي الطريق إلي جامعة حلب أشار لي صديقي بيده ناحية مبنى يبدوا من منظره وواجهته ونوافذه عليها ما يدل بكثرة من يسكنها سواء الملابس المعلقة وازدحام البلكونات بأشياء لا تنبئك بأنها لطلاب ،قال باسل : من هنا ـ المدينة الجامعية ـ بدأ الهجوم على حلب من بعض الطلاب القادمين من الريف وتدريبهم على التخريب المنظم والآن يسكنها النازحون من ريف حلب وادلب والرقة.،وأضاف: حتى وصلت الآن لما تراه بما فيها الأمراض الاجتماعية والرذائل التي لم تعرفها حلب من قبل..ويواصل السير..طلاب وطالبات في عمر الزهور وجوههم مبللة رغم غطاء الرؤوس التي تكسوها الثلوج العاصفة كأن رؤوسهم أصابها المشيب..الغالبية الأعم من طالبات جامعة حلب محجبات حتى الأذقان وكذا نساء المدينة إلا أحياء بعينها ،وبعضهن يتفنن في وضع الحجاب سواء باللون أو الطريقة أو ببقية الثياب لكن الصفة والسمة العامة جمال عيونهن حتى لو كانت سوداء.
استأذنا الدخول بعد إظهار الهوية والتأكد من وجود الاسم لدى الأمن حسبما أبلغتهم د.سوسن.
كانت المرة الأولي من بين العديد من الزيارات اللاحقة لدخولي حرم جامعة حلب..كلية الآداب،الدور الرابع ..ممر طويل لنقف أمام قاعة مثبت على بابها "مكتبة الأستاذ الدكتور محمد حكمت بيازيد.. استقبلتنا سيدة ـ كن فطن فليس محبب أن تذكر عمر المرأةـ قرنفلية اللون ،رزينة المحياة.
ـ : كيفك ماما...
هكذا بادر باسل بعد أن أسكن قبلتين .. باسل لا يستقبل ولا يودع أنثي إلا ويقبلها وبين الاستقبال والوداع يتحدث حين يستوجب الحديث فلا ينازعه أحد.
ـ : الدكتورة سوسن رجب ، أمي ..
مددت يدي لتسكن بكف يدها اليمني ،قدمني باسل لها وللحقيقة كانت عيناي انجذبتا لكم الأرفف المتراكمة بالكتب قبل أن أقترب إليها ..
من أين أبدأ ..؟
القسم السياسي يحوى مئات العناوين لعشرات الكتاب من أنحاء الوطن العربي ، مددت يدي وتناولت المجموعة السياسية لمحمد حسانين هيكل بداية بـ "لمصر لا لعبد الناصر " ووصولا لـ لحرب السويس ،ما لفت نظري أنها جميعا عبارة عن إهداء شخصي من هيكل للدكتور حكمت وبخط اليد، لأكتشف أن العديد من الكتب والعناوين على الصفحة الأولي إهداء وليس هيكل فقط.
قسم للموسوعات والقواميس وآخر للسياسة والاقتصاد فالفكر وتاريخ الفن والعمارة والدراسات الإسلامية فالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا والآثار فى سورية والوطن العربي .. تاريخ الحضارات العام - الموسوعة الفلسطينية - لسان العرب - الكامل في التاريخ لابن الأثير- سلسلة المختار من التراث العربي - سلسلة المنظمة العربية للترجمة - سلسلة مركز الدراسات العربية وأعداد مجلة المستقبل العربي كاملة ... والكثير الكثير.
للمرة الأولي أرى الطبعة الأولى النسخة الأصلية "تاريخ آل سعود" لـ ناصر السعيد الذي قتل بسببه بعد أن تم خطفه من بيروت وإلقاءه بالربع الخالي من الطائرة بعد أن كشف تاريخ الوهابية المرتبط ببني سعود وجذورهم.
ما يزيد عن 100 ألف عنوان ..جانب من النسخ الاليكترونية...
عدة أيام أحتاجها لمجرد قراءة العناوين التي تملأ القاعة ..
كانت القهوة قد وصلت عندما سمعت صوت الدكتورة سوسن وهي تدعوني.
جلست مقابل الدكتورة سوسن زوجة الدكتور حكمت بيازيد صاحب هذه المكتبة.
قلت لها وهي تقدم القهوة : جئت حتى أستمع منك دكتورة ..
كان باسل روي لي الحكاية وكيف تم إنقاذ هذه المكتبة قبل سويعات من وصولها ليد الإرهابيين.
وقبل أن تنطق بكلمة واحدة وبعد أن تنهدت بصمت قالت ولا زالت واقفة : كل عنوان هنا يذكرني بعمري الذي قضيته بجانب رفيق الحياة الأب والصديق والزوج المثقف المتمكن من أدواته.
توجهت إلى مقعدها ومدت يدها لترتشف قهوتها وبدأت تروي.
عشنا أجمل سنوات العمر أنا ورفيق العمر بمنزلنا بحي سيف الدولة الحمداني في حضن أبنائنا ـ أشارت بيدها لكل ما بالقاعة من كتب ـ وأكدت ـ: نعم كل هذه العناوين هي أبنائنا الذي رزقنا الله بهم وفى القلب منهم مؤلفات الدكتور ومقالاته ..عالم جميل ليس بمقدور غيرنا أن يعيش تفاصيله الحلوة مهما استدعي خياله ومشاعره الحية ..عالم يغذيه الرضي والتصالح والاستقرار للدرجة التي امتلأنا عن قناعة أن عدم رزقنا بالولد كانت نعمة فكثر أبنائنا الروحيين ليس بحلب فقط ـ أشارت لباسل ـ ولكن في أنحاء سورية وخارجها ـ ارتسمت على وجهها الخمري ابتسامة ثقة ـ
أضافت مدرسة العلوم الإنسانية بقسم اللغة الفرنسية سوسن رجب ــ: حتم الوضع علينا الانتقال من بيتنا بسيف الدولة،وبالفعل ذهبنا إلى حي حلب الجديدة وبعد مدة قليلة فارقت الحياة حبيبي وأبى وصديقي ورفيق الدرب العظيم حكمت بيازيد في ( 26 - 05 - 2014 ) لا أنسي أثناء مرضه وقبل أيام من وفاته كان يسأل عن عنوان من بين آلاف العناوين بمكتبته لم يكن بحوزتنا بل كان ببيتنا بسيف الدولة ..كأنه كان يوصيني على المكتبة ـ أبناءه الأعزاء ـ
منذ اللحظة الأولي وقبل إداع جثمانه الطاهر الثري عاهدته على فعل كل ما استطيع لحماية المكتبة حتى لو زهقت روحي فداها وبالفعل لم اترك بابا يساعدني في استعادتها من سيف الدولة إلا وأطرقت رغم تهرؤ الأوضاع الأمنية بجمل المدينة.
كان الشارع الرئيسي لحي سيف الدولة منطقة تماس مابين قوات الجيش العربي السوري قرة العين وما بين الإرهابيين الفجرة ورغم ذلك وصلت بيتنا عبر الطواقيات ـ الفتحات بجدران المباني لتسهيل التنقل خفية ـ بصحبة مجموعة من الأصدقاء والطلاب تحت القصف ،ودخلنا سالمين جميعا بالرغم من وجود قناص على مقربة منا .. وبقينا بداخل البيت نرتب حزم الكتب بصناديق ورقية وخشبية وبكل الحيل والطرق وبدأنا بتسريب الصناديق بمساعدة العميد الركن صالح عبد الله الذي لازال رغم جرحه يقاتل بالميدان قائد حملة "النمر" البطل سهيل الحسن الذي يرجع له الفضل في استرجاع بعض المجلدات التي اختفت وكذا وبعض الجنود كان من بينهم طالب كان يدرس له الدكتور بيازيد ..صمتت ثم ابتسمت سألتها :للابتسامة معنى كأنك تذكرتي أمرا ما ..رفعت مستوي الابتسامة وقالت ــ: نعم يومها وبعد وصولنا سالمين إلى بيتنا بحلب الجديدة أصر نفس الضابط أن يقتنى مجموعة للدرجة التي بد متأثرا للغاية فلما عرفت السبب من أنه يعد رسالة الماجستير وعدته أن طلبه وأكثر مقضي وسأساعده بكل ما يحتاجه من مراجع فاقتنع ولا زلت أنتظره فأنا على تواصل معه.
بوصول المكتبة إلي البيت بحلب الجديدة أيقنت أنني قمت بنصف المهمة فالأوضاع تسوء والإرهاب لا يكل ولا يمل والمخطط على أشده والخطف والقتل على الجرار وحبيبي زوجي مستهدف حيا وميتا ونبشهم بالقبور مستمر وأمانيهم الوصول لمثل هذه العناوين بالمكتبة التي تؤصل كذبهم وخداعهم فمؤكد هي مستهدفة ،هذا ما كنت اقتنع به ،فما كان مني إلا اللجوء لرئيس الجامعة الأستاذ الدكتور مصطفي أفيوني بطلب التبرع ووهب الجامعة كامل المكتبة وما تحويه من عناوين لأكثر من 100 ألف كتاب والخزائن وما تحويه أيضا ،رحب في الحال وبعد أقل من يومين كان يخبرني بالترحيب والشكر من الجميع.
وللأمانة لم يتواني مسئول إلا وقدم العون من الأستاذ الدكتور مصطفى أفيوني رئيس الجامعة والرفيق الدكتور نايف السلتي أمين فرع الجامعة لحزب البعث العربي الاشتراكي والرفاق أعضاء قيادة الفرع والسيد عميد الكلية ونوابه وكوكبة من أساتذة الكلية وطلبتها حبا وكرامة للدكتور محمد حكمت بيازيد.
وبالفعل بدأنا رحلة تجهيز القاعة ولم أنتظر فقدمت كل ما أستطيعه حتى تم إعدادها ،هناك بالبيت كانت خلية نحل من الشباب حتى تم توصيلها إلى هنا كما تري ،أيام وأسابيع ونحن نصنف العناوين بعدها جلست أردد وأنا ابكي أخاطب روح الدكتور حكمت :نم مرتاح السريرة يا حبيبي.
نهضت لوداعها على أمل لقاء آخر ولم ينس صديقي باسل الذود بقبلتي الوداع .
