العميد د. أمين محمد حطيط :
مع طي صفحة داعش في العراق و خسارة أميركا ما خططت له في العراق و سورية من سيطرة و تفتيت و تجزئة و اقامه الدويلات الواهنة ، بات الهم الأميركي متركزا اكثر على سورية علها تشكل مخرجا لها من هزيمتها في المنطقة و تعويضا لفشلها الاستراتيجي الكبير الذي انتهت اليه بعد عدوان تدميري شامل قادته لنيف و سبع سنين حشدت فيه و له اكثر من 133 دولة تفكك جمعها حتى انتهت إلى التشرذم و التناحر الذي بات ينذر باحتكاك و صراع بعضها ضد بعض ،كما هو قائم اليوم بين قطر و حليفتها تركيا من جهة و بين السعودية و حلفها الخليجي من جهة أخرى صراع قائم و ظاهر ، يبدو انه كان نتيجة الفشل في سورية و العراق فحبكته أميركا او اختلقته من اجل نصب الافخاخ و الكمائن للمنتصرين و صرف النظر عن هزيمة و فشل أميركا و أدواتها ، لذا كان هذا التناحر العلني بإدارة أميركية لتحقيق أهداف استراتيجية تعول عليها أميركا .
أما خطة الإنقاذ الأميركية فهي كما يبدو تقوم على عل أركان ثلاثة ان نتوقف عندها كما يلي:
1) الأول يتمثل بإقامة خط فصل ناري على طول الحدود العراقية السورية، ويتشكل من قواعد عسكرية تنشرها في العراق وسورية على مقربة من الحدود وعلى الجانبين مهمة الخط التعويض عن الفشل في إقامة المنطقة الفاصلة التي تقطع منطقة محور المقاومة إلى جزء شرقي إيران والعراق وجزء غربي سورية ولبنان-حزب الله، ما يمنع تكامل القوى ويحمي إسرائيل من خطرها.
2) الثاني إقامة كيانات انفصالية او شبه انفصالية في كل من سورية والعراق والإصرار عليها حتى ولو أدى ذلك إلى تعارض ظاهر بين أميركا وحلفائها خاصة تركيا ولهذا نجد الإصرار الأميركي على دفع أكراد العراق للاستفتاء على الاستقلال، واحتضان أكراد سورية لإقامة الإقليم الانفصالي في شمال شرق سورية.
3) إقامة الحزام الأمني في الجنوب والجنوب الغربي السوري والحؤول دون انتشار المقاومة خاصة رجال حزب الله والقوات الشبيهة والمثيلة، منعهم من المرابطة على خطوط وقف النار في الجولان لان ذلك يشكل رعبا لإسرائيل خاصة بعد التطورات الاستراتيجية والميدانية التي استفاد منها حزب الله في الحرب الدفاعية التي شارك فيها في سورية.
و انطلاقا من هذه الخطة ترى أميركا ان النجاح فيما خططت يفرض تكثيف التدخل الأميركي العسكري المباشر دون الانزلاق إلى حرب او مواجهة واسعة وحاسمة و بالتالي العمل بمبدأ إظهار القوة دون استعمالها ، ثم المماطلة و التسويف لمنع أي يحل سياسي للازمة السورية يكون ترجمة فعلية للانتصارات السورية و لفشل الخصوم , و بالتالي ترى أميركا ان تنفيذ الخطة يفرض الحضور الأميركي القوي في الميدان و في أروقة الاجتماعات في استنه و جنيف ، في الميدان تهديدا و تهويلا لوقف الاندفاعة السورية و منع سورية و حلفاءها من حصاد مزيد من الإنجازات و الانتصارات ، و في السياسة مماطلة و تسويفا لمنع سورية من صرف الانتصار في السياسة و الحل السلمي .
وعلى ضوء ما تقدم لجأت أميركا إلى خطة تنفيذية عملية تقوم على ما يلي:
أ. اختلاق وتلفيق مجدد لموضوع استعمال الأسلحة الكيماوية من قبل الحكومة السورية وتوسيع ووسائل المساهمة في عملية التلفيق والكذب بدءا بالادعاء برصد مؤشرات عن تحضيرات لاستعمال مستقبلي، مرورا بتلفيق اتهام حول ما حدث في خان شيخون وصولا إلى استعمال غاز الكلور في عين ترما من قبل الإرهابيين لإلصاق الجريمة بالحكومة السورية. كذب وتلفيق تريد منه أميركا التهويل على الحكومة السورية وأخافتها وحملها على تجميد حركة قواتها في الميدان، كما أنها تبتغي تبرير نشر مزيد من القوات الأميركية في القواعد العسكرية السبع التي أقامتها عدوانا على الأرض السورية، في إطار إقامة خط الفصل العسكري الناري.
ب. احتضان "قسد" (قوات سورية الديمقراطية الكردية) وضمان إقامة كيان مستقل لها وتسليحها بشكل يوحي بانها قادرة على الدفاع عن نفسها بمساعدة أميركية عبر القواعد الست التي أنشأتها في منطقه نفوذها. ورغم ان هذا الأمر يغضب تركيا والجوار ويلاقي رفضا سوريا قاطعا كما ورفض من 80% من سكان المنطقة المزمع إقامة الإقليم الانفصالي فيها فان أميركا تبدو ماضية قدما في تحقيق واحد من أميرين: أما أقامه الكيان فعليا والنيل من وحدة سورية، او اتخاذه ورقة ضغط على الحكومة السورية لتتنازل لأميركا زوو تعطيها شيئا من مصالحها على الأرض السورية خاصة مسالة الغاز.
ت. تحريك جبهة الجنوب لتمكين إسرائيل من إقامة الحزام الأمني المطلوب، وهنا نلاحظ ان إسرائيل أسقطت عن وجهها العدواني القناع كليا وتدخلت علانية بتقديم الدعم والأسناد الناري لعصابات جبهة النصرة الإرهابية لتمكينها من مهاجمة مراكز الجيش العربي السوري في مواجهة الجولان المحتل. كما ولاحظنا كيف ان أميركا حاولت في الأردن اثناء التفاوض مع روسيا توسيع منطقة خفض التوتر في الجنوب ثم تغيير طبيعتها ونظامها بما يطورها من واقع أريد لها فيه ان تكون خطوة في اتجاه المصالحة وتصفية الإرهاب إلى خطوة عسكرية باتجاه إقامة الحزام الأمني الذي تديره أميركا وإسرائيل.
هذه هي الخطة الأميركية الإنقاذية التي ترى أميركا أنها تحفظ ماء وجهها وتخرجها من الهزيمة التامة في المنطقة وتحقق لها شيئا مما سعت اليه في عدوانها، فهل ستبلغ أميركا أهدافها من هذا الأمر؟
في متابعة وتحليل لمواقف معسكر الدفاع عن سورية، نجد ان هذا المعسكر حضر لكل موقف ما يناسبه من الردود، تحضيرا يجعل المعسكر الدفاعي ومن يؤيده مطمئنا إلى قدرته في أفشال الخطة الأميركية هذه وهنا نتوقف عند المحطات التالية:
- رفضت سورية وحلفاؤها رفضا قاطعا المناورات الأميركية حول الاتهام بالكيماوي وسخرت منها وتوعدت بان الرد على العدوان سيكون هذه المرة متكافئا مع العدوان ان حصل، كما ان السلوك الميداني السوري مع الحلفاء لن يتأثر مهما كان حجم التهديد والتدخل. يقرأ ذلك في مواقف سورية وإيران وروسيا سياسيا وميدانيا. وهو امر فهمته أميركا كما يبدو ما حملها على فتح باب للتراجع كما فعل وزير الدفاع الأميركي حيث قال بان سورية امتنعت عن استعمال الكيماوي تحت ضغط أميركي في محاولة لتسجيل نصر وهمي.
- رفض سورية وحلفائها مع دول الجوار أيضا لأي كيان انفصالي في سورية والتمسك بوحدة سورية أرضا وشعبا وفقا للقرار 2254، مع التوعد والاستعداد لإجهاض فكرة هذا الكيان مهما كلف الأمر، وما الانسحاب الروسي من محيط عفرين سوى رسالة أولية لمن يعنيه الأمر تتبعها رسائل قيد التحضير وهنا على المعنيين ان يفهموا ماذا يعني وصول الجيش العربي السوري وبقوة إلى رصافة رغم العدوان على طائرة سورية بسلاح أميركي، كما يجب ان يتوقف المعنيون عند إنجاز تطهير طريق اثريه كليا وكلها رسائل تعني منطقة الرقة والوسط.
- أما في الجنوب فأننا لن نسهب في تفصيل الرد ويكفي ان نطلع على واقع الحال ونتائج تحرك الرهبيين بدعم إسرائيلي حتى نعلم ان الخطة فشلت في أيامها الأولى.
يقودنا هذا العرض والتفصيل إلى استنتاج مريح وموضوعي مؤداه ان الأميركي الذي فشل في خططه الأصلية الخمس والتي اعتمدها ضد سورية والعراق والمنطقة هو الأن على باب الفشل أيضا في خطته الإنقاذية الأخيرة وهذا ما يثير جنونه والهستيرية لديه ويجعله يهرب من حقيقة الواقع إلى كذب الاختلاق والافتراء وهو يعلم او عليه ان يعلم بان الكذب والاحتيال في مواجهة الأقوياء واليقظين لا ينتج نصرا.
العميد د. أمين محمد حطيط
