الحلقة (4) طه العامري..
اختطت سورية لنفسها مسارا وطنيا وقوميا ودوليا وانسانيا متميزا منذ حرب اكتوبر ١٩٧٣٣م واعتمدة القيادة العربية السورية مسارا استراتيجيا عنون اداءها الداخلي فيما يتعلق بادارة التحولات التنموية الوطنية وتكريس ثقافة الهوية والانتماء فيما راحت خارجيا تنسج علاقات ندية متكافية مع كل المحاور الاقليمية والدولية وعلى قاعدة الثوابت الوطنية والقومية التي اختطها القيادة العربية السورية بقياد الريس الراحل حافظ الاسد طيب الله ثراه ..
وخلال مسارها الحضاري استطاعت دمشق ان تحقق الكثير من المكاسب وعلى مختلف الصعد رغم التحديات القطرية والقومية والدولية وابرزها الانفتاح العربي الرسمي على الكيان الصهيوني بعد زيارة الريس المصري محمد انور السادات للقدس المحتلة وابرام اتفاقية السلام بين مصر والكيان الصهيوني فيما سمي باتفاقية (كمب ديفيد ) ثم قيام الثورة الاسلامية في ايران بقيادة ( الخميني ) وما تبع هذه الثورة من تداعيات اقليمية اسفرت عن اندلاع الحرب العراقية _الايرانية ثم تلى ذلك اغتيال الريس السادات في مصر والذي تبع اغتياله الغزو الصهيوني للقطر اللبناني ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية وقوتها في لبنان وقد ادى كل هذا الى خروج منظمة التحرير الغلسطينية من لبنان لتبدا على اثر ذلك تطويع الارادة العربية الفلسطينية للقبول بفكرة ومخطط ( واشنطن ) التي سوقها سي الذكر ( فيليب حبيب ) وبدعم سري وعلني من بعض النظم العربية المرتهنة وخاصة انظمة ( الخليج ) التي وفيما كانت تضغط على الجانب الفلسطيني للقبول بحلول ( واشنطن ) لقضيتهم كانت في ذات الوقت تدفع العراق بالمضي قدما بحربه ضد ايران وبما يخدم مصالح واشنطن وتل ابيب اللذان كانا المستفيدان المباشران من تلك الحرب التي رفضتها دمشق وسعت جاهدة للحيلولة دون اندلاعها ولكن للاسف كان هناك من يؤيد تلك الحرب خدمة لاهداف واجندات خاصة ..؟!!
كان الغزو الصهيوني للقطر اللبناني يمثل التحدي الاخطر لسورية ولامنها واستقرارها ولمسارها الحضاري ، ومع ذلك استطاعت دمشق ان تمتص تبعات وتداعيات الغزو وما نتج عنه من تغيرات في المفاهيم والرؤى والقناعات سوى في نطاق الترويكا السياسية اللبنانية او في اطار منظمة التحرير الفلسطينية او حتى في نطاق الادارة السورية ذاتها التي وجدت نفسها مجبرة على التعاطي مع مخرجات كل هذه الاحداث بمنطق المسؤلية التاريخية بعيدا عن كل الحسابات ايا كانت وكانت اهميتها وهذا ما حدث ..اذ تمكنت سورية من تجنب كل الافخاخ التي وضعت لها في لبنان سوى عبر الورقة اللبنانية او من خلال الورقة الغلسطينية ، ناهيكم عن محاولة البعض استغلال الحرب العراقية_ الايرانية لاستدراج دمشق الى مربع التسليم بما ضنت بعض الاطراف العربية المهرولة بانه تحصيل حاصل ..غير ان سورية لم تربكها تداعيات الاحداث وتسارع وتيرتها بما في ذلك الانهيار المفاجيء الذي حدث لحليفها الاتحاد السوفييتي ثم تلاء هذت الانهيار ما هو الاخطر منه على سورية والمنطقة وهو الغزو العراقي للكويت ..؟!!
احداث خطيرة وجسيمة كان كل حدث منها كفيل باسقاط سورية او تطويع مواقفها من مجمل التداعيات الاقليمية والدولية ..غير ان حكمة دمشق ونظرتها الثاقبة وسلامة مواقفها المبدية كل هذه العوامل اعطت دمشق متسعا لتبقي قابضة على زمام المبادرة ومسيطرة على مسار الاحداث اتساقا مع المصلحة القومية وبما يخدم رسالة ووجود هذه الامة ويصون حقوقها المشروعة بما في وفي مقدمة ذلك الحقوق المشروعة والثابتة للشعب العربي في فلسطين المحتلة ..
تداعيات جسيمة لم تضعف دمشق ولم تربك مسارها بل اعطتها مناعة ضد التطويع والتطبيع فظلت دمشق عاصمة الممانعة والرفض لكل مشاريع الاستسلام مع العدو او التقارب معه على حساب حقوق الامة ووجودها التاريخي والحضاري ..وكان مؤتمر ( مدريد ) نموذجا صارخا للاحتوى والتطويع ،الا ان دمشق ظلت محافظة على رباطة الجاش ولم ترهبها العواصف بما في ذلك ( عاصفة الصحراء ) التي جلبت الى تخومها جيوش ( خصومها ) وفي مقدمتهم الجيش الامريكي الذي استقراء مؤخرا في ( بغداد ) ..؟!!
كان دخول العراق للكويت ضربة قاصمة لدمشق التي استطاعت بحكمة ووعي التخفيف من تبعات هذه الكارثة بكثير من الدبلوماسية والمهارة وشاركت في تحالف ( حفر الباطن ) باعتباره افضل الوسايل لدر مخاطر كبرى..!!
ورغم هذه المشاركة الا ان خصوم دمشق كانوا يدركون ان دمشق انما تذر في عيونهم الرماد ومع ذلك لم يتمكنوا من ان ياخذوا عليها ( مثلبا ) او يجدوا منفذا يمكن ان يدخلوا منه لتطويعها ، كما لم تنفع التهديدات مع دمشق حتى مع دخول قوات الاحتلال الامريكي الى بغداد وهرولة ( جيمس بيكر ) الى دمشق ليهدد ويتوعد دمشق اما بالرضوح لشروط واشنطن او ان قواتها على حدودها وهذا ما قاله بيكر للريس الدكتور بشار الاسد الذي لم يكترث بتهديدات الوزير الامريكي بل طلب من مسؤليه الذين كانوا حاضرين مرافقة الوزير الى حيث يقيم ..؟!!
ليغادر الوزير الامريكي غاضبا دمشق ولكنه عاد بعد اعتقال الريس الشهيد صدام حسين رحمة الله عليه ولكن الوزير ( بيكر ) قعد ثلاثة ايام في الفندق ولم يسمح له بلقاء الريس بشار الا بعد ثلاثة ايام وهذه الحادثة هي الاولى لوزير خارجية امريكا الذين يقابله بعض الرؤوساء العرب في المطارات ..لكن في سورية قعد ثلاثة ايام ينتظر لقايه بالريس بشار وحين التقاه لم يدوم اللقاء لاكثر من دقايق ليرحل الوزير الامريكي غاضبا ومتوعدا دمشق كما هو حاله في المرة الاولى ..؟!!
وظلت واشنطن تحيك مؤامراتها ضد دمشق وتسعى جاهدة لضرب امنها القومي فكانت حادثة اغتيال ريس وزراء لبنان رفيق الحريري وهي الجريمة التي لم تكن خافية على واشنطن وكذلك منفذيها ومع ذلك حاولت واشنطن وعبر حلفايها تحميل دمشق تبعات هذه الجريمة ، غير ان دمشق لم تكن تجهل مخططات واشنطن فعملت على اخراج قواتها العسكرية من لبنان وتعاملت مع الجريمة وتداعياتها بمسؤلية وثقة واقتدار وحكمة فاسقطت كل ذرايع المتامرين الذين فقدوا كل السبل لاستهداف دمشق فكانت حرب 2006م التي حاولت واشنطن توظيفها لتجعل منها فاتحة لميلاد ( شرق اوسط جديد او كبير ) لافرق ..!!
غير ان هذه الفرصة ايظا اسقطت من يد واشنطن واتباعها ..لياتي زمان ما يسمى ( الربيع العربي ) فاتخذت منه واشنطن وحلفايها نافذة لاستهداف سورية وبالطريقة التي تابعناها وهي طريقة عدوانية متطورة حملت معها دوافع تشبه سراب البقيع الذي يحسبه الضمان ماء ..؟!!
اذ هناك من يرى ان ماحدث في سورية عام ٢٠١١١م هي ثورة والحقيقة لم تكن هناك ثمة ثورة مطلقا لا في سورية ولا في مصر ولا في تونس ولا في ليبيا ولم تكن احداث الوطن العربي تلك التي حدثت عام ٢٠١١ م تعني الثورة ولا علاقة لها بالثورة بل مؤامرة امريكية صهيونية رجعية بامتياز قامت على اكتاف جماعة الاخوان المسلمين وهم ذراع القوى الاستعمارية ويد القوى الرجعية التي تسخرها لخدمتها وخدمة حلفايها المستعمرون لتطويع ارادة الامة وضرب كل عوامل الاستقرار فيها ..!!
ان الثورات لم تكن بهذه الصورة من البشاعة والاجرام .. كما لم يعرف العالم وشعوبه ثورات تحمل ويحمل رموزها هذا الكم الهايل من الحقد وثقافة الغاء الاخر بل وسحله وذبحه والتشفي بموته بدرجة مقيته ..!!
كما لم يعرف العالم ثورة تدمر الدولة والمؤسسات والمجتمع والبنى التحتية والنسيج الاجتماعي للشعوب ..!!
وعلى خلفية كل ما سلف فان سورية واجهة مؤامرة استعمارية قذرة ،مؤامرة لم يكن هدفها لامصر ولا تونس ولا ليبيا ولا اليمن بل هدفها كان سورية المكانة والدور زالموقف زالثوابت القومية وهدفها سورية الدولة والتنمية والتحولات الحضارية ..ولاجل ذلك تم التضحية بانظمة حليفة لامريكا وقريبة من الصهاينة فقط لتبرير مؤامرة اسقاط سورية وتطويعها وتحويلها الى دولة فاشلة او تقسيمها الى كانتونات وجعل ابنايها يتقانلون فيما بينهم لتحقيق اهداف الكيان الصهيوني واحلامه وتطلعاته ..؟!!
لكن وبالرغم من كل هذه المخططات وبالرغم من حجم المؤامرة القذرة وبالرغم من طريقة اخراجها الجهنمية فان سورية تنتصر وتصمد وتحقق المعجزات امام اعتى قوى استعمارية وامام ماكينة اعلامية مرعبة ولاتقل خطورتها عن خطورة الالة العسكرية الجبارة التي جندا لها مرتزقة من ٨٩ دولة ومولتها اغنى دول العالم ورعتها كل دول العالم تقريبا باستثناء ١٧ دولة من مجموع ١٩١ دولة في قايمة الامم المتحدة ..؟!
يتبع
