في مثل هذا اليوم قبل 17 عاما رحل المبصر في بلاد العميان .. رحل المفكر الموسوعة والإنسان الذي جسد بسلوكه وفكره ذروة المشاعر الإنسانية .. رحل إيقونة العصر ..رحل من حملت مفرداته أحلام وتطلعات وطن ومعاناة شعب .. رحل الأستاذ والمفكر والشاعر بمعاناة شعبه وتطلعات وطنه الثائر على الجهل والعمالة والخيانة والارتزاق .. أمير الحرف وسيد الكلمة وأستاذ الفكر والمدرسة الوطنية التي لن يكررها الزمان .. عبد الله البردوني ..
عبد الله البردوني .. لم يكن مجرد شاعرا عكس في كل حروفه الشعرية هموم شعب وتطلعات وطن ، بل كان إيقونة المشروع الوطني المجسد لكل قيم الهوية والأنتماء ، ولم يكن مجرد حكيما عابرا حملت مفرداته النثرية حكم وملاحم الولاء والأنتماء .. كذلك لم يكن مجرد مفكرا مبدعا قادته الضروف وتداعيات الأحداث إلى واجهة المشهد الثقافي والإبداعي ليتوج على عرش الإبداع ويصبح حاكما للحرف والكلمة وأمير لمفردات النثر والقافية ..
عبد الله البردوني .. المبصر في بلاد العميان والمفكر في بلاد ( الجهلاء ) والشاعر في بلاد فقدت الإحساس وفقدت بوصلة الأنتماء فكان البردوني هو عنوان الوطن والهوية وبوصلة بل قبلة المشروع الوطني المفعم بكل حقائق التاريخ والجغرافية والمجبول بكل أحلام وتطلعات فقراء الوطن المعفرة أقدامهم بإغلال الجلادين والموسومة ظهورهم بوشم سياط القهر والاستبداد ..!!
في ذكرى وفاته السابعة عشرا يصعب الحديث عن البردوني الذي أعطى الوطن والشعب وأحلامهما ولم يأخذ منهما شيئا فكان أكثر كرما من الشهداء بأنه كان أكثرهم عطاء وفداء وتضحية وإيثار ، وكان أنبل من الأحياء الذين أخذوا من الوطن أكثر مما قدموا له ، وابتزوا الشعب أكثر مما خدموه .. البردوني كان غير كل هولاء في عطائه وفي علاقته بوطنه وشعبه وأمته وإنسانيته .. البردوني كان إنسان وكان للأنسنة في فكره قيم ومفاهيم لم يحملها إلا أولئك العظماء الذين أناروا طريق البشرية وأبتكروا لها كل مقومات الحياة المتطورة بكل مكوناتها الحضارية ..
البردوني قدم فكر ورؤى وقيم وأخلاقيات ومثل لم يسبقه إليها أيا من مبدعي العصر وفلاسفته ..البردوني قدم لشعبه ووطنه مشروعا حضاريا متكاملا وخارطة طريق واضحة المعالم والأهداف شكلتها حروف قصائده التي حملت حكم الأجداد وأحلام الأبناء وتطلعات الأحفاد ..
كان البردوني عائقا أمام البعض ومزعجا للبعض الأخر وكان ( صناع الطغاة ) من مثقفي (بلاط السلطة ) يعملون جاهدين على تأليب ( السلطة ورموزها ) ضد رجل كانت بصيرته ثاقبه وكانت رؤيته صادقه وكانت مشاعره معجونه بحب الهوية والأنتماء وبأحلام وتطلعات شعب نافح البردوني من أجل الأرتقاء به فكرا وثقافتا وسلوكا ..
حاول هولاء البعض تهميش البردوني الإنسان والفكر والمشروع ، لكن كمن يحاول أن ( يطفيء نور الله )..؟
ومن نور الله كان البردوني يستمد نور بصيرته التي أنارت عقول جيلا من عشاق حروفه ، جيل يظل البردوني عنده هو حامل شعلة التنوير وهو من أوقد في الذاكرة الوطنية قيم الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية ..مفاهيم كان يغتاظ منها البعض من رموز الاستبداد ولهذا عملوا على تكريس ثقافة التهميش بحق من لا يهمش وكرسوا ثقافة التجهيل لمن لايمكن تجاهله وسعوا لتشويه من يصعب أو يستحيل تشويه صورته ..حتى وأن نجحوا في بعض محاولاتهم كتجاهل الرجل بصفة رسمية والعبث بتراثه بل ونهب تراثه وإخفائه ومحاولة طمس كل ما يتصل بحياة هامة بحجم ومكانة البردوني ومع ذلك نحتت في تجاويف الذاكرة الشعبية حكاية أسطورة رمزا سيبقى حاضرا في سجلات التاريخ.وذاكرة الأجيال الذين لن يتذكروا قطعا الجلادين وسياطهم وزبانيتهم لكن ستبقى حروف البردوني توقد في وجدان وذاكرة الأجيال ، بدليل إننا نتذكر ونحفظ كل أشعار وملاحم شعراء العصر الجاهلي والعصور المتعاقبة لكنا لانعرف من كان يحكم ويتحكم في عصر هولاء المبدعين إلا من ذكروا في أدبيات وحروف المبدعين أنفسهم ..
تحية للبردوني الحي في قلوبنا وعقولنا والذي سيظل حيا في ذاكرة الأجيال فمثله لا يموت ولا يختفي ولا يقبل النسيان ..
طه العامري ..
صنعاء في 30 أغسطس 2016م
