طه العامري ..
يخوض اليمنيون صراعا داميا فيما بينهم وكل طرف من أطراف الصراع يحمل الطرف الأخر كل المؤبقات ويصفه بكل الأوصاف وينعته بكل الصفات المشينة ..
صراع دامي تجاوز حدود العقل والمنطق ، ولا توجد ثمة مؤشرات توحي بإمكانية حسم الصراع لصالح أي طرف ..يحدث هذا في ظل وجود عدوان خارجي وتحالف إقليمي يحمل غطاءا دوليا ومباركة دولية أدخلت الأزمة اليمنية والصراع اليمني في حسابات الصراع الإقليمي والدولي وبالتالي غدا الصراع في اليمن مرهون نهايته بنهاية الصراع المحوري الملتهب حول خارطة المنطقة والعالم ..
أطراف الصراع اليمني لم يترددوا في توظيف علاقاتهم الخارجية إقليميا ودوليا وبما يخدم أجندة وحسابات كل طرف ..؟ غير أن الماسة تتمثل في مواجهات ميدانية أوغلت في قطع وتمزيق كل أواصر العلاقات الاجتماعية التي تبدوا في حالة انتحار مثير بل وفضيع وغير مسبوق مع وجود كل عوامل ومقومات تغذي هذا الصراع وتشد من عزم أطرافه وتدفعهم لمزيد من الفعل الذي يقطع صلة أطراف الصراع ببعضهم ويعمل على إشعال المزيد من بؤر الحقد والتوتر التي تنوعت بين الحزبية والمذهبية والمناطقية والقروية ، ناهيكم عن نمؤ ثقافة صراع دخيلة على الوعي والذاكرة المجتمعية وعلى هوية المتصارعين الذين راحوا يخوضون ضد بعضهم حرب وجود وليس صراعا دافعه السلطة والحكم والثروة وكيفية تقاسمها بعد أن تمكنت بعض الأطراف من تحقيق مكاسب خيالية خلال العقود المنصرمة وهي مكاسب مادية وموضوعية تكللت برفض أصحابها لفكرة التعايش حين توهم كل طرف بأن في إمكانه حسم الصراع لصالحه ولصالح حلفائه وهي الغلطة التي وقع في فخها أطراف الصراع في اليمن ، الذين لم يكونوا وهم يخوضوا صراعهم السياسي يتوقعون المدى أو المسار الذي رسم لصراعهم إقليميا ودوليا ليدخلوا في نطاق الحسابات الجمعية لمراكز القوى والنفوذ الساعية إلى فرض أجندتها على خارطة المنطقة التي تعيش حالة فراغ استراتيجي وغياب كلي لمحاورها النافذة إقليميا بعد الغزو الأمريكي للعراق والمؤامرة على سورية وظروف مصر الداخلية التي عملت على تحييد مصر ودورها تدريجيا منذ كارثة كمب ديفيد ..؟
في هكذا فراغ استراتيجي محوري في المنطقة برزت ثلاث قوى متنافرة في المنطقة كل واحدة منها تسعى للهيمنة على الوطن العربي بهدف تملئة الفراغ الاستراتيجي فيه وهذه القوى تمثلت في تركيا وإيران بشكل رئيسي فالسعودية ابتي دخلت ميدان المنافسة بدافع النكاية بإيران ..؟
كان المشهد في البداية درامي ومثير ، لكنه لم يكن يؤحي بوحشية الفعل الذي تمثل في تصرفات وسلوكيات جيوب ( إرهابية ) برزت من رحم الفوضى التي دشنتها واشنطن ولندن بغزو العراق ومن ثم مساومة سورية ودورها ، في لحظة بدت جيوب محلية تتحرك باتجاه زعزعة الاستقرار الداخلي لكثير من الأقطار العربية التي رأت فيها واشنطن ولندن بأنها وأن رفعت راية الاستسلام والسكينة وقبلت فكرة التعايش مع التوجهات المحورية الجديدة التي برزت بعد دخول قوات الغزو الأمريكي للعراق وهو الدخول الذي كان بمثابة بداية لانهيار جدار العروبة الذي كان أصلا يعاني من تصدعات خطيرة بدأت بخروج مصر من مسار التوازن ثم غزو لبنان من قبل الصهاينة عام 1982م وتصفية منظمة التحرير الفلسطينية وما رافقها من حرب عراقية _ إيرانية دامية ، عمقت كل ممكنات التناحر فيما بين النطاق القومي العربي ومحيطه الأفريقي والأسيوي لتبدأ رحلة إنهيار منظومة الأمن القومي العربي التي زاد من تصدعها الوضع الأفغاني بكل مخرجاته السياسية والدينية والأمنية والاجتماعية والثقافية وهي المخرجات التي حاول النظام العربي التخلص منها عبر أجندة هلامية انعكست بصورة سلبية على واقع العرب ومساراتهم رغم تباينات مواقفهم غير أن الأهم لدى صناع القرار المحوري هو خلق بؤر توتر تكون بمثابة روافع لمخططاتهم وهذا ما تمكنت واشنطن وحلفائها من تحقيقه والوصول إليه كفعل مكنها أو منحها فرصة غزو العراق وإسقاط نظامه القومي واستبداله بنظام طائفي ومذهبي ومن ثم إعادة تشكيل خارطة العراق الجغرافية وفق خطة قديمة لوزير خارجية أمريكا سيي الصيت ( هنري كيسنجر ) والتي أفصح عنها مباشرة بعد حرب أكتوبر 1973م ..
اليمنييون لم يستوعبوا أحداث التاريخ ولم يدرسوا دوافع الأحداث التي عصفت بهم منذ العام 1977م التي شهدت اغتيال ثلاثة روساء يمنيين وكوكبة من رموز الحركة الوطنية وخاصة من التيارين القومي والماركسي وهما التياران اللذان يحظيان بمقت وكراهية قوى الاستعمار والرجعية ؟
ففي عام 1990م تحققت الوحدة اليمنية ولم يكن للأسف صناعها يستوعبوا عظمة وأهمية الحدث الذي انجزوه في لحظة تداعيات جيوسياسية دولية ابرزها أنهيار حلف وارسوا وجدار برلين وانتهى عصر ومجد الاتحاد السوفييتي القطب الأخر في المعادلة الدولية لتعلن على أثره واشنطن انتصار الليبرالية وهو الانتصار الذي صادرته الإمبريالية المتوحشة ..؟
كانت الوحدة اليمنية هي نقطة التحول الاستراتيجي في مسار المنطقة برمتها ولكن هناك من حال دون تحقيق هذه الغاية لدوافع كثيرة منها ذاتي ومنها موضوعي لكن ابرزها كان استكثار هذه المكانة لدولة مثل اليمن التي تعاني من الفقر والتخلف وثقافة مركبة ينبذها الأخر الذي يعتبر الثقافة الشعبية اليمنية ثقافة ( شوفونية ) لانها تتمسك بثوابتها الوطنية والقومية وكان والحال كذلك لابد من حقن هذا المجتمع بثقافة إختراقية تمهد الطريق لحالة التفسخ والإرتهان ..
بعد قيام دولة الوحدة اليمنية انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية ، ثم حدث الغزو العراقي للكويت ، ثم تم سلخ إريتريا عن دولة إثيوبيا ..؟
وفي تلك المرحلة انطلق مؤتمر ( مدريد) لتصفية قضية فلسطين كمكافئة من محاور النفوذ ليعض العرب نظير تحالفهم ضد العراق فيما أطلقوه عليه حرب تحرير الكويت ...؟
لتبدأ على أثر هذا دموية الصراع اليمني ..اليمني يقابله صراع سوداني ..سوداني ..وصراع صومالي ..صومالي ..فيما ثقافة الاستقلال الاثنية والعرقية برزت كهوية وثقافة أخذت تكرس نفسها في الخطاب الثقافي العربي بما لهذا الخطاب من تبعات اجتماعية برزت بصورة جلية لاحقا مع دخول قوات الغزو الايتعماري بغداد ثم تكرست بعد اغتيال رفيق الحريري في لبنان وحدوث حرب تموز 2006م وما نتجت عنه تلك الحرب من مفاهيم وقيم ثقافية رفعت مفردات الطائفية والمذهبية في الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي وبشغافية غير مسبوقة ..
هناء بدت ثقافة التحرر من الهوية بشقيها الوطني والقومي ، وانطلقت حالة ابغزل بين المحاور الاستعمارية وجماعات الإسلام السياسي الذين كانوا بمثابة (( حصان طروادة ) لمحاور النفوذ وهي من سهلت عملية اختراق البنى المجتمعية وعلى مختلف المستويات ..لتبدأ بالمقابل مرحلة تصفية الثقافة ( الريديكالية ) وكانت اليمن هي المسرح الطبيعي لتصفية هذه الثقافة وهذا ما نعيشه ونشاهده اليوم من خلال هذا الصراع الذي يخيم على سماء اليمن والذي هدفه الأساسي ليس الصراع على السلطة بل القضاء على كل ثقافة وطنية وقومية لتحل بديلا عنها ثقافة حملها مندوب الاحتلال الامريكي للعراق ( بول بريمر) لدرجة أن الدستور اليمني الذي يكتب في أكثر من عاصمة عربية ودولية ليس سوى نسخة مترجمة من دستور بريمر الذي كرسه للعراق بعد الاحتلال ..؟
بيد أن ما يجري في اليمن اليوم ليس معزولا عما جرى ويجري في المنطقة من فلسطين إلى لبنان ، إلى سورية والعراق ، إلى الصومال والسودان وما قد يجري في محطات مرشحة للهيكلة الجغرافية والديموغرافية والحيوسياسية ..
يتبع ..
