بقلم مجدي صبحي
أيها الزعيم الملهم.. أسطورة الوطنية.. لقد رأيناك خالدا خلود الزمن.. شامخا شموخ الأهرام.. فكنا نقف معك علي منصة التاريخ لنتطلع نحو ناصية الحلم العربي لأنك كنت بحق قلبا ينبض بالقومية العربية..
لقد تعلمنا منك كيف تكون الوطنية منهلا نستقي منه أسمي القيم ونغترف منه أعظم المباديء في الحرية والكرامة والعزة.. كنت كالجبل الراسخ والطود الأشم أمام عاصفة الرجعية والاستعمار.
فرأيناك سيفا من القادسية ودرعا من حطين ومنبرا لتحرير فلسطين.. لقد كانت مصر في عصرك الذهبي قلعة للنضال والتحدي والتحرر في العالم الثالث ونموذجا ونبراسا يحتذي.. ترد كيد المعتدي وتشد أزر الصديق.. كما نراك تحلق كالمارد.. كالنسر المحلق في سماء الوطنية وفوق منارة القومية العربية.. لقد عشنا معك عصر التحولات الكبري وصناعة التاريخ.
![]() |
| الرئيس الراحل الزعيم عبد الناصر في اليمن ابريل 1964م |
.. لن ننسي وأنت تتحدث بصوتك المجلجل الأخاذ في خطبك التاريخية عبر العالم العربي.. فيهتز لك أرجاء الوطن كله.. وتصفق لك دول العالم قاطبة.. لقد تعلمنا هكذا يكون فكر الرجال.. فلن تنسي مصر والعالم عندما أعلنت في خطاب مزلزل أن تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية وينتقل إلي الدولة جميع ما لها من حقوق وما عليها من التزامات.. فكان صوتك يصعد إلي عنان السماء ليتردد صداه عبر آفاق الزمن.. فرأينا فيك خلود التاريخ وتاريخ الخلود.. لقد حباك الله كاريزما عجيبة وهي هبة إلهية تحار فيها العقول!.. فمررت بعمر قصير كومضة برق اضاءت الزمن ومازال شعاعها يبهر الأبصار!! ورغم قصر العمر إلا أنك قمت بأعظم ثورة وأنت في الرابعة والثلاثين من العمر.. أيها المارد العربي والزعيم الأسطورة: لقد كنت أيقونة الوطنية.. وسدا منيعا وحصنا حصينا ضد توحش الإرهاب الأصولي الجارف وتسلل الفكر الطلامي والفكر القطبي والإخواني الذي أبتليت به مصر.. فلم تسمح بحدوث أية حادثة للفتنة الطائفية علي أرض مصر في عهدك إلي أن جاء من بعدك من زرع بذور الفتنة فانكوي بنارها بعد أن أخرج الفتنة من عقالها حتي كادت أن تقتلع جذور مصر التاريخية الأصيلة.. فأصبحت الفتنة ترتع علي أرضها بعد أن وجدت لها ملاذا حصينا بعد رحليك.. ويحاول الآن قرينك في الوطنية الرئيس المحبوب عبد الفتاح السيسي أن يخمد جذوتها بقدر المستطاع وبذكاء يحسب له.. أيها الزعيم المرموق: لقد كانت إنجازاتك لمصر علامات فارقة في تاريخها المعاصر فبنيت السد العالي بعد تحديات جسام مع البنك الدولي ورغم نكسة عام1967 وتحديات إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف إلا أن الاقتصاد المصري استطاع بكفاءة وشموخ أن يتحمل إتمام بناء مشروع السد العالي لينتهي العمل منه في ذكري عيد ميلادك الأخير في15 يناير من عام1970 م.. في ميعاده المحدد.. السد العالي الذي اختارته الأمم المتحدة سنة2000 م كأعظم مشروع قومي هندسي في القرن العشرين.. ذلك البناء الذي يعادل بناؤه17 هرما من طراز الهرم الأكبر خوفو!!.. واستطاع أن يحمي مصر في أعوام الجفاف المدقع الذي عانت منه أفريقيا في أوائل السبعينينات ليكون صفعة للرد علي من زعموا أنه مشروع فاشل في حملة مسعورة من بعض الصحفيين المغرضين الحاقدين آنذاك.. كما أنشأت خلف السد العالي بحيرة ناصر التي تعتبر أكبر بحيرة صناعية في العالم.. لقد أقمت صرحاصناعيا جبارا يحكي عنه التاريخ.. حاولت معاول الهدم من بعدك أن تحطمه.. فتم بيع القطاع العام وتفكيك مصانعه والذي قدره البنك الدولي بقيمة1400 مليار دولار آنذاك.. وكان في عصرك الاقتصاد المصري أقوي من اقتصاد كوريا الجنوبية عام1970 م فأقمت أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث حيث بلغ عدد المصانع1200 مصنع منها الصناعات الثقيلة والصناعات التحويلية.. مثل مجمع الحديد والصلب العملاق ومجمع الألمونيوم بنجع حمادي الذي بلغت تكلفته3 مليارات جنيه ومصانع الغزل والنسيج العملاقة بالمحلة الكبري وغيرها.. فكانت مصر الرائدة في القارة الأفريقية السمراء والدول الشرق أوسطية.
![]() |
| القبائل اليمنية في استقبال الزعيم عبد الناصر عند زيارته الي اليمن |
لقد كنت حريصا في المحافظة علي معدل النمو الاقتصادي رغم معاناة النكسة فبلغ المعدل8% سنويا بين عام1969 وعام1970 م بل حدث فائض في الميزان التجاري بالموازنة العامة للدولة عام1969 م لأول وآخر مرة في تاريخ مصر بفائض469 مليون جنيه بأسعار ذلك الزمان الغابر.. كما تطورت الزراعة الآلية في عصرك واسترد الفلاح المصري حقه المسلوب من حتيان الإقطاع.. فأصدرت قوانين الإصلاح الزراعي بتحديد الملكية الزراعية والتي بموجبها صار فلاحو مصر يمتكلون للمرة الأولي الأرض التي يزرعونها.. وتحديد ملكية الإقطاعيين بمائتي فدان فقط بعد أن كانوا يمتكلون آلاف الأفدنة علي حساب فقراء هذا الوطن.. مثل عائلة البدراوي عاشور الذين كانوا يستغلون الفلاحين للسخرة في أراضيهم فكانوا يهربون من القهر والإذلال.. وأبرز الإقطاعيون كان البرنس يوسف كمال الذي كان سليل العائلة المالكة والذي كان يملك20 ألف فدان!!.
لقد زادت مساحة الأراضي المملوكة لصغار الفلاحين من21 مليون فدان إلي حوالي4 ملايين فدان, وتم زيادة رقعة المساحة المنزرعة في مصر15% لتتواكب الزيادة مع معدل الزيادة السكانية.. كما قمت بتأميم قناة السويس في26 يوليو عام1956 وإبرام اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام1954 م حتي آخر جندي بريطاني عن قناة السويس وعن مصر كلها في18 يونيو عام1956 م.. وانتصرت دبلوماسيا في مفاوضات العدوان الثلاثي مع الدول العظمي فأمر الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور بسحب قوات العدوان الثلاثي من مصر.. وعندما عانت مصر من نكسة5 يونيو عام1967 أدركت بحسكم الوطني أن القيادات العسكرية لم تكن جديرة بثقتكم في تحمل المسئولية الجسيمة التي ألقيت عليها فكان يجب محاكمتهم علي غرار محاكمات نورنبرج التي أعقبت الحرب العالمية الثانية لكبار القيادات العسكرية.
ولكنك أعلنت التنحي عن الحكم في خطاب التنحي الشهير حيث قررت أن تتنحي عن أي منصب سياسي وأن تعود إلي صفوف الجماهير لتؤدي عملك كأي مواطن عادي.. فكانت ردة الفعل المزلزلة بالاحتشاد الجماهيري الكاسح في مظاهرات10,9 يونيو ليطالبك الشعب بالعودة عن التنحي.. لأنه أحبك ووثق في وطنيك وأمانتك لأنه يدرك جيدا شرفك الوطني الذي لا غبار عليه ويشهد له الأعداء قبل الأصدقاء. فقمت بتطهير القيادات بما عرف بسقوط دولة المخابرات وتطهير القيادات العسكرية وتعيين الفريق أول محمد فوزي قائدا عاما للقوات المسلحة.. لإعادة بناء القوات المسلحة بشرف ونزاهة.. وخاضت مصر حرب الاستنزاف بصمود وبسالة يشهد لها تاريخ العسكرية المصرية مثل معركة شدوان ومعركة رأس العش.
وهكذا فنابليون بونابرت لم يهز تاريخه هزيمته في معركة واتزلو والجنرال روميل لن ينساه التاريخ العسكري بعد انسحابه في معركة العلمين بل اعتبره أعظم انسحاب في التاريخ وسجل في صفحات التاريخ بأنه كان انسحابا أقوي تكتيكيا من أي هجوم عسكري.. وأصبح يدرس في الأكاديميات العسكرية في العالم فأنصفه التاريخ ولم يؤثر انسحابه علي تاريخه وسجله العسكري المشرف.
وحتي حرب اليمن التي شاركت فيها مصر وأخذها أعداء الوطن والحاقدين بأنها سقطة تاريخية.. لقد عاد التاريخ الآن ليثبت للحاقدين أن اليمن هي بعد استراتيجي قد يهدد الأمن القومي لمصر.. إذا قدر أن يغلق مضيق باب المندب فتتحول عندئذ قناة السويس إلي حمام سباحة أو ترعة مهملة.. لا قيمة لها أو لأي إنجازات تاريخية تمت من أجلها..
فالتاريخ يثبت كل يوم أنك تجاوزت حاجز الزمن ببعد نظرك وفكرك الثاقب فرأيت ما لم يره أحد في عصرك إلي الآن.. ومع ذلك لم يسكت قطيع الإخوان الذين كانوا يرددون هذا الأقاويل كالببغاء فهي عقول مغيبة.. مخطوفة.. منساقة كالقطيع الضال.. يالها من ملحمة تاريخية كتبت سطورها أيها الزعيم المغوار.
لقد شهد لك التاريخ بالسبق في التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي العملاق لفكرة اقتحام خط بارليف بخراطيم المياه التي ابتكرها في عصرك الفريق باقي زكي يوسف وعرضها علي قيادتكم وتم التدريب علي تنفيذها بعمل بروفات حية ومناورات قاسية اثناء حرب الاستنزاف تحت مسمي خطة جرانيت1 وجرانيت..2 فكانت التمهيد الحقيقي والفعلي لانتصار أكتوبر العظيم.. وهذه حقائق دامغة شئنا أم أبينا أن نذكرها أو نتغافلها.. أيها الزعيم المرموق: لقد حققت العدالة الاجتماعية في مصر كما لم تتحقق من قبل أو من بعد لأنك كنت بحق نصيرا للفقراء ونصيرا لمبدأ إزالة الفوارق بين الطبقات لذلك فلم تكن هناك بطالة أو أزمة تعيينات.. وقمت بتحديد الحد الأقصي والحد الأدني لأجور العاملين بالدولة والقطاع العام.. بينما نعاني الآن ومنذ عصر مبارك البائد بأكبر فجوة وهوة سحيقة في الأجور بين كبار موظفي الدولة وصغار محدودي الدخل من الموظفين.. وهذا ما تجلي واضحا للعيان في بعض القطاعات الحكومية كقطاع البنوك والبترول والضرائب وبعض الإعلاميين حيث بلغت الرواتب الشهرية بالملايين بينما بقي الحد الأدني لصغار الموظفين متدنيا للغاية ولا يتلاءم مع الارتفاع الجنوبي للأسعار.
أيها الزعيم.. لقد انخفضت نسبة الأمية من80% قبل عام1952 م إلي50% عام1970 م بفضل مجانية التعليم التي أنجبت العباقرة مثل الدكتور أحمد زويل والدكتور السير مجدي يعقوب والدكتور العلامة مصطفي السيد مكتشف علاج مرض السرطان والكثير من علمائنا الأفذاذ مثل الدكتور فاروق الباز.. وليقرأ من يريد معرفة المزيد: مذكرات هؤلاء وغيرهم.. لقد كان مرتب الشاب خريج الجامعات المصرية في أول تعيينه يعادل225 جرام من الذهب الذي كان سعره آنذاك80 قرشا فقط!! بينما أصبح الجرام الآن260 جنيها تصرب في225 جرام فتساوي6800 جنيه راتب شهري بسعر الزمن الذي نعيش فيه الآن وكان سعر الجنيه الذهب4 جنيهات مصرية( فكما قال جهبذ الاقتصاد الدكتور حسن عباس زكي وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في عصر عبد الناصر أن قيمة العملة المحلية تقاس بالجنيه الذهب).
أيها الزعيم الملهم.. لن تنسي مصر في عصرك الذهبي أنك أنشأت التليفزيون المصري عام1960 ومبني الإذاعة والتليفزيون ذلك الصرح الإعلامي التنويري العملاق علي كورنيش النيل وأنشأت استاد ناصر وأنشأت حي مدينة نصر.. وأقمت معرض القاهرة الدولي للكتاب لأول مرة في مصر كبؤرة للثقافة والتنوير في مصر وأقمت عيد العلم لتكريم رجال العلم والعلماء.. وأنشأت برج القاهرة وهو صرح سياحي باهر ليبقي شامخا مرتفعا إلي187 مترا في شكل زهرة اللوتس الفرعونية ليطل علي قاهرة المعز الجميلة وليكون شاهدا علي منجزاتك في قلب العاصمة المصرية.
لقد جعلت مصر منارا للدول المتحررة في أفريقيا ودعمت الجزائر من أجل التحرر الوطني وسائر دول أفريقيا والشرق الأوسط من الاستعمار حيث لقبك الأفارقة بأنك الأب الروحي لأفريفيا.
TheGrandFathersofAfrica.
فلم تتجرأ اثيوبيا علي بناء سد رغم أنه حلم كان يساورها منذ عشرات السنين وذلك حفاظا علي العلاقات الوطيدة بينها وبين الزعامة المصرية في عصر الأمبراطور هيلاسلاسي.. وحفاظا أيضا لحصة مصر من مياه النيل..
كما أنشأت منظمة دول عدم الانحياز مع الزعماء تيتو ونهرو وسوكارنو.. والآن يشهد المسرح السياسي والدولي حالة من العبثية والغوغائية والضحالة السياسية لم يسبق لها مثيل.. أيها المارد والزعيم: إن احتشاد الملايين من شعب مصر في الميادين في خضم ثورتي25 يناير,30 يونيو رافعين صورتك.. هاتفين بأمجادك بعد مرور أكثر من40 عاما علي رحيلك.. إنما هي شاهدة علي العصر وعلي التاريخ ورسالة إلي العالم أجمع بأنك كسرت وعبرت حاجز الزمن بفكرك الأسطوري الذي كان يسبق عصرك حيث رأي فيك شعب مصر الأب الروحي لهم وليس الديكتاتور كما يزعم الحاقدون.. لقد أصحبت رجلا لكل العصور.. لقد اصبحت وساما ونيشانا علي صدر مصر فهنيئا لك يا أعظم الرجال.. وهنيئا لمصر التي أنجبتك.. لقد سطر التاريخ إسمك مع الخالدين الذين حفرت أسماؤهم علي رمال الزمن وصخور الدهر.


