د. يحيى محمد ركاج - باحث
في السياسة والاقتصاد
صدر منذ بضعة
أيام عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس تقرير التنافسية العالمي 2014 – 2015
الذي يشمل مسحاً سنوياً للعديد من المؤشرات التي تعنى بشكل أو بآخر بالمؤسسات
الدولية القائمة بالنشاط التجاري والاقتصادي أو المؤسسات العاملة ضمن الدولة
وقدرتها على توليد أرباح أكثر بتكلفة أقل، أو قدرتها على إنتاج سلع وخدمات تنافس
الأسواق العالمية وتحقق لقاطني الدولة مستويات معيشة جيدة في الأمد الطويل،
وتتناول المؤشرات كل من البنية المؤسسية والبنية التحتية والاقتصاد الكلي والصحة
والتعليم والتدريب وكفاءة سوق السلع وسوق العمل وتطور سوق المال وحجم السوق وتطور
بيئة الأعمال بالإضافة للإبداع أو الابتكار.
وتتزايد أهمية التقرير في هذا العام نتيجة اقتراب معاناة
الشعوب والدول التي عانت من أسوأ أزمة مالية عصفت بالعالم منذ قرابة الثمانين
عاماً من نهايتها، ونتيجة تنافسية الدماء الناجمة عن السعي نحو السيطرة على مصادر
الطاقة والأسواق الجديدة لتجارة المال من خلال الإقراض والتمويل تحت ذرائع الإعمار
واكتشاف العلاج للأوبئة والأمراض الخطيرة التي يتم تصديرها إلى البشرية.
واللافت في تقرير هذا العام استمرار غياب سورية عن
تصنيفاته للعام الثالث على التوالي، حيث لم يذكر اسمها في هذا التقرير إلا لمرة
واحدة عندما تم ذكر بعض المصاعب التي تواجه جارتها الأردن، كما كان آخر ذكر لها في
تقرير عام 2012-2013 عند تبرير عدم تواجد سورية على قوائم التقرير بالقول بعدم
المقدرة على إجراء المسوحات في سورية نتيجة تردي الوضع الأمني فيها. وعلى غرار ذلك
فقد تصدر التقرير للعام الثالث على التوالي أيضاً كل من السويد وسنغافورة
بالمرتبتين الأولى والثانية وتأتي الولايات المتحدة بالمرتبة الثالثة وروسيا بالمرتبة
53 مع فوارق بسيطة حققتها روسيا بالمكونات الفرعية للمؤشرات فيما يتعلق بكفاية
أسواق السلع، مما يعني دخولها التنافس الأقوى على أسواق العالم الناشئة على أقل
تقدير.
لكن الغريب في التقرير أنه يعكس نظرة الإنسانية جمعاء
إلى ما يحصل في المنطقة العربية عموماً وفي سورية على وجه الخصوص باعتباره من
المؤشرات الرقمية التي تخدم مصالح مافيا المال في العالم، فالولايات المتحدة وبعض
حلفائها الأوروبيون الذين يتبوؤون مكانة متقدمة في التقرير هم نفسهم من مول تهديم
المؤسسات والبنية التحتية في سورية وتخريب اقتصادها، وهم المسؤولون أيضاً عن تراجع
خدمات الصحة والتعليم والتدريب، واستنزاف الموارد السورية وافتقار الأسواق نتيجة
تدمير منتجاتها، ناهيك عن السرقة الوقحة لموارد الشعب السوري وحضارته عبر شراء
النفط السوري المسروق والآثار السورية المسروقة عبر وسطائهم وسماسرتهم.
إن التقرير لا
يهتم بالدماء التي سالت حتى تبقى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيون
في مراتبهم المتقدمة به، ولا بمصير مصادر الطاقة أو الشعوب التي تمتلكها والتي
لأجلها ارتوت أرضنا المباركة بالدماء.
وعلى الرغم من
اهتمام التقرير بمؤشرات الديموغرافية التي تعتبر أيضاً أحد محددات العدوان على دول
منطقة شرق المتوسط، إلا أن صوت مؤسسات الأعمال كان هو الأقوى، حيث تشكل دول منظومة
البريكس وهي الملتزمة بقرارات المجتمع الدولي ما يزيد عن 40% من سكان العالم
وتعادل أكثر من 9 أضعاف سكان الولايات المتحدة الأمريكية المتمردة على مؤسسات
المجتمع الدولي الذي تتحكم بها بدرجة كبيرة، وقرابة 1500 ضعف من عدد سكان قطر، في
حين يتفوق الناتج المحلي الأمريكي على الناتج المحلي لمنظومة البريكس مجتمعةً،
وتتفوق الولايات المتحدة والحارة القطرية (في تعداد السكان مقارنة بالصين وحدها)
على منظومة البريكس بالثقة العامة بالعاملين بالمجال السياسي لديهما، الأمر الذي
يؤكد مجدداً على تنافسية الدم في تقرير قياصرة المال في دافوس.
لقد دعمّ تقرير التنافسية الحالي الفكرة التي أطلقها
تزامن انعقاد ملتقى دافوس هذا العام مع مؤتمر جنيف 2، والذي تم به التنبؤ بمعدل
نمو مرتفع رغم ما يشهده العالم من كوارث وأزمات بأن التنافس الحقيقي لرفاه الشعوب
التي تعتبر نفسها سادة العالم يقوم على دماء باقي شعوب المعمورة، ولا تخرج
سنغافورة وغيرها عن هذه النتيجة وإن كانت المعطيات ضمنية وغير صريحة. لذلك نجد
أنفسنا اليوم أمام تقرير تنافسية الدم، الذي يفضل المال عن الروح والبشر، فهل يجف
مداد الدم قبل أن ينتهي إعداد التقرير القادم، أم أن الميزة الديموغرافية سوف تصبح
لصالح الشيطان الأكبر أمريكا وحلفائه بما فيهم الكيان الصهيوني.
