728x90 AdSpace

10 سبتمبر 2014

"روزانات" الموت... بقلم د. ريم عبد الغني


 بقلم د. ريم عبد الغني
"روزانات" الموت... 
لم أعرف معنى كلمة الروزانا.. إلا قبل سنوات فقط.. واليوم... أشعر بنبض لحنها المتوارث الحزين .. فقد نكست أخبار رحلة مجد ورفاقه وتداعياتها جرح الروزانا الكامن في لاوعيي.. سكنتني.. ووجدتني أدندن في سري: عالروزانا ع الروزانا, كل الهنا فيها
شو عملت الروزانا , الله يجازيها
دندنتها ليلة البارحة ودندتها.. بصوت خفيض.. دندنتها حتى بكيت مع هؤلاء. الذين كانوا ينتظرون بلهفة سفينة "روزانا" الإيطالية تقترب ببطء من شاطيء بيروت., قبل اكثر من قرن.. آملين أنها ستحمل الفرج والقمح بعد المجاعة القاسية التي حلت بهم .. وأن اطفالهم سيملؤون أخيراً بطونهم الخاوية .. بكيت معهم انكسارهم لحظة وصول الروزانا الملأى.. بالتفاح.. ظلوا جياعاً وكسد محصولهم من التفاح.. ومنع أصحاب المصالح تصديره.. فهربوه الى حلب تحت عناقيد العنب.. 
من يومها وسفينة "الروازنا" تعني الغربة، فقد كانت وسيلة نقل رئيسية لهجرة شبان بلاد الشام إلى الغرب وامريكا... ضمن دفقات هجرة من قبلها وبعدها هرباً من الحروب والمجاعات والفقر... 
مات كثيرون قبل أن يصلوا..ومن وصلوا نجحوا غالباً.. فأولاد بلادنا عموماً مشهود لهم بالكفاءة.. حتى ترأس أحفادهم بعض دول أمريكا أو مؤسساتها الضخمة..
أثمرت بذورهم في أرض الغرباء... وذبلت للأسف في أرضنا أشجارهم الأم....
من حنين الغربة وحرقة الأشواق وألم الفراق... ولدت مواويل "العتابا" و"الروزانا"، وتجذرت في لاوعينا، حتى صرنا "نشعرها" ولو لم نعرف بدقة معاني كلماتها..
دندنتها كأنني أستحضرهم... مجد وعدنان ورفاقهم ركاب "روزانات" الموت الذين يهربهم تجار البشر كل يوم عبر الجزائر وليبيا ومصر وتونس إلى سواحل أوروبا... في الحلق غصة مستقبلي ال" روزانا" قبل مئة سنة... مقرونة بالقهر والأسى بعد ما حل بمجد ورفاقه...
****
تابعت الضغط على مفتاح الحاسوب بتردد... كنت أقلب الصور المنشورة تحت عنوان: "الناجون من غرق مركب للمهاجرين السوريين غير الشرعيين في المياه الإقليمية الإيطالية". 24-8-2014 ".
هل نجوا؟ هل سأجد صورهم يحملون أرقاما كبقية الذين أُنقذوا من الغرق مساء البارحة ؟ غرق 150 شخص... معظمهم من السوريين.. 
يعلق "لا أحد" بغباء: " خبر جيد...نجا 350 منهم"... كم صارت حياتنا نحن السوريون رخيصة..
بكيت طويلا عندما عثرت على صورهم أخيراً... وجوههم متورمة من البكاء وساعات الانتظار في مياه البحر... قبل ان تنقذهم البوارج الإيطالية التي استنتجدوا بها...
أصدقاء الرحلة الستة بقي منهم أربعة... هاهي صور عدنان ومجد ورشا ومعاذ.. أما كنان وخالد وحيد أبويه، فما زالا في عداد المفقودين... حتى كتابة هذه السطور...
صبر الله أهاليهم...
*******
تصفعني الصورة تلو الأخرى.. طفل خائف... شابة زائغة العينين.. سيدة تبكي... رجل كسرته الصدمة.. شباب أرعبهم مرور الموت قربهم.. 
لدقائق أنسى أصدقائي الستة ... أتابع البحث لا أدري عن ماذا.. 
يغرق بعضي معهم.. وينجو بعضي معهم... 
الفكرة بحد ذاتها مرعبة ... أن تبحر في مركب وجهته واحدة من اثنتين لا ثالث لهما: الموت... او الحلم؟.. كيف يمكن لإنسان إن يصل إلى هذه المرحلة من أقاصي اليأس؟ حين يكون الاحتمال الاكبر هو الموت,,, ويصر مع ذلك على الإبحار مصطحباً معه الأقرب من أفراد عائلته.. فوق قوارب صيد مهترئة يملأها النخاسون بمئات الهاربين من الموت... يكدسونهم كالدواب مقابل حفنة أوراق نقدية عفنة.. وكي يزيدوا من أرباحهم القذرة يختارون لهم مراكب تالفة... ثم يدعونهم في عرض البحر.. بعد أن حشروهم بما يكفي لقلب المركب رأساً على عقب لو التقى الحظ العاثر بموجة متمردة.. 
ويمرون في اليوم التالي قرب الجثث التي لفظها البحر على الشاطئ بلا مبالاة.. إذ لا حساب ولا عقاب.. ويطعمون أولادهم بثمن أولادنا... 
الله يعلم كم ابتلع البحر منا منذ بداية الحرب قبل 42 شهراً حتى الآن... 
في أذني نداءات استغاثاتهم وعويل أهاليهم... 
******
رنين جوالي وعلى شاشته رقم هاتف إيطالي... ارتاح قلبي أخيراً... 
"نحن بخير الحمدلله ... غرقت سفينتنا ونجونا أنا ومعاذ ورشا وعدنان"... صمت دهراً قبل أن يضيف.. "كنان وخالد ما زالا مفقودين... مع حوالي 150 آخرين".
"أمضينا ثلاثة أيام بلياليها في البحر...غرقت كل أغراضنا.. نظارة رشا ضاعت وجواز سفرها.. لدي خلع في كتفي.. أوصلتنا بارجة حربية الى صقلية... مات الكثيرون... مات الكثيرون"... 
كان مجد يتكلم بسرعة وعصبية .. أشفقت على ابن العشرين مما شاهده من أهوال... في رحلة مرعبة رواها لي لاحقاً على الهاتف حين هدأ:
"غادرنا بيروت الى الجزائر.. وصلنا في التاسعة مساء.. كان المهربون في المطار يترقبون السوريين ويتضاربون عليهم كصيد ثمين... لكننا اتجهنا نحو الشخص الذي حمل يافطة عليها كلمة السر التي اتُفق عليها...
في فندق شعبي اجتمعنا بخلدون الذي تم الاتفاتق معه هاتفياً من لبنان قبل أسابيع، وهو أخو محمد الذي استقبلنا في المطار.. نمنا تلك الليلة كالقتلى رغم رداءة الفندق فقد كنا منهكين جسدياً وعاطفياً...
صباح اليوم التالي قابلنا خلدون في مقهى متواضع وسط مدينة الجزائر... وحول طاولة صغيرة معدنية.. ووسط أصوات تتعالى بعربية ممزوجة بالفرنسية ..بدأت المفاوضات على سعر "الحياة"... وهو أمر كان من المفروض أنه قد حُسم هاتفياً قبل المجيء.. لكننا الآن في مرماهم.. سيستنزفوننا حتى آخر قطرة ...
ودعنا خلدون بعد أن اتفقنا على السعر الذي سيقتسمه من سيساعدوننا في المراحل الثلاث الأولى للرحلة، قبل الوصول إلى حدود ليبيا .. 
"أما أنا" يقول خلدون "فلا أريد لي شيئاً..لأن السوريين إخواننا"... 
بدت نهاية غير مقنعة لتمثيلية هابطة.. وكانت الثانية بعد تمثيلية إقناع أخيه محمد بالهجرة معنا إلى أوروبا.. في محاولة لبث الطمأنينة في نفوسنا.. وددت اخباره قبل مغادرتنا انه ناجح كمهرب للبشر أكثر بكثير من ممثل.. 
"لا أخفيكم.. أنتم ذاهبون للموت"
قال العبارة وهو يغادر بسرعة كأننا غير معنيين بسماعها... ربما لتخدير ضميره وحسب...
*******
22 ساعة قضيناها في الباص القديم الذي سيحملنا إلى "وادي سوف"...
رحلة متعبة.. نتوقف كل بضعة ساعات لنترجل في استراحات بدائية.. ننام على أرض ممر الباص الوسخ.. بعد أن أعيانا النعاس..
أخيراً.. توقف الباص في ساحة كبيرة.. طُلب من النساء أن يضعن أحجبة.. 
اتصلنا هاتفياً بهواري الذي نقلنا بسيارته باتجاه الحدود الليبية.. أمام رتل من السيارات الأخرى، وعلى بعد نصف ساعة، وبعد أن قبض منا حصته، وضعنا في باص آخر باتجاه دبداب المحاذية للحدود الليبية..
تسع ساعات في طريق صحراوي قاس.. الباص كان مليئاً بعمال مصانع الغاز المتجهين أيضا إلى دبداب ومنها الى ان ميناس ... نمنا في مقاعدنا بعد صحو يوم كامل... ربما لتناسي العطش أيضاً.. 
فجأة.. رن جوال السائق.. وركن الباص جانبا ثم طلب منا النزول لركوب باص آخر.. كان يبدو أننا جزء من مساومة أو صفقة أخرى وأننا سنتحول إلى عهدة مهرب آخر.. إذاً.. لقد تم بيعنا..
كنا في منتصف الليل .. صعدنا الباص الآخر....الجملة الوحيدة التي نطقها سائق الباص الجديد كانت "أغلقوا ستائر النوافذ.. إياكم وفتحها"... 
بعد ربع ساعة توقفنا أمام حاجز قرب الحدود...
سأل الضابط الذي صعد الباص عن وجهتنا.. فاجأنا ارتباك السائق.. فالمفروض أن العملية مرتبة...
أنزلونا جميعاً ودونوا أسماءنا من جوازات السفر.. وطلبوا منا أن نرتد عائدين.. 
سألني الضابط وهو يقلب جواز سفري: لماذا تذهبون إلى دبداب؟
أجبت بارتباك: نريد أن نؤسس مشروعاً تجارياً هناك"
ضحك الضابط بصوت عال قبل أن يقول بما يشبه الشفقة:" دبداب صحراء ليس فيها كائن بشري واحد"..
على كل حال ... وجهة سوريين على حدود ليبيا في هذه الأيام... ليست أحجية..
استدار الباص عائداً.. وضج المكان باحتجاجات الركاب.. 
نعود ؟ بعد يومين من سفر مضني؟..
كان معنا عائلات .. نساء وأطفال ورجال.. من دمشق وحلب والرقة ومدن سورية أخرى.. كل بدأ يتصل بـ"بائعه".. أي بالمهرب الذي اتفق معه..
لم يتوقف جوال السائق عن الرنين..
انعطف الباص بنا فجأة عبر درب جانبي وعر... فقد قرر السائق تجاوز الحواجز بالالتفاف حولها.. كان الأمر مريباً، فلا بد أنهم يستطيعون رؤية كشافات الباص القوية من هذه المسافة القريبة... لا بد أنها مسرحية جديدة..
الباص يسير بنا وسط صحراء حالكة الظلام... بدا فجأة من بعيد باص متوقف.. وأجساد مرتمية على الأرض حوله.. توقفنا لنتبين الأمر.. كانت مجموعة أخرى من السوريين الهاربين أيضاً وقد انفجرت عجلة باصهم منذ أكثر من عشرين ساعة بسبب وعورة الطريق، ومازال المساكين بانتظار عجلة أخرى.. كان المشهد مؤلماً..نيام على رمل الصحراء.. عائلات بأكملها.. ثيابهم ووجوههم معفرة بالرمال... اليأس والحر والانتظار.. معاً.. تركيبة قاتلة..
أي لعنة فرعونية حلت بالسوريين وشردتهم في كل مكان؟.. 
وبعد أن أعطاهم سائقنا عجلة سليمة تبعونا.. في طريق بالغ الوعورة.. لمدة ساعات ثلاث قبل أن نصل بيتاً قديماً منعزلاً.. فيه مجموعة سورية أخرى..
أبلغونا أن صاحب البيت المهرب الليبي محمد صالح يرغب من كل منا بمبلغ إضافي كبير مقابل المأوى والطعام وعبور الحدود إلى ليبيا...
ماذا؟... ما زلنا في الجزائر؟... ولأن محمد صالح هذا كان يبدو رئيس عصابة مرعباً... ومن معه كانوا حتماً مجرمين... والأهم لأنه لم يكن لدينا خيار آخر.. فقد وافقنا..
بعدها طُلب منا أن نسير مشياً على الأقدام مسافة ثلاثة كيلومترات تقريباً محذّرين إيانا من إصدار أي أصوات.. كنا حوالي مئة شخص نمشي خلف رجل ليبي في درب وعرة ووسط ظلام لا يدع لك الفرصة للتمييز بين حصاة أو عقرب أو أفعى..
تحشرج صوت مجد وسمعت أنين بكاء مكتوم وهو يتابع: فكرت بأسى كما كان الجميع حولي يفكرون: ما الذي أتى بنا إلى هنا... أين أمي وبيتي وسريري؟"..
ربما مرت ساعة قبل أن نلمح ثلاث سيارات عالية، إحداهن مكشوفة من الخلف( بيك اب)
النساء ركبن السيارات المغلقة والرجال تكدسوا بشكل غير إنساني وقوفاً في خلفية السيارة المكشوفة..
بعد نصف ساعة عرفنا أننا أصبحنا في ليبيا، ووصلنا بيتاً منعزلاً وسط الصحراء. استقبلنا عمر شاب فارع القوام قاسي السمرة..في نهاية العشرينيات، قال أنه من الثوار واخوه قائد كتيبة ثوار أيضاً.. وكان مسلحاً كبقية زملائه..
قي البيت ثلاث عائلات سورية لم يتسع لها مكان في الدفعة التي سبقتنا، فانتظروا دفعتنا... يبدو أنه شريان متواصل من الهجرة السورية عبر هذا الطريق.. لأننا في اليوم الثاني والثالث استقبلنا دفعات جديدة من المهاجرين السوريين... 
البيت الصغير كان مقسوماً إلى فراغين.. غرفة كبيرة للنساء ومطبخ تجمع فيه الرجال.. وفي كل منها مكيّف قديم.. كان الأمر مقبولاً في البداية لكنه صار صعباً للغاية حين وصل عددنا إلى 170 تقريباً... فهمت أننا بالقرب من مدينة طينية قديمة تدعى غدامس، كان لها مجد ذات يوم قبل أن تتستر على عصابات تجارة البشر اليوم..
ألو ... ألو... مجد.. هل تسمعني؟..
انقطع الاتصال...
وبانتظار أن يعاود مجد الاتصال بي ليكمل بقية القصة.. فكرت.. ألم يكن من الأفضل لهم البقاء في الوطن رغم كل المخاطر والمآسي؟...
الطيب صالح في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" يقول بلسان "مصطفى"، الغريب الذي عاد للعيش في قرية "ود حامد" في السودان بعد أن جرب كل شيء في لندن: "سر الحياة السعيدة يكمن في بساطة العيش.. جدك يعرف.. وأنا مدان بطموحي لعيش حياة معقدة وملتوية",.. 
هززت رأسي بالنفي.. لا.. هذا لا ينطبق على مستقلّي "روزانات" الموت... هؤلاء لا يدفعهم طموح.. لا يُجبر السوري على الرحيل بسهولة... ارتباطه بما ومن حوله متيناً... لكن الخوف والحاجة وغول الحرب ... يضطرون الآلاف للفرار... بشكل شرعي أو غير شرعي.. بحثاً عن الحد الأدنى من الأمان والتعليم والطبابة والعمل .. خيار لا يحتمل التراجع .. البحر من أمامهم والبلد برمته يحترق من ورائهم.. لا يرحلون للأسف شامخي الرؤوس خلف التماع سيوف عالية تفتح الأندلس... ولا يحملون سلال البخور والقهوة ليسيطروا على تجارتها في العالم ... يرحلون كسيري الخواطر مفطوري القلب وقد انسلخ بعض ذواتهم وبقي هناك... في جحيم وطن لا يعرفون إن كانوا سيعودون إليه ذات عمر..
عار على العالم... 
إذا كان لا يتدخل لوقف حرب تدفع السوريين إلى البحر خارجها أو الى الجحيم داخلها.. فأضعف الإيمان أن لا يحاصر الهاربين منها...
اللعنة على كل السفارات التي صار مشهد طوابير ذل السوريين أمامها مألوفاً... اللعنة على السفارات العربية خاصة.. تلك التي أجبر إغلاق أبوابها أولادنا على المقامرة بأرواحهم ... مقابل ورقة إقامة تافهة ... يستبدلون بها جواز سفر صار للأسف دليل شبهة... ويقبلون أن يُحشروا في غرف لجوء حقيرة... ترمى لهم رواتب مهينة.. ليعملوا حصراً في أدنى وأشقّ الأعمال..
والأسوأ... عبارة تختم بها الوثيقة -الحلم: "ما عدا سورية"... راح الوطن..
******
في الأربعاء القادم يإذن الله... سأخبركم بالمزيد..
الأربعاء 10-9-2014
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: "روزانات" الموت... بقلم د. ريم عبد الغني Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للانباء-سـام
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً