728x90 AdSpace

5 سبتمبر 2014

موسم الهجرة إلى.. الهلاك

 بقلم د.م. ريم عبد الغني :
مجدعدنان رشا معاذ في الوسط... أنا وزوجي من الجانبين...  أتامل الصورة...  ابتسامات الأربعة متسعة... رسمها فرح حقيقي..
حقائب صغيرة فوق ظهورهم فيها قليل من الضروريات.. أحذية رياضية لسير رحلة طويلة متوقعة.. شلال شمس الصباح أم الإيمان بالآتي الجميل هو ما سكب في عيونهم ذاك البريق الملفت؟.. هو ما جمعهم هنا اليوم على كل حال...

محفظة تكاد تتسع لجواز سفر مشدودة بحزام حول وسط عدنان... ثلاثيني بارع في مجال الحاسوب... موهوب في مجال صناعة افلام الاطفال، تكاثف عمله حين بدأت سوريا تتسلق قمة الدراما والتلفزيونات العربية.... لكن كل شي انهار بمجيء الحرب... توقفت كل المشاريع.. وتفرقت الخبرات.. وهربت رؤوس الأموال.. ومعها أصدقاؤه الذين هاجروا.. شجعوه أن يبحر مثلهم غرباً..
سماعات موسيقى حول رقبة رشا.. ابنة السابعة والعشرين ترى الحياة القادمة بتفاؤل من خلال نظارتها الطبية.. تمنحها مظهراً اكثر جدية من حقيقتها.. فياضة بالامل والحماس... كان صعباً لخريجة الأدب الإنكليزي في ظروف الحرب أن تجد عملاً مناسباً في دمشق... وبعد خيبة أمل من تجربة عمل أشهر في قطر ... قررت أن تتجه غرباً...
معاذ أخوها الأصغر.. خريج اقتصاد.. شاب وسيم.. يرتدي نظارات طبية هو الآخر.. قامته الممشوقة لا تتناسب وبراءة وجهه..... قليل الكلام ... لكنني فهمت من رشا أنه قرر مرافقتها غربا، لا لأنه لم يجد عملاً في البلد فحسب .. بل خوفا من رصاصة طائشة أو وشاية مغرض أو قذيفة تناست هدفها...
مجد أصغرهم في العشرين ويريد أن يكون رجلا بسرعة... خريج المعهد الهندسي يجسد بساطة وطيبة أهل اللاذقية... ورغم أن الحرب لم تطل اللاذقية نظرياً بعد والحمدلله.. لكنها لا تمنحه الأمل بأي مستقبل يتيح له تكوين دعامة بيت او أسرة... خاصة وغلاء الحرب الفاحش ..أضف إلى أنه سيطلب قريباً للخدمة العسكرية وهو لا يريد أن يموت الآن ... والأهم أنه لا يريد أن يموت في حرب غبية لن تنتهي إلا فوق أنقاض سورية...إذاً.. مجد قرر أن ييمم شطر الغرب ايضاً..
يبدون سعداء كأطفال على وشك البدء بنزهة تمنوها طويلا..
ولكن .. إلى أين في الغرب؟..
يجيبني عدنان "أي مكان يقبل السوريين الهاربين من هول الحرب وما أكثرهم.. السويد.. الدانمارك.. هولندا.. المانيا.. أوغيرها.. من وصل هناك أخبرنا..
قالوا ستصلون وتخبرونهم كيف أتيتم وسيمنحونكم المأوى ورواتب شهرية في مجمعات متواضعة.. كلها بضعة اشهر.. ثم.. ستزهر الدنيا أمامكم... جوازات سفر اجنبية واقامات قد تعقبها جنسية غربية.. وعمل ..و..و.
أقاطعه بقلق ولكن.. الله اعلم كم يكون ذلك حقيقياً.. وكم نسبة من انطبق عليهم هذا ممن هاجروا ووصلوا أرض الميعاد...
ونسبة من" وصلوا" حقاً... ففي الطريق أهوال تبتلع كثير منهم ..
عدنان قائد الفريق الذي -بالإضافة لرشا ومعاذ ومجد-يضم اثنين آخرين كنان وعمر ينتظرونهم في مطار بيروت ليغادروا معاً... يتكلم بثقة وكأنها "نزهة بين أشجار الغوطة":
أخبرنا الوسطاء -والوسطاء هنا هم مهربو البشر- أن كل شيء مرتب ومدروس.. ولذا سنعطيهم المال الذي طلبوه..
سنستقل الطائرة أولا إلى الجزائر.. ما زالت الجزائر دون غيرها تسمح بدخول السوريين دون تأشيرات دخول وانتظار مذل امام السفارات... الشرط الوحيد أن تملك حداً معلوماً من المال وورقة تثبت حجز فندق ولو كان وهمياً ..
"ومن هناك سينقلوننا بباصات مريحة عبر صحراء ليبيا كي لا نعبر تونس التي لا تمنح تأشيراتها لنا.. ومن ميناء زوارة سنبحر فوق مركب إلى شواطئ ايطاليا الصليب الأحمر سينقلنا إلى ميلانو....
ومن هناك سيتجه كل منا إلى البلد الذي يريد...
سمعت جدتي رحمها الله تجيب بصوتي: "انشالله يجي حساب الحقل عحساب البيدر"
**************
نودعهم عند الباب...الله معكم.. لترافقكم السلامة...
رشا تحضنني بمحبة حقيقية... أشعر بنبضها موجات القلق ... يتولاني مزيج من الإعجاب بشجاعتها والخوف عليها والحسرة على بلدي الذي يفقد المزيد من أولاده كل يوم...
أشد على يد مجد اذكره ان لا ينقاد في طرق لا توصله الى حيث يأمل والديه الذين دفعا كل ما اقتصداه عشرين عاما.. ثمنا لعبوره الى البر الذي سيرمي منه اطواق النجاة لهما ولاخيه الاصغر..
امازح عدنان ان لا يدع شقراوات اوروبا ينسينه زوجته الصغيرة وابنه الذي لم يتجاوز العام وامه واخته .. رجا البيت ليس لهما سواه منذ توفي والده قبل سنوات..
معاذ انتبه على رشا... عدنان اوصيك بهم انت اكبرهم...
السيارة تغيب وراء الدموع.. قبل ابتعادها...
***
عبثاً احاول التركيز على الكتاب امامي..
لا تفارقني صور وجوههم... ترى أين وصلوا ؟؟ 
مضت أيام... أخيرا.. رسالة قصيرة على جوالي طمأنتني ...وصلوا الجزائر...وتحركوا نحو الصحراء الليبية خلسة...
يا لسخرية القدر... نحن؟ أبناء بلد رفض فرض تأشيرات دخول على أي عربي... فتح قلبه لكل العرب... نتحول إلى جرذان تتسلل خلسة عبر حدودهم؟ وليس للمأوى، بل للعبور فقط.. يا حسرتي..
أتصل بندى.. أم مجد.. لعل لديها اخباراً جديدة.. من بين شهقات بكائها أفهم أنها لم تعرف أكثر هي الأخرى ...
ماذا لو ابتلعتهم الصحراء أو قتلهم الحادي أو غرق بهم المركب ؟ لا 
لا...لا اريد أن أتخيلهم يموتون في ذروة الشباب بينما ينتهي ذووهم في قاع الحزن..
*****
الأربعاء القادم سأكمل لكم إن شاء الله بقية هذه القصة الحقيقية التي حدثت وقائعها قبل أيام.. وللأسف ما زالت تحدث كل يوم
الأربعاء 3-9-2014
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: موسم الهجرة إلى.. الهلاك Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للانباء-سـام
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً