-"كم المسافة التي تفصلنا عن شبام يا أبا حكيم؟".
يجيبني أبو حكيم، السائق اليمني الطيّب: "حوالي خمسين كيلو متر.. سنتّجه إلى الشمال الغربي من صنعاء.".
ها نحن داخل السيّارة السوداء العالية، أبو حكيم وفوزيّة وأنا، وفوزيّة هي السيّدة اليمنيّة اللطيفة التي تطوّعت لمرافقتي خلال زيارتي لليمن، وجهها المبتسم دائماً، الملوّح بسمرة خفيفة لا يشي بحقيقةٍ أنّها في نهاية عقدها الخامس، علّمتْها الحياة ما عوّضها عن عدم استكمالها التحصيل العلميّ.. وأهم ميزاتها بالنسبة لي أنّها صديقة صبور، لطيفة المعشر، تتفهم تَوْقي الشديد لرؤية كلّ ما في اليمن، وتجيب بصبر على أسئلتي التي لا تنتهي.
نحن الثلاثة إذاً في طريقنا من صنعاء إلى شِبام.. ولكنْ مهلاً.. في اليمن "شِبامات" عدّة.. مدن وقرى، وهذه ليست شِبام حضرموت التي سأحدّثكم عنها لاحقاً.. بل شِبام أخرى.. شِبام كوكبان (أو شبام أقيان أو حِمْيَر).
وربّما كانت أوجه الشبه بين الشبامين هو سبب تطابق تسميتهما، فكلتاهما تزهوان بأبنيتهما العالية منذ مئات السنين.. وإن كانت شبام كوكبان مبنيّة من الطين المشوي (الآجر).. في حين شُيدت شبام بالطين المجفف بأشعّة الشمس (اللَّبِن) في وادي حضرموت.
بُنيت شبام حضرموت على تلّة وسط وادي حضرموت، واختارت شبام كوكبان بدورها حضن جبل (كوكبان) من حيث تطلّ على واديي النعيم والأهجر.. ربضتْ هناك منذ زمن طويل.. ربّما منذ القرن السابع قبل الميلاد كما تشير النقوش المدوّنة بخطّ المسند.
يتلوّى الطريق وسط هضاب عالية، أعلاها -وأعلى جبال الجزيرة العربيّة قاطبة- جبل النبي شعيب، كتلها الضخمة تمنحني شعوراً بأنني في عالم أسطوريّ أُحكمت تفاصيله بُغية الإبهار، نخترق السهول والمدرّجات البديعة التي نحتها اليمنيون على سفوح الجبال بمهارة ودأب مذهلين، فكّرتُ أنّ النقوش "افترشت" كلّ شيء في هذه البلاد. يبدو أنّ النقش هواية يمنيّة يمارسها الجميع بمهارة هنا.. حتى الطبيعة، يوحي لي بذلك الجبل الضخم الذي مررنا به والذي حفرتْ الطبيعة الثقوب والفتحات على وجهه وسُمّي لذلك ب"المنقّب".
عند مفترق الطرق، نتجاوز يافطة كُتب عليها: "حبابة-ثُلا"، عرفت من فوزيّة أنّ الأولى يشتهر أهلها بالتجارة، أمّا بلدة ثلا فهي مشهورة بحصنها القديم، للأسف لن يكون لدينا الوقت اليوم لزيارة أيّ منهما على كلّ حال.
******
أخيراً... بدتْ شبام كوكبان أو «يحبس» -اسمها الحميريّ القديم- متألّقة كعقد على جيد جبل كوكبان، ملامحها مازالتْ تحكي بقايا مجدها يوم كانت ”شبام يعفر" عاصمةً لدولة "آل يعفر" الحميريين قبل عشرة قرون، أمّا قمّة الجبل فتحتلّها مدينة "كوكبان" منبع الفن والشعر والأدب.
واليمنيّون -بالمناسبة- اعتادوا أن يبنوا في أعلى الجبال، لأسباب دفاعيّة ونفسيّة أيضاً وربّما توفيراً لمساحة الأرض الصالحة للزراعة، قرىً يُبدع الشاعر السوريّ سليمان العيسى -الذي عاش سنوات طويلة في اليمن وعشقها– حين يُصوّرها ب"أعشاش النسور"...
*****
تجتاز بنا السيّارة بوّابة سور البلدة... فعلى الرغم من أنّ موقع شبام كوكبان محصّن تحصيناً طبيعيّاً, أضاف عليها (آل يعفر) مزيداً من التحصينات الدفاعيّة كالأسوار إلى جانب القصور والمساجد والحمّام القديم والسوق الذي نخترقه مارّين أمام "السمسرة" القديمة، قبل أن تشير "فوزيّة" بيدها تلفت انتباهي إلى الجامع الكبير الذي يرجع للقرون الأولى للهجرة، المُحتفظ منذ اليعفريين وحتّى اليوم بعناصره المعماريّة وزخارفه الجميلة المنقوشة على خشب مصندقات سقفه.
أكثر من ستة آلاف شخص يسكنون هذه البيوت التي تحمل بعض أحجارها الضخمة نقوشاً قديمة، فوزيّة تقول: إنّ معظم بيوت بلدتي شبام وكوكبان بطرازها المعماريّ المميز قد بُنيت بأحجار جُلبت من المعبدين القديمين أعلى الجبل, وتسوق برهانها: "لذلك تلحظين تباين أحجار المباني مابين حجارة أثرية وأخرى منحوتة حديثاً".
في أعلى الجبل وقفتْ بنا السيّارة... ترجّلنا, ندع لعيوننا أن تؤدي صلاتها في تأمل المنظر الساحر.. الجبال الشاهقة والوديان السحيقة..
تمنيتُ لو كان لدينا الوقت لزيارة محافظة "المحويت" كلّها وقد سمعتُ مراراً عن طبيعتها الخلّابة، وها هو الدليل أمام عيني على مشارف مدخلها الشرقي تقريباً.
على اليمين أعلى جبل اللو (أو ذخار) المواجه، بدتْ بلدة كوكبان فوق سلسلة من المدرّجات الخضراء، أسفلها المشهد الفريد لكهوف المقابر التي نُحتت في الصخور، تابعتُ ببصري الطريق المتعرّجة الصاعدة إلى القمّة.. على هذه الدرب طالما حجّ سكّان المدينة إلى حيث كان هناك يوماً –كما تشير النقوش- المعبدان الكبيران للآلهين «المقة» و«عثتر» ، وحيث يوجد اليوم بوّابة مدينة كوكبان.
*****
ها أنذا أُطلّ على العالم من فوق ارتفاع 2450م تقريباً عن سطح البحر، أثارتني الفكرة...
المشهد لوحة فائقة،الجمال بألوانها وتفاصيلها ومقاييسها العملاقة.. هنا تتجلى الحقيقة بخلودها وعظمتها.. الآن أدرك لماذا أفرزتْ هذه المنطقة الشعراء والفنانين... مشاهد كفيلة بانطاق الحجر, فما بالك باليمنيين وهم "أرقّ قلوبأ وألين أفئدة"؟!. لا أدري لماذا تواردتْ إلى ذهني فجأة أغنية حفظتها قديماً، سيطرتْ عليّ "سائليني يا شآم" بإلحاح، فاستسمحتُ فيروزيّة الصوت والشاعر سعيد عقل وأنا أردد بخشوع -بعد تحريف يتناسب واللوحة التي وجدتني داخلها- "وأين في غير "شبام" يُطرب الحجر".
كي أحتفظ بكل هذا السحر... أضبط آلة التصوير استعداداً لالتقاط بعض الصور.. ينتشلني من أفكاري الشاعريّة صوت أبو حكيم يشرح بحماس: "سقط أكثر من زائر من هنا ولاقوا حتفهم!" يقولها مبتسماً ويتطاول بعنقه لينظر بفضول إلى هاوية الوادي السحيق تحت أقدامنا.. كأنّه يبحث عن بقايا هؤلاء المساكين.
لا حول ولا قوّة إلّا بالله... سامحك الله يا "أبو حكيم".. أفسدت عليّ جمال اللحظة، عبثاً أحاول التركيز مجدداً على آلة التصوير واستعادة تسلسل أفكاري.. فالفكرة أقلقتني.. شعرتُ بالدوار وهربتُ إلى السيّارة.
*****
في طريق العودة إلى صنعاء.. المشهد الرائع لغروب الشمس بين التلال، اللون الأرجواني أضفى على كلّ شيء مسحة جمال هادئة، السيّارة تدور وتدور، تنزل ودياناً تبدو بلا قاع، فتبتعد القرى التي تربض فوق القمم لتزداد شموخاً ومنعة، تذكّرتُ مقولة الكاتب المصري فهمي هويدي: "تتناثر القرى اليمنيّة فوق قمم الجبال في تكوينات لا يمكن لأحد أن يتصوّر أنها من صنع البشر, لا في الجمال, ولا في الموقع، ويدهشك, كيف حمل اليمني بجسده النحيل وسيقانه الرفيعة كتل الحجر إلى ارتفاع ثلاثة آلاف متر فوق سطح الأرض, لا ليبني قصراً أو معبداً, ولكن ليُنشئ قرية بأكملها, بل عديداً من القرى، ولا يكتفي بذلك, بل يعمد إلى تزيين واجهات بيوت تلك القرى بالأحزمة والحجارة الملوّنة, وعقود الزجاج المعشّق!".
عمارة اليمنيّ صورة روحه.. تشبهه.. تعكس كبرياءه وشموخه، تشفّ عن حسّه الدفاعي المتوقّد دائماً نتيجة ظروفه التاريخية.. تجسّد قوّته وعناده.. وفي ذات الوقت تشي بطوفان الحنان والرقّة الكامنتين في أعماقه، يبثّهما في تفاصيل مُبدعة ينقشها على وجه عمارة تبدو مثله: قاسية في خطوطها الرئيسة... مُرهفة في دقائق حناياها.
