728x90 AdSpace

26 يونيو 2014

من كتاب"في ظلال بلقيس" د.ريم عبد الغني "على آخر نفس"

بقلم د.ريم عبد الغني

حينما وصلنا الفندق كان علينا أن نرتّب حاجاتنا وننام, ولا أظنني نمتُ تلك الليلة. 
كانت الفكرة تثيرني وتتعبني.. أنا في صنعاء القديمة القديمة.. أريدها كلّها.. كظمآن في صحراء على مشارف واحة.
من نافذة الفندق تبدو صنعاء القديمة حلماً، تستلقي هنا، منذ سبأ قبل آلاف الأعوام، بل منذ بناها -كما يُقال- سام بن النبي نوح. 
وصنعاء.. أو "أزال" ¬-وكلاهما بمعنى الحصينة المنيعة ¬¬- متحف بحجم مدينة.. مجسّم عملاق يشبه المجسمات الجصيّة الصغيرة لعمارتها العجيبة التي طالما فرحتُ بها مختبئة بين أكياس الزبيب واللوز وأطواق العقيق اليماني وعلب العسل وهدايا القادمين من اليمن.
كانت الفكرة التي أرّقتني من "أين أبدأ"؟، وكيف أستطيع أن أرى كلّ شيء في بضعة أيام ؟.
أذان الفجر.. بداية يوم جديد.
حينما طلع الصباح أخيراً, كنتُ قد وجدت الجواب: سأبدأ من خارجها حتّى أصل قلبها، كي أستوعب -تدريجيّاً- جمالها.
من خارجها أي من قصر دار الحجر وشبام كوكبان.. وقبلهما من فوق جبل "عصر".
***************
المعماريّ -بشكل خاص- لا يستطيع التفاهم مع مدينة لم يرَ مخططاتها أو صورتها الجويّة.. ما لمْ يُشرف عليها من علو.. كان لا بدّ إذاً من صعود جبل "عصر" الذي يحتضن صنعاء من غربها، لأراها ككل فأفهمها.. كما أحتوي دمشق كلّها وأفهمها أكثر من فوق جبل" قاسيون".
ومنظر صنعاء من الأعلى مختلف.. مخطوط فريد لكاتب خلّاق عاشق للتفاصيل.
من عليائها.. تطلّ صنعاء بكبرياء على الهضاب والجبال.. مرآة لمبدعها... ممتلئة بذاتها.. متميزة عن قريناتها.. السهل الممتنع.. إذ يعسر اختراقها، لكنّك تمتلكها حين تُجيد قراءتها.
من هذا المكان مارستُ متعتي كمعماريّة في استشفاف خطوط وجه المدينة، حاولتُ أن أرسم بذهني الملامح العامّة لشخصيّتها، وهذا ما لا أقرّ عيناً في أيّ مدينة أزورها حتّى أفعله.. أحببت نسيجها المتلاحم الحميم كمعظم المدن العربيّة القديمة، ولفت نظري تخلله بفراغات واضحة بعضها خضراء وبعضها ساحات.
أما البساتين الخضراء فقد عرفتُ لاحقاً أنّها "مقاشم" المساجد التي تمدّها بمياه الآبار، وتستوعب تصريف مياهها، وغالباً ما تضمّ أشجاراً مثمرة كالتين والمشمش وأنواع الخضار التي يستفيد منها سكان الحارة المحيطة بالمسجد، رئات للأحياء الصنعانيّة المكتظة، يمتّع الجالسون في "المفارج" بطبيعتها الخضراء أنظارهم.
أمّا الساحات فتتوسط الأحياء، والساحة أو "الصرحة” أو "الرحبة" تسمّى عادة باسم الحيّ أو حارته الكبرى، وهي ميدان اجتماع الأهالي للتشاور وحل المشاكل، ومكان زفّة العريس وبداية تشييع الجنائز ومحط الأحمال عن الدواب، وساحة لعب الأطفال، وتجمّعات الأعياد والمناسبات.. وهي كذلك ميدان لترويض الخيول الصغيرة وتعفير الحمير، وتجميع الماعز قبل سراحها إلى المراعي خارج المدينة.
نتمهّل، في نزولنا من الجبل، لقراءة الفاتحة أمام صرح الشهيد المصريّ الذي بُني تخليداً لمئات من شهداء الجيش المصري الذين حاربوا في اليمن إلى جانب الجمهوريّة في حربها ضد الإمامة في بداية ستينيّات القرن العشرين .
وعالياً فوق "عصر" أيضاً شُيّد النصب الصيني تكريماً للكثير من مهندسيهم وعمّالهم الذين قضوا في اليمن، والصينيون-بالمناسبة- هم أبطال شقّ الطرق في هذا البلد ذي التضاريس الوعرة، أبتسم وقد توارد إلى خاطري ما رواه لي صديق يمنيّ حول مهندس صينيّ عمل لفترة طويلة في مشاريع البُنى التحتيّة في اليمن.. كان "شانغ" المهذّب يردّ دائماً على عبارات التقدير اليمنيّة بقوله "نحن "نتألّم" منكم" وهو يقصد "نحن "نتعلم" منكم"، لأنّه -كصينيّ- لم يكنْ قادراً بالطبع على نطق حرف العين .. وبعد أن خبرتُ بنفسي بعض تلك الطرقات الضيّقة المعلّقة على أطراف الجبال اليمنية الشاهقة حيث لا تكاد تجرؤ على النظر إلى الأسفل.. فأنا شخصيّاً أميل إلى الاعتقاد أنّ شانغ وزملاءه ربّما كانوا يقصدون المعنيين معاً.. ويستحقّون منّا أن نترحّم على أرواحهم.. 
***************
اختطّتْ صنعاء لنفسها، أسوة بكثير من المدن الكبيرة، طريقاً عريضةً تحيط بها دائرياً، سواراً يسهّل على الناس التنقّل بين أطرافها دون ولوج قلبها المزدحم، نستقلّه اليوم في مشوارنا إلى قصر دار الحجر على بعد 14 كم شمالي غرب صنعاء.
قصر أُشيد –منذ ثلاثمئة سنة- على صخرة جرانيتيّة ضخمة (ولذلك سمي بدار الحجر) في سفح "وادي ضهر" حيث تلتقي السيول؛ لتخلق واحة خضراء تزيّنها بساتين الفاكهة، ولاسيما الرمّان والأعناب, وتجري من تحتها الجداول والسواقي، والوادي -الذي اصطفاه الملوك والحكّام منذ القدم منتجعاً لما يتمتع به من جمال وتنوّع طبيعي- عرف الكثير من القصور التي بناها حكّام اليمن المتعاقبون . 
يتدرّج قصر دار الحجر بأدواره السبعة متناغماً مع تكوين الصخرة الطبيعيّ، بين جنباتها نُحتتْ حجراته الـ35 بنقوشها البديعة وزخارفها الملوّنة، وفي أعماقها حُفرت المخازن الأرضية والدهاليز المزدانة بالأعمدة والعقود الحجريّة، وكذلك الأدراج المتعددة ببراعة ودقّة وإتقان يدعو للعجب..
وفي "المفرج" البهو الواسع.. بسقفه العالي الذي زيّنت إطاره الزخرفة الجصّية المُتقنة، حيث اعتاد الإمام أن يجلس وضيوفه ليطلّوا من النوافذ الواسعة على الأحواض المائية المدرّجة المبنيّة بإحكام هندسي من صخور "الحبش الأسود"، وما تحتها من مساحات خضراء شاسعة تذيّل رداء الصخرة العملاقة، هناك.. جلستُ مبهورة أتأمّل كيف تخلّد العمارة تاريخ الحكّام والملوك والشعوب، وتعكس مفاهيم وقيم عصورهم, فيذهبون وتبقى أصدق ما يعبر عنهم، على رأي الصنوبري : 
منازلُ قومٍ حدّثتنا حديثهم ولم أرَ أحلى من حديث المنازل.
في أواخر القرن الثامن عشر الميلاديّ، وبأمر من ملك اليمن حينها الإمام المنصور علي بن العباس، قام المعماري والفلكي والشاعر "علي بن صالح" بتصميم دار الحجر -أو قصر الرمّان كما يدعونه- على أنقاض معبد قديم، ومن يومها يُحيك اليمنيون حول هذا القصر الضخم الذي طالما صمد في حالات الطوارئ بما فيه من آبار ومخازن مؤن تؤهله للاكتفاء الذاتي- عديداً من الخرافات ، ويُطلقون عليه اسم "قصر العجائب"، معتبرين أولى أعاجيبه الكثيرة موقعه المحصّن وبوّابته الكبيرة بشجرتها الوارفة "التالوقة" المنتصبة على يمينها منذ أكثر من 700 عام. 
أما أنا فأضع في مقدّمة أعاجيبه سحره وجاذبيته التي تُغري السيّاح، فتقنعهم بالإقدام على تسلّق كلّ تلك السلالم الحجرية المتعرجة اللامتناهية من أسفل المبنى المدهش إلى أعلاه بحماس وإقدام، وكم أسعدني أنّ نزولها لم يحمل مشقّة الصعود.. فالحق -لا أُخفيكم- أنّي كنتُ قد وصلتُ أعلى القصر "على آخر نفس"...
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: من كتاب"في ظلال بلقيس" د.ريم عبد الغني "على آخر نفس" Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للانباء-سـام
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً