بقلم / ماجدى البسيونى
رئيس تحرير جريدة العربى
يكتب
قراءة لخريطة السيسى ..حمدين
** عبد الناصر والإخوان
هل تشهد مصر الاثنين والثلاثاء القادمين 26 ، 27 مايو الهدير البشرى الخامس على مدار العام الذى بدأ الأول منه فى 30 من نفس الشهر العام المنصرم عندما خرج ما يزيد عن 33 مليون مصرى حسب التقدير المحلي والدولي استجابة لـ "تمرد" الشعب المصرى من أقصاه إلى أقصاه على حكم "الإخوان المسلمين" بعد تصدرهم المشهد لمدة عام ومحاولاتهم الحثيثة فى الإسراع للتمكين من كافة مفاصل الدولة المصرية ليأتى الهدير الثانى بعد مرور 48 ساعة فقط وهى المدة التى خرج القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ـ وقتها ـ عبد الفتاح السيسى ليمنحها للشعب و"للرئيس"محمد مرسى للاستجابة لمطالب الشعب والتى حددت بـ انتخابات رئاسية مبكرة، ليصر الأخير على رفضها جملة وتفصيلا فكان ما كان،ليأتى الهدير الثالث الذى فاق الحد عندما طالب نفس الفريق أول عبد الفتاح السيسى فى 24 من نفس الشهر يوليو 2013،بتفويض الشعب له تحديدا باعتباره القائد العام للقوات المسلحة للقضاء على الإرهاب والتصدى للمخططات التى تكشفت ابعادها فيما بعد ليأتى الهدير الرابع عندما خرج ما يزيد عن عشرين مليون مصرى للاستفتاء على الدستور الجديد بنسبة تزيد عن 98 فى المائة من عدد المصوتين ورفض أقل من 2 فى المائة وهو مالم يحدث من قبل.
اليوم يترقب الجميع حجم المشاركة التى سيسجلها الشعب المصرى فى الساعات القادمة وسط توقعات بأنها ستتفوق عن سابقتها فى انتخابات الرئاسة السابقة والتى بلغ عدد المتنافسين فيها لسبعة بينما هذه المرة لايوجد داخل الحلبة سوى اثنين هما عبد الفتاح السيسى الذى حصل 93و39 فى المائة من عدد أصوات المصريين المصوتين بالخارج والتى فاقت عدد المصوتين فى الإنتخابات الرئاسية السابقة بينما جائت نسبة حمدين صباحى5و41 فى المائة.
لم يكن لأحد أن يتنبأ فى انتخابات الرئاسة السابقة من سيفوز بها سواء فى الجولة الأولى التى حصل فيها حمدين صباحى على المركز الثالث بما يقرب من خمسة ملايين صوتا أو فى جولة الإعادة ـ التى وصفت وقتها بأنها بين سيئين ـ وحتى لحظة اعلان النتائج بفوز "محمد مرسى" على "أحمد شفيق"والتى مازالت حتى الآن مطعون فى صحتها أمام القضاء المصرى.
اليوم ومنذ لحظة إعلان المشير عبد الفتاح السيسى سواء أكان تحت ضغط الملايين أو بموافقته شخصيا بما حققه من رصيد شعبوى على مدى عام كامل جاءت التوقعات من كافة مراكز الرصد سواء بالداخل أو بالخارج تؤكد على فوزه لكن مجرد الفوز ـ على مايبدوـ غير كافى أذا لم يأت بنفس النسبة التى نالها بأصوات المصريين بالخارج أو قريبة منها.
** السيسى / حمدين عبد الناصر..الإخوان
ظلت الجماهير المصرية التى خرجت منذ 25 يناير 2011 وحتى اللحظة تؤكد على مطالبها التى أخفق حكم الإخوان فى تلبيتها وهى ( عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة وطنية ـ استقلال وطنى)كانت ولا زالت هذه المطالب بمثابة مبادئ ـ الحالة الثورية ـ التى عاشها الشارع المصرى فكان هذا هو السر وراء رفع صور الزعيم جمال عبد الناصر والتى سجلت المطابع المصرية طباعتها على مدى السنوات الأربعة الماضية مالم تطبعها فى تاريخ المطابع حتى وقت وجود الزعيم نفسه.
أدرك المصريون أو الغالبية العظمى منهم أن جمال عبد الناصر هو من تبنى هذه المبادئ ولهذا رفعوا "الصورة" كرمز لمطالبهم ،ولهذا أيضا سخروا من "مرسى الاخوانى" عندما وقف بعد اعلان النتيجة بفوزة بيومين وقبل أن يقسم اليمين الدستورى عندما قال مستهجنا "الستينات وما أدراك ما الستينات"
منذ وقوف حمدين صباحى بجانب عبد المنعم ابو الفتوح فى مواجهة أنورالسادات ذاع نجم صباحى كناصرى ولم يك قد مضى عن تخرجهما من الجامعة أقل من عام واحد فقط واستمر حمدين على هذا الحال كواحد من بين عشرات إن لم يك مئات القيادات والأطر الناصرية المفتتة والمتصارعة أحيانا والملتئمة رغم الجراح أحيانا أخرى عندما تلم بمصر أو الأقطار العربية الشدائد وما أكثرها.. اللافت للنظر أن حمدين صباحى كان يسعى منذ البداية لتكوين نموزج خاص به هو رافضا أن يكون واحدا بجانب المئات الملتفة حول رجال عبد الناصر اتضح هذا جليا عندما فشل فى نازعهم على رئاسة الحزب الحزب الناصرى الأول فى مصر (الحزب العربى الديمقراطى الناصرى)قبل منتصف التسعينيات من القرن الفائت ليبتعد مع نفر من رفاق الجامعة ملوحا لبعض الأنظمة العربية وقتها بأنه حامى اللواء الناصرى دون غيره وقت أن كان جواز المرور لقلوب ملاين العرب أن ترفع مجرد لافتة الناصرية.
ابتدع حمدين صباحى مايسمى بـ الوطنية الجامعة مؤكدا فى برنامج وضعه لتكوين حزب الكرامة كأنه كان يأمل أن يستوعب الإخوان المسلمين بداخله وهذا ما اتضح فيما بعد عندما خرج على الملأ ليقدم "اعتذارا" للإخوان عما أصابهم ابان حكم الزعيم جمال عبد الناصر فكانت بمثابة طعنة لجل الناصريين وعلى وجه التحديد أبناء جمال عبد الناصر نفسه لتخرج د.هدى عبد الناصر تعلن فى مقال لها بجريدة الأهرام المصرية "اخلع رداء أبى يا حمدين"
لكن عملا بالمثل المصرى القائل "حبيبك يقرقش لك الظلط ..."وقف الناصريون بجانب حمدين فى معركة الرئاسة الماضية وفى المقدمة منهم أغلب أبناء الزعيم ومحبيه ليعود بعدها وتحديدا فى انتخابات مجلس الشعب السابقة ليتحالف ثانية مع حزب الحرية والعدالة الزراع اليمن للاخوان ليفوز رفقاءه بـ 6 مقاعد أهمها مقعد رئاسة لجنة الشئون العربية "د.محمد السعيد ادريس"ليخرج من بين يديه أبشع ما يمكن أن يخطوه ناصرى فى بيان يثمن مايقوم به "الثوار" فى سورية ويدين أى مواجهة لهم كأنها الثمن للمقاعد الستة داخل مجلس يهيمن عليه الاخوان ولكن لاضير فى هذا فما نطق به رئيس لجنة الشؤون الخارجية هو نفسه كان رأى حمدين صباحى فيما يحدث بآخر معاقل القومية العربية ،.ليسجل بهذا الموقف الثالث ونقيضه بعد موقفه المتناقض سواء مع صدام حسين وكذا معمر القذافى.
الأغرب من كل هذا أن يختار حمدين صباحى اليوم كبير مستشارى حملته الانتخابية د.وحيد عبد المجيد "الوفدى"أعدى أعداء الناصرية .
كل هذا دفع مايزيد عن 90 فى المائة من الاحزاب والشخصيات الناصرية سواء داخل مصر أو خارجها بالوقوف مع منافسه وليس الصمت ولا "قرقشة" الظلط.
على الجانب الآخر لم يخرج عبد الفتاح السيسى ليعلن أنه ناصرى بل الشارع المصرى نفسه الذى رفع صورة عبد الناصر هو من شبهه بجمال عبد الناصر فى مواقفه سواء بتحديه ومواجهته للإخوان او بل والأهم من هذا عدم الإزعان لمطالب الأمريكان رغم تحديهم له سواء المواقف أو تصريحات الادارة الأمريكية وعلى وجه الخصوص أوباما نفسه عندما قال :لن نتعامل مع قيادة الجيش المصرى..عبد الفتاح السيسى لم يترك مناسبة ناصرية الا وشارك فيها وعندما سؤل عن سر مقارنة الناس له بعبد الناصر لم يقل سوى : أين أنا من جمال عبد الناصر.. وفى اشارة واضحة منه وصف ما يعانيه الشعب المصرى كان بسبب السياسات التى طبقت على مدى الـ 40 سنة الماضية ،واصفا الستينات بالزمن الجميل وزمن الانتماء للوطن لكل هذا سارع نحوه أغلب الناصريين والقوميين سواء داخل مصر أو خارجها وفى المقدمة منهم أبناء عبد الناصر نفسه وهذا ما نراه لدى كافة أبناء الشعب العربى رغم التخوفات المشروعة .
السيسى / حمدين والجيش
لم يخدم حمدين صباحى لكونه الذكر الوحيد لوالديه بالجيش المصرى ونال الإعفاء حسب قانون التجنيد ،لكن على مايبدوا أن الأمر أختلط عليه وعلى واحد من أهم شركاء النضال معه "أمين اسكندر" حين خرجا فى مسيرة بالذكرى الأولى من "ثورة"25 يناير بهتاف "يسقط يسقط حكم العسكر"..وفى نفس العام وداخل كاتدرائية العباسية وما تعنيه من تراث ناصرى صاح بعضا من مؤيدى حمدين لمجرد أن مكان جلوسه بالاحتفال جاء بالصف الثانى "يسقط يسقط حكم العسكر" لمجرد ان شاهدوا قيادات المجلس العسكرى يتصدر الصفوف الأمامية ،لحظتها تدخل "أمين اسكندر" القبطى مع أحد قيادات الكاتدرائية لفك الإشتباك.
الأستاذ محمد حسنين هيكل بما له من مرجعية لدى "الناصريين"نقل فى أكثر من لقاء مدى تأثر قيادات الجيش المصرى بما كان يردده البعض بـ "يسقط يسقط حكم العسكر " شارحا بأن مفهوم "العسكر"كما تم تثبيته عن قصد من قبل جهات بعينها لا ينطبق ولا يصح أن يطلق على الجيش الوطنى المصرى الذى سبق وأن قام بثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر.
لكن الثابت أن حمدين صباحى رفض التوقيع على استمارة تمرد حسبما أعلن المنسق العام للحركة "محمود بدر" مضيفا فى مداخلة على الهواء بإحدى الفضائيات: "..لم يوقع حمدين إلا بعد أن انتشرت الحملة وأصبح عدد الموقعين عليها بالملايين ،يومها استدعى الكاميرات لتسجيل توقيعه..وهو الذى سبق ورفض التوقيع أثناء إحتفال بقرية كمشيش فى حضور شاهندة مقلد وممدوح حمزة "..حمدين نفسه أعترض على عزل مرسى بدعوى أنه رئيس منتخب متناسيا أن مايزيد عن 33 مليونا هم من خرجوا مطالبين بـ "ارحل".
ورغم كل هذه عاد حمدين ليثنى على الدور الذى قام به الفريق أول عبد الفتاح السيسى فى تخليص البلاد من حكم الاخوان متناسيا أنه سبق وذهب لمقر أقامة مرسى بالقصر الجمهورى ليقول له "وحشنى كتير ياريس"
ما أن خرجت الجماهير المصرية تطالب المشير عبد الفتاح السيسى بضرورة الترشح لرئاسة الجمهورية تحول خطاب حمدين صباحى من الاطراء على الدور التاريخى الذى قام به السيسى ،وقتها وفى محاولة استجلاب الحنكة أعلن صباحى :أنه لن يخوض انتخابات الرئاسة أذا ما قرر عبد الفتاح السيسى الترشح بما يملكه من حب الشعب له ..حتى وصل الأمر الى التصريح بضرورة أن يلتزم السيسى بما سبق وأعلنه من أنه لا يسعى للترشح حتى وصل صباحى ردا على اصرار الجماهير بإعلانه "أن الجيش يحمى ولا يحكم" فى محاولة منه لاثناء السيسى الا يقدم على الترشح.
ردا على تنامى الاصرار الشعبى بضرورة أن يعلن السيسى ترشحه وفى محاولة أخيرة من صباحى كان رده عندما خرج عليه بعض شباب "تياره الشعبى "يرددون :يا حمدين قول الحق ..انت خايف ولا لأ" فما كان منه إلا أن يعلن بعنترية أنه لم يسبق له أن خاف ولا يحزنون ولهذا ـ على حد رده ـ أعلن عن ترشحه لانتخابات الرئاسة .
منذ تلك اللحظة وكان الخطاب "الحمدينى "متمركزا على دفع السيسى لتلبية تنامى مطالبته بضرورة الترشح لمجابهة الحملة الأمريكية المتحالفة مع "الاخوان" فى وصف ماحدث فى مصر ضدهم بأنه إنقلاب وليس مطلبا شعبيا لم يسجل مثله بالحجم البشرى فى التاريخ الهم بخروج الشعب الإيرانى رافضا الحكم الشاه هنشاه البهلوى ومستقبلا الامام الخومينى.
"الجيش يحمى ولا يحكم .. ضرورة مناقشة ميزانية الجيش ..لايجب أن يكون الجيش قويا فى بلد ضعيف"هكذا عبر حمدين صباحى فى لقاءاته الشعبية والمتلفزة ،فى حين كان يصر عبد الفتاح السيسى على أن يصمت أذا ما طرح عليه سؤال يخص الجيش المصرى أو اتفلقيات الجيش المصرى مع الجانب الروسى لكنه سرعان مايخرج عن هدوءه المألوف أذا ما أصر المحاور على وصف الجيش المصرى بالعسكر .
لم يستكن حمدين صباحى فى محاولة منه على كسب ولو جولة فى مواجهة السيسى فذهب إلى تريديد مقولة أنه فى الوقت الذى كان يعارض حكم مرسى ـ متى واين ـ كان السيسى يؤدى التحية له ،الا ان الرد كان قاسيا حين جاء بسؤال من عشرات المحللين مفاده :وهل لو تحاف السيسى مع مرسى فى مجابهة الشعب ،كانت مصر كما هى الآن ..الا أن السيسى رد عابرا على هذا حين قال:من يقول هذا لا يعى أدبيات الجيش المصرى.
الجيش المصرى لدى عبد الفتاح السيسى وجد ليحمى مصر وحدود مصر ولهذا رفض أن يلبى دعوة "مرسى"عندما دعا أمير قطر من داخل قاعات الامانة العامة للأمم المتحدة بتكوين جيش عربى لمحاربة سورية والوقوف بجانب "المحاربين "ضد الدولة السورية وترحيب مرسى بهذا..الجيش المصرى هو من يدافع عن الأمن القومى المصرى ، الا أن المؤكد أن هناك خبايا لم يفصح عنها السيسى رغم أن اعلنها من قبل الرئيس بشار الأسد فى لقاء مع "غسان بن جدو"بقناة الميادين حين قال على اله واء بأن هناك تنسيقا مع الأجهزة السيادية المصرية" كأنه "بشار"كان يحاكى الزعيم جمال عبد الناصر حين أثنى على الدور الذى يقوم به الجيش العربى الأول فى مجابهة الجيش الصهيونى.
** حممدين / السيسى فلسطين
سئل حمدين صباحى تو اعلان نيته على ترشيح نفسه رئيسا لمصر عن موقفه من اتفاقية كامب ديفيد وهى التى رسخت فيما سبق مواقفه باعتباره رافضا ومناهضا لها ،فقال : سأطرحها للاستفتاء على الشعب ، تابعه المحاور قائلا :وماذا ستفعل فيما لو تقدم لك سفيرا اسرائيليا بأوراق اعتماده اذا ماقدر لك أن تكون رئيسا لمصر ..فقال:سأطلب من السكارتارية القيام بهذه ألمهمة مما اعتبره المحللون التفافا لا معنى له ،لكنه فى الأونة الأخيرة ذهب قليلا ليقول سوف اطالب بتغيير بعض بنودها ولم يحدد هذه البنود مما اعتبره المحللون بمثابة التعاطى مع البعض والالتفاف على الثوابت.
حمدين الذى خرج من قبل مرارا بجانب كافة القوى الوطنية منددين باتفاقية كامب ديفيد لم يذهب فى برنامجه الإنتخابى أو كافة لقاءاته الإعلامية أو الجماهيرية ولم يصفها كما كان يصفها من قبل باتفاقية الخزى والعار ولم يحدد مفهومه كما كان يحدد من قبل طبيعة الصراع العربى / الصهيونى بأنه صراع وجود وليس صراع حدود.
على الجانب الاخر كان عبد الفتاح السيسى مناورا كعادته ففى الوقت الذى قال فيه أن اتفاقية "السلام "صارت راسخة فى الوجدان ..نفى تماما أن يذهب مطالبا بحتمية أن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية مؤكدا أن الفرصة حاليا مواتية لحل القضية برمتها ،لكن السيسى عكس حمدين فى النظرة "لحركة حماس " الذى يعتبرها السيسى أجرمت فى حق مصر وفى حق القضية الفلسطينية بإعتبارها احدى أزرع الإخوان بينما حمدين الذى سبق واعتبر حماس فصيلا مقاوما الا انه تجنب تماما فى الأونة الأخيرة الحديث من قريب أو بعيد عن حماس.
السيسى رد مرارا ردا على الإلتزام بالاتفاقية قال : نحن فعلنا وسنفعل كل ما هو فى مصلحة مصر وقد فعلنا فى سيناء ما يتخطى شروط الاتفاقية .
