محمد الخامري
بدأتُ الحديث مبكراً عن الذريعة التي يمكن ان تساهم في خبط الاوراق في اليمن، وفق رغبة إقليمية دولية للمحافظة عليها دولة هشة لاحرب ناجزة ولاسلم مستقر، بل منزلة بين المنزلتين وهي الأسوأ منهما بلا شك، لا لأننا أعزاء على قلوبهم فلايريدون لنا الحرب
والدمار، لكنه حفاظٌ على مصالحهم الاقليمية والدولية فلعنة المكان الجغرافي تطاردنا كيمنيين بُلهاء وضعاف نفوس لايهمنا إلا المصالح الشخصية الآنية وكيفية الاستفادة من الشرق او الغرب وفق عقلية الابتزاز، وهم قد عرفوا نقطة ضعفنا مبكرا وأصبحوا يتعاملون معنا بها، وهي الفلوس التي تضعف النفوس وتجعلنا أذلة أمام مواجهة مايُحاك لبلادنا من مصائب، بل والمساهمة فيها بعلم ومع سبق الإصرار والترصد، وكله بحقه كما يُقال!!.
وبعقليتنا الابتزازية أحلنا النعمة الكبرى التي حبانا الله بها كموقع جغرافي فريد على مستوى العالم الى نعمة خاصة ببعض قياداتنا السياسية والقبلية والعسكرية الذين اثروا ثراءً فاحشا بسبب ممارساتهم الابتزازية ومد جسور التواصل الى خارج الحدود بِذِلّة وصغار وحقارة لم يعرف التاريخ لها مثيلا، وصارت هذه النعمة التي يمكن ان تجعلنا في طليعة شعوب العالم اقتصادا وتعليما ورفاهية؛ بقدرة اولئك النفر قليلي الحياء والإيمان والوطنية الى نقمة ونكبة على الشعب والوطن..!!
قد تكون الفقرة السابقة غير مفهومة للبعض لكنها مفهومة تماما للبعض الاخر الذي يقرأ مايجري في البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي وتحديدا منذ اعتراف الشقيقة الكبرى بالجمهورية ومارافق ذلك الاعتراف من معاهدات واتفاقيات وقبلها مناورات ومفاوضات سياسية وتكتيكات حربية ومبالغ مالية كانت ترسل هنا وهناك لترتيب وضع "فلول" النظام السابق ومن تعتبرهم محسوبين عليها، وكان لها ماأرادت وفق اتفاقية الخرطوم 29 اغسطس 1967م وصولاً الى اتفاق المصالحة الوطنية في جدة بين الجمهوريين والملكيين اواخر مارس 1970م.
الإرهاب كان ورقة رابحة بيد الغير منذ سبعينيات القرن الماضي، وكان يُصدر لليمن على شكل مناهج ومشائخ ودعم مادي لنشر بعض الافكار التوحيدية التي لاغبار عليها كمنهج ديني، لكنها كانت تُستغل وتوظف توظيفا سيئاً لأهداف سياسية بعيدة المدى وفق مذكرات وزير الخارجية الاميركي هنري كيسنجر الذي هرب من المانيا مع أسرته بسبب يهوديته المتطرفة ليتولى بعدها العديد من المناصب الهامة في اميركا وكان له الدور الابرز في اتفاقية كامب ديفيد عام 78م..
وبعد عودة المجاهدين من افغانستان الى اليمن مطلع التسعينيات بتنسيق وتكتيك استخباراتي اقليمي ودولي اصبح الارهاب ورقة سياسية وأداةً للابتزاز والتكسب غير المشروع على حساب الوطن وأمنه واستقراره من قبل بعض السياسيين وعلى رأسهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي ظن انه فهم اللعبة وصار يتعامل بها ويستغلها لصالحه، وأصبح يتحكم بتنظيم القاعدة بعد ان وافق في استضافتهم بمساعدة الاستخبارات الاقليمية والدولية من افغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وإعطاءهم معسكرات خاصة بهم، ومنحهم الرتب العسكرية حسب اعترافات زعيم تنظيم الجهاد نبيل نعيم في اكثر من مقابلة تلفزيونية..
في هذه الاثناء كان لدى كل طرف من هذه الاطراف (الاستخبارات الاقليمية والدولية، وتنظيم القاعدة وتوابعه، وعلي صالح ونظامه)، لكلٍ منهم تكتيكه الخاص وهدفه الذي يريد تحقيقه على ارض الواقع، وكان يريد استغلال علاقته ببقية الاطراف لترتيب وضعه كنوع من الذكاء واستغباء الآخر، فالاستخبارات تريد ان تستغل التنظيم كعصى تحت الفراش وفزاعة يمكن استخدامها في أي وقت كذريعة لضرب او إضعاف أو التدخل في أي دولة من الدول العربية بمبرر مكافحة الإرهاب، لاسيما وأنها وجدت استجابتهم السريعة للتوجيه غير المباشر للتوجه الى أي مكان وإيجاد الذريعة المطلوبة للتواجد الاجنبي في ذلك المكان او تلك الدولة بمبرر مكافحة الارهاب الذي يكلف الخزينة العربية مليارات الدولارات قيمة العتاد العسكري الذي يستخدم في تلك المعارك، اضافة الى الهدف الرئيسي من تواجدهم باليمن تحديدا وهو فرض السيطرة الاميركية الاوروبية الكاملة على بحر العرب والبحر العربي والخليج الفارسي المكتظة بالأساطيل والبوارج الاميركية والأوروبية وحاملات الطائرات الضخمة والجنود الذين يتكاثر عددهم يوميا وعلى حساب منابع النفط العربية..!!
اما الرئيس علي عبدالله صالح ونظامه فكان أقصى تفكيره هو كيفية استغلال هذه الجماعات لابتزاز السعودية ماديا لصالحه الشخصي وليس لصالح الوطن الذي كان يتآكل بسبب سياساته تلك، وكانت السعودية بالمقابل؛ ترى انه يقوم بدور الشرطي في كبح جماح تلك الجماعات ومنعها من الانتقال إليها، وكانت تستجيب له وتدفع بسخاء لأنها ترى انها مهما دفعت من اموال تظل اقل كلفة من التفجيرات التي يمكن ان يقوم بها التنظيم لو استطاع تجاوز الحدود السعودية الى منابع النفط، اضافة الى القلق الامني وتهديد السكينة العامة واستنفار القوات المسلحة والأمن، وتكلفتها جميعا تزيد مئات وربما آلاف المرات عما تدفعه للرئيس صالح ورجاله كي يتولوا مهمة ايقاف الارهاب وتحجيمه في اليمن وعدم تخطيه عتبة المنافذ البرية الممتدة لأكثر من الفين كيلو متر بين البلدين..
أما تنظيم القاعدة وفروعه من انصار الشريعة وغيرها من المسميات التي انتشرت مؤخرا في اكثر من دولة عربية وأجنبية فكان يتغوّل يوميا وبتوجيه غير مباشر من القوى الاستخباراتية التي نجحت في زراعة بعض عناصرها في اوساطهم وربما في القيادة كما يقول العديد ممن كتبوا عن الجهاد الافغاني والذين ذكروا اسماء بعض الشخصيات المصرية والفلسطينية التي كانت تشرف على تدريبهم؛ وفي الاخير تم اكتشافهم انهم تابعين للاستخبارات وقوات المارينز الأميركية، كانت تلك الشخصيات تجرف الشباب نحو العنف ضد المفاسد المنتشرة في المجتمعات بهدف تطبيق احكام الشريعة وإقامة الدولة الاسلامية الموعودة وفق افكار متطرفة لاتمت الى تعاليم الاسلام المتسامحة بصلة، بل كانوا يقومون باستدعاء بعض الآراء الفقهية والمبادئ والأحكام الدينية الشاذة في الحكم على المجتمعات والأنظمة لكي يوجدوا المبرر الديني لتوجيه اولئك الشباب للاستنفار ضد الانظمة والمجتمعات بشكل عام.
وكان التنظيم يرى ان تحالفه او تواصله او تنسيقه مع الرئيس صالح ينفع ولايضر، طالما والرجل منحهم مساحة للتحرك على الارض بل ووظف العديد منهم ومنحهم الرتب العسكرية، وأفسح لهم المجال لترتيب صفوفهم دون مضايقات وملاحقات امنية، وهذا أقصى مايحلمون به ولايهمهم بعدها كم يستلم او ماذا يفعل علي صالح او غيره، لان لديهم هدف اسمى برأيهم؛ وهو التجييش والعمل في اوساط الشباب لمرحلة التمكين لإقامة الدولة الإسلامية
اختم مقالي بإجابة مهمة لمستشار الرئيس الأمريكي الأسبق للأمن القومي زينغو برينجسكي على محرر مجلة (لانوفيل اوبسرفاتور) الفرنسية حول التدخل الأمريكي في الحرب السوفيتية ـ الأفغانية عندما سأله الصحفي: هل تعرف انكم أعطيتم السلاح للإرهابيين الذين أصبحوا أعداءكم، وأنكم خلقتم بذلك (الإرهاب الإسلامي)..
فأجاب برينسكي: أيهما أفضل للغرب انهيار الاتحاد السوفيتي ام ممارسة الإرهاب بواسطة الجماعات الإسلامية التي نتحكم في وسائلها ونعرف مدى تفكيرها.. أيهما اخطر على الغرب طالبان ام الاتحاد السوفيتي..!!
