بقلم أحمد الحباسى تونس :
"في حالة خطر داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها ، تبادر الدول العربية على الفور إلى توحيد خططها و مساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية و الدفاعية التي يقتضيها الموقف
" ... ما تقرؤونه أيها المتابعون ليس مزحة سخيفة من القول ، بل اختزال غير بريء من بند من بنود ميثاق الجامعة العربية ، أو بالتحديد من معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم سنها في شهر أفريل 1950 ، تقرون أن من يتجرأ هذه الأيام على مجرد نقل هذا الهراء أو الإشارة إليه يستحق التوبيخ و الضرب بالصرمة القديمة على رأى الإخوة المصريين ، تفهمون بداهة أن ما كتب هو مجرد كلام إنشائي بلا لون و لا طعم و لا رائجة .
ميثاق الجامعة العربية حرر باللغة العربية من نسخة واحدة سلم نسخة منها طبق الأصل لكل دولة عربية ، يظهر أن الدول العربية المتعاقدة بموجب هذا الميثاق قد أضاعت هذه النسخة " المطابقة للأصل " من خزائنها أو سرقت منها بعد أن مر على هذه المنطقة كل السفلة و الإرهابيون و الاستعماريون ، و يظهر و الله أعلم ، أن الجامعة العربية نفسها قد أضاعت النسخة الأصلية الأم ، و عليها انتظار تجميع الدول العربية مر ة أخرى لصياغة نسخة "أصلية" أخرى مع الأخذ بعين الاعتبار كل التغيير الحاصل على جميع المستويات في هذا الجسد العربي ، يعنى أنه من الصعوبة بمكان أن يكتب حكام اليوم ما كتبه أسلافهم بالأمس ، و أن يتفق هؤلاء على المبادئ أو الخيارات نفسها ، فهل "مات" ميثاق الجامعة ؟ .
من المفترض نظريا على الأقل أن يمثل السيد الأمين العام للجامعة العربية كل الدول العربية و أن تكون له خارطة طريق يحددها ميثاق الجامعة العربية ، الذين يعلمون قليلا من ميثاق الجامعة يدركون أن كل القرارات الصادرة عن هذه الجامعة ضد ليبيا و ضد سوريا و ضد العراق لم يكن لها " أصل" في خطة الطريق المسماة ميثاق الجامعة العربية بل أن كل ما حصل في الحالات الثلاثة هو تنفيذ حرفي و "أمين" للضغوط الأمريكية الصهيونية المغلف بطلبات خليجية متآمرة ، نتساءل أين خول ميثاق الجامعة العربية تدخل حلف الناتو في شؤون دولة عربية ؟ أين خول الميثاق تدخل القوات الأمريكية لاحتلال دولة عربية ؟ أين خول الميثاق فرض منطقة حظر جوى على سوريا ؟ أين خول الميثاق "إخراج" دولة مؤسسة من مقعدها في الجامعة و "إهداءه" لجماعة إرهابية وهابية سميت خيانة بالثورة السورية ؟ .
من المفترض أيضا ، أن بحاكم السادة ، عمرو موسى ، نبيل العربي ، عصمت عبد المجيد ، بتهمة الخيانة العظمى ، و أن تحال ملفات خيانتهم على أنظار الرأي العام العربي بعد أن استحوذت قطر و السعودية بالأساس على الجامعة العربية و "سرقت" محتوى و مضمون النسخة الأصلية لميثاق الجامعة العربية و زورته لتعطى الفرصة للصهيونية العالمية لتنفيذ مشروع الفوضى الخلاقة الذي يمكن اختزاله في مفردات قليلة بكونه مشروع تفتيت المفتت و تقسيم المقسـم فــي هـــذه المساحة المكانية و السكانية التي تدعى المنطقة العربية ، و من المفترض أيضا أن يسحب البعض اعترافهم بالجامعة العربية بعد أن أصبحت مجرد مكان تطبخ فيه كل المؤامرات القذرة على الأمة العربية .
المنظمات العربية المتخصصة ، اتحاد البريد و اتحاد الإذاعات و مجلس الوحدة و منظمة العمل العربي المشترك ، الخ من المنظمات" المتخصصة" التابعة للجامعة العربية ، أسألكم صراحة ، نفس السؤال الغبي ، من يعرف لهذه المنظمات "المتخصصة" فضيلة معينة أو انجازا واضحا ، بنفس الغباوة ، تفضلوا بمراجعة ما أنجزته المنظمات الأوروبية المتخصصة فعلا التابعة للسوق الأوروبية المشتركة ، ستنتهون إلى الاقتناع بكون المنظمات العربية " المتخصصة" قد كانت سبيلا للبعض للإستثراء و نهب المال العربي دون انجاز يذكر سوى بعض المؤتمرات الكاسدة التي يتجمع فيها كبار الفاسدين المنظرين ، و ستفهمون نهاية أن هذه المنظمات هي مجرد كيانات خالية من المنفعة للدول العربية أفرغها أهل الخليج و حادوا بها عن مهمتها النبيلة الأصلية لصالح مهمات قذرة يتحدث عنها الإعلام بكثير من السخرية و المرارة .
لا أدرى ما السبب الذي يجعل حكام الخليج يقفون إلى جانب "الائتلاف السوري المعارض" ، مع أن العالم كله على يقين من كون ما يحصل هو تنفيذ قذر لمشروع صهيوني لتقسيم و إسقاط النظام السوري ، و لا أدرى لماذا سخر هؤلاء الجامعة العربية لإعطاء الغطاء السياسي لضرب سوريا الدولة العضو المؤسس للجامعة ، بل لماذا تم خرق ميثاق الجامعة العربية لإعطاء مشروعية دولية للاعتداء الصهيوني الأمريكي التركي على دولة عربية عضو ، و كيف يقبل المجتمع الدولي ، بعد أن صمت البعض في الجامعة ، أن تضرب دولة عضو في ميثاق الجمعية العامة للأمم المتحدة بمقتضى "إنابة" صادرة عن مؤسسة عربية في خلاف مع ميثاقها ، المهم ، أنه أصبح معلوما بالدليل و البرهان أن الجامعة العربية قد باتت رهينة في يد دول إقطاعية شمولية متآمرة ، و أن عملية الاختطاف تؤثر سلبا في العلاقات العربية – العربية و بعد أن كان الهدف تجميع كل الطاقات العربية أصبح هدف الجامعة العربية تفتيت هذه الطاقات و فرض الوصاية الدولية على الدول العربية.
الآن ، و قد تعرى حكام الخليج و تعرى الأمين العام للجامعة العربية و تعرت الجامعة نفسها من الأخلاق و المبادئ ، فلا بأس أن نكبر أربعا و نصلى الجنازة ، لا بأس أن ننادى بجامعة الشعوب العربية بدل جامعة الدول العربية ، لا بأس أن نستغل الفضاء الإفتراضى لفتح جسور الحوار الجامع و نبذ العنف ، لا بد أن نقف بنفس المسافة ضد كل دول التأمر العربي دون استثناء ، أن نقتنع نهاية أن النار الصهيونية الصليبية العثمانية هي نفس النار التي تحرق الأجساد الفلسطينية العراقية الليبية السورية ، أن العدو واحد و المصير واحد ، و المعركة هي معركة صمود و وجود.
