من يستقرئ التاريخ اليمني قديمه وحديثه ويقف أمام حقائقه سيجد ان اليمنيين كانوا شعبا واحدا ويشكلون أسرة واحدة منذ القدم ..جنوبا وشمالا ..شرقا وغربا..حتى في ظل تعدد الدول والامارات التي كانت تنشأ هنا وهناك..ولم يكن يفصل بينهم لا حواجز ولا موانع وكانت عدن وصنعاء تشكلان بيتهم الكبير يتنقلون فيما بينهما بدون اذن من أحد والشواهد على ذلك كثيرة بدليل ان الأسر اليمنية متشابكة في كل مناطق اليمن وان ابرز المسؤولين الذين حكموا اليمن شمالها وجنوبها لا سيما في العصر الحديث هم من كل انحاء اليمن ولم يقتصر انتماؤهم لمنطقة بعينها..فابناء الشمال يحكمون في الجنوب وابناء الجنوب يحكمون في الشمال.
ولأن الشعب اليمني واحد فقد كان يثور ابناء الشمال ضد الظلم في صنعاء من عدن..ويثور ابناء الجنوب ضد الظلم في عدن من صنعاء..وابرز مثال على ذلك ان الثورتين سبتمبر واكتوبر شارك في تفجيرهما والدفاع عنهماوفي النظامين اللذين انتجتهما ابناء الشمال والجنوب معا..ولم تكن توجد بينهم آية حواجز تمنع تواصلهم وتحول دون التقائهم وتعاملهم كأسرة واحدة حتى في عهد حكم الائمة والاستعمار والسلاطين..وقد ظل هذا حالهم الى ان جاء شهر نوفمبر عام 1967م الذي تغيرت فيه هذه المعادلة الجميلة بعد قيام نظام 5 نوفمبر في صنعاء ونظام 30 نوفمبر في عدن وبنشوئهما بدأت الكارثة تحل على اليمنيين حيث دخلوا في فترة انفصال حقيقي لأول مرة في تاريخهم بخلاف ماسبق ذلك من مراحل تاريخية على مدى آلاف السنين..وكانت الفترة الواقعة ما بين 30 نوفمبر 1967م وبين 22مايو 1990م هي اصعب ماواجهه اليمنيون لأنهم خلالها تحولوا الى شطرين وكان كل منهما يعمل ضد الآخر..فهذا يزايد باسم التقدمية والاشتراكية العلمية وذاك يزايد باسم الرأسمالية والشريعة الاسلامية وأعداؤهم في الخارج يتربصون بهم ويغذون الخلافات فيما بينهم حتى انفجرت الحرب الأولى بين الشطرين عام 1972م ليتحولوا الى وكلاء لتحقيق مصالح اعداء اليمن في المنطقة ولحقتها الحرب الثانية عام 1979م..ومن المفارقات ان هذه الحروب المدمرة لليمن وشعبها كانت تنتهي باتفاقيات وحدوية يتم التوقيع عليها خارج اليمن كما حدث في القاهرة وطرابلس الغرب والكويت بهدف اعادة اليمنيين الى اصولهم الأولى والى وضعهم الطبيعي الذي كانوا عليه.
ولأن النظامين في الشمال والجنوب كانا يشعران بالحرج وعقدة الذنب تجاه الشعب اليمني الواحد نتيجة للتفرقة التي تسببا فيها فلم يكن يجرؤ أي منهما ان ينسب نفسه بأنه دولة على المستوى المحلي وإنما تم الاصطلاح بينهما على تسمية كل نظام بالشطر..حيث كان يقال الشطر الشمالي والشطر الجنوبي..وعند التواصل للبحث لأعادة الأمور الى طبيعتها كان يتندر اليمنيون بقولهم:عبدالله طلع وعبدالله نزل..ويقصدون بذلك عبدالله حمران من الشمال وعبدالله الخامري من الجنوب المسؤولان عن ملف اعادة الوحدة حينها..وهناك حكاية طريفة حدثت – لكنها حقيقية - تعبر عن واقعنا المرير الذي كنا نعيشه..فحين عقد مؤتمر القمة الاسلامية في المملكة المغربية عام 1974م حضره يومها الشهيدان الرئيسان السابقان ابراهيم الحمدي وسالم ربيع علي لتمثيل شطري اليمن واثناء انعقاد الجلسة طلب الشهيدان الحمدي وربيع من حكام الدول الغنية تقديم مساعدة لليمن فلم يستجب لطلبهما فقام حينها امير الكويت الراحل الشيخ صباح السالم الصباح رحمه الله وجلس بين الحمدي وربيع وقال لهما:يا اولادي الكويت مستعدة ان تقدم عشرة ملايين دينار كويتي مساعدة لليمن الشمالي ومثلها لليمن الجنوبي لكن أريد منكم تعهدا على أنكم لا تشتروا بها أسلحة ليحارب بعضكم بعضا. وحين تفجرت احداث 13 يناير عام 1986م في عدن وقبلها أحداث المنطقة الوسطى في الشمال شعر االيمنيون بخطورة وضعهم حيث لم تعد المشاكل مقتصرة بين الشطرين بفضل تغذية الخارج لها وإنما اصبحت على مستوى كل شطر لتتحول الى حرب اهلية فكان ذلك سببا للتقارب والتواصل الجدي بين قيادتي الشطرين وتم اتخاذ خطوات جيدة بهدف إعادة الأوضاع الى ماكانت عليه قبل قيام نظامي 5 نوفمبر و30 نوفمبر عام 1967م في صنعاء وعدن فسمح لليمنيين بالتنقل بين الشطرين بالبطاقة الشخصية تمهيدا لأعلان وحدة النظامين التي تحققت في 22 مايو 1990م وتم تقاسم الحكم بينهما بالتساوي لأن مصلحة القيادات الحاكمة حينها كانت تقتضي ان تكون موجودة في الواجهة الى حين يسخر الله قيادة موحدة لليمن الواحد..لكن لأن وحدة النظامين بنيت على اساس التقاسم والمحاصصة فلم تعمر طويلا خاصة ان كل طرف فيها كان يضمر للآخر الشر ويتحين الفرصة المناسبة للانقضاض عليه ولذلك سرعان ماحدثت الخلافات بينهما منذ الشهور الأولى لقيام الوحدة وتعمقت الجراحات اكثر وحيكت المؤامرات كلما كان الشعب يطالب بأن يكون شريكا في صنع القرار..وكان كل طرف في الحكم يستعين بمن يدعمه ويقف الى جانبه من الداخل والخارج الى ان انفجرت الحرب المشؤومة في صيف 1994م وهنا حدث مالم يحمد عقباه فقد انتهت الحرب بسيطرة طرف تحكم في مقاليد الأمور وتعامل مع اليمن وشعبها وكأنهما اقطاعية خاصة به وملك من املاكه اشتراها بحر ماله..فأطلق العنان للفاسدين من البطانة السيئة والأقارب والأصهار والمواليين ليتحكموا كيفما يشاءون ويعبثون بثروة الشعب اليمني مستغلين صبر المواطنين عليهم وسكوتهم ومجارات الشعب لهم لعل وعسى يرجعون عن غيهم..لكن عندما فاض الكيل واصبح الشعب اليمني غير قادر على تحمل المزيد من الظلم والاستبداد انفجر الشباب في 11 فبراير عام 2011م فأشعلوها ثورة ظن الجميع انها ستحدث تغييرا جذريا لكن سرعان ماتم احتواؤها من قبل الجماعات والأحزاب واصحاب الجاه والنفوذ وتم الالتفاف على مبادئها واهدافها ليتحول الربيع اليمني الى خريف مبكر ويحل محل القضاء على مشروع توريث الحكم والارهاب الفكري والأمني والمحاصصة في الحكم من قبل الأحزاب والوجاهات واصحاب النفوذ فنتج عن ذلك فوضى ادارية وأمنية أوصلت مصير الوحدة الوطنية الى مهب الريح ونخشى ان يفلت الزمام فنعود الى المربع الأول..نسأل الله ان يجنب الشعب اليمني مايحاك له في الخفاء ويحفظه من القادم المجهول.
