728x90 AdSpace

28 ديسمبر 2013

"الحب من أوّل... زيارة"..مقدمة كتاب في ظلال بلقيس ريم عبد الغني

مقدمة كتاب في ظلال بلقيس ريم عبد الغني
"الحب من أوّل... زيارة"
هل تؤمنون بـ"الحب من أوّل نظرة"؟...
أنا أؤمن به، فعلاقتي باليمن... كانت "حبّاً من أوّل زيارة"... 
و"أوّل زيارة" كانتْ عام 1997م، سبقتْها -فعليّاً- سنوات من الاستكشاف عن بعد... 
من يومها غزتْ حياتي.. اختلطتْ بدمي.. أسبغتْ لونها على كتاباتي.. تربّعتْ فوق اهتماماتي.. لتغدو هاجساً.. يتجاوز صلة القُربى.. اختياراً واعياً استفتيتُ فيه حواسّي كافة. 
ولأنني "اخترتُ" أن أحبّها صارتْ قضيّتي... وفرق بين ما نتبنّاه بحكم العادة وبين ما نؤمن به عن قناعةٍ وبقرارٍ مدروس. 
وأذْعنتُ لقدري منساقة وراء شغف جامح.. قادني في مجاهلها الساحرة.
شغلتني... شغلتني حقّاً سنوات طويلة.
حتّى متى ستبقى مستحوذة عليّ!... لستُ أدري.. ما أعرفه أنها تحتلّني ذلك الاحتلال المحبب الذي لا يريد سجينه انعتاقاً منه. 
********************
يقولون "صنعاء حوتْ كلّ فن".. والحق أن اليمن عالم عجيب الغنى.. تشكّل فوق أرض بالغة العراقة.. توارث سكّانها الأصالة والبساطة.
عالمه الشاسع يمتدّ على مساحة أكثر من نصف مليون كيلو متر مربع، يعيش فوقها أكثر من 23 مليون إنسان، تنوع ٌبكلّ ما في الكلمةِ من زخمٍ وجمالٍ، يتبدّى في مهرجان مبهر من الأهازيج واللهجات والملابس والطعام، ويتألّق طبعاً في خلاصة ذلك كله: العمارة بتصاميمها وزخارفها وتفاصيلها المختلفة.
شواطئ مذهلة الصفاء تمتدّ على طول أكثر من ألفي كيلو متر.
تستلقي قبالتها جزر مرجانيّة, حوت كل نادر من نبات وحيوان.
جبال عالية تتناثر فوقها القرى كأعشاش النسور وتتحسّر دونها الغيوم.
صحارى مدهشة أنبتتْ ناطحات سحاب من طين.. تحدَّتْ الزمان والطبيعة.
ومساحات مترامية تنبسط بين خضراء وجرداء؛ لتكتنز في حناياها كلّ نفيس، التاريخ، الثروات الطبيعية، وكنوز، ومفاجآت، مازال جلّها كامناً في أحضان أرض توالتْ فوقها أعرق الحضارات وأقدمها. 
وإن كنتُ لم أزرْ بعد -كما أتمنى- كلّ شبر فيها، فإنني أعرفها كلّها... تختزلها ابتسامات الوجوه الطيبة، تتجسّد في إبداع نقوش الحليّ وزخرفة المباني، تتجلّى في أصالة التقاليد، وفي عفوية صادقة مازالوا ينعمون بها هناك.. في عالم كلّ ما فيه يشبهه، مزيج عبقري من الألوان والأشكال والروائح.. تتباين إلى حدّ التناقض وتنسجم إلى حد الإبداع.
منْ يحمل روحاً متوهّجة.. لا يملك إلا أن يُفتتن بها.
لذلك وقع الكثيرون في غرام اليمن، بسحر حضارتها ودماثة أهلها، وهم -بشهادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- "أرقّ قلوباً وألين أفئدة".. ومنهم عاشق اليمن الشاعر السوريّ الكبير سليمان العيسى الذي خاطب -في قصيدته "نقش متأخر"- طيفَ بلقيس قرب بقايا أعمدة عرشها في مأرب:
بـلقيـسُ، يا عـينانِِ سَـــوْداوانِ
تَـخـْتَرقـانِ حُـلـمـي
أَحْـلَـى وأنـبـلُ من كـرُومِ
الشـمـسِ أَعـصِرهـا بوهْـمي
أنـا عـنـد عَـرشـكِ آهـةٌ
تَعِبَتْ... ومـا بَرِحَـتْ تَقُولُ
هَيْهَـات يـا وطَـنَ الضـياءِ
الـبـِكْــرِ يَـمْحَـقُـكَ الأُفُـولُ
********************
اليمن اليمن... عالم اسطوري، ما إن تسكنه، يسكنك.
"صنعاء" أبهرتني بعمارتها التي تعكس الكبرياء والشموخ، وتَشِي في الوقت ذاته بطوفان الحنان الكامن في أعماقها، تبثّه في التفاصيل الصغيرة المبدعة.. أخرجتْ لي من جيوبها التاريخ.. فرأيتُ كيف يخلّد الماضي المستقبل.. وعرفتُ كيف ينطق الحجر.. حين تحكي كلّ المفردات بلغة واحدة قصصاً لا تنتهي.. قصّة مدينة احترمت ذاكرتها ولم تتنازل عن أصالتها و تفرّدها، أخذتني من يدي ومررتُ أصابعي على مكامن الجمال المعتّق في وشْي فضّتها، وحبّات عقيقها، ومنمنمات جصّها، وتطريز أثواب نسائها، وحبر أوراق مخطوطاتها المصفرّة.. دفعتني لأتمايل مع راقصات "الدعسة" على ألحانها الشجية.. توضّأتُ في "سائلتها"، وصلّيتُ في جامعها القديم.. وانتشيتُ بالزخم المخزون في الأحجار والتراب والجينات منذ آلاف السنين..
"عدن" سحرتني بألوانها.. بزرقة بحرها وسواد جبالها وبياض قلبها.. طوّقتني بفلّها و نقشتْ حنّتها فوق قلبي.
"أَبْيَن" حكاية أخرى.. حكاية خطّها أحباب في خاطري.. خطّاً بعد خط قبل أن أزورها.. قصة أرض معطاء تنتج أشجار الموز و"العنبة" والناس الطيّبين.
أما "حضرموت" فقد أسرتني بطبيعتها البكر، وعبقريّة عمارتها، ورقيّ أبنائها، بفرادة كلّ تفاصيلها، وهناك.. حيث المدن التي تبدو وكأنّها انسلّت من الأساطير.. وحيثُ خَلَق معلمو البناء من "مدرة" الطين الصغيرة لوحاتٍ رائعة، وأبدعت أياديهم المتماسكة بفطرة صافية ومحبّة صادقة تراثاً معمارياً عظيماً، رسمتُ ودرستُ وحلّلتُ على مدى سنوات، وما زلتُ أعمل لتضمين التوثيق الذي قمتُ به دفّتي مؤلّف علميّ جاد.
أمّا بالنسبةِ لتَعِز وزَبِيد وإِبْ والحُدَيْدة والمُكَلّا ولَحَج وشَبْوة والمُهْرة والبَيْضاء وجزيرة سُقَطْرَى والمدن اليمنية الأخرى التي لم أذكرها هنا، فهي تستحق أن تكون موضوع كتاب قادم إن شاء الله... ومَن قال إنّ حديثنا سينتهي في آخر صفحات هذا الكتاب؟.
********************
في نَوْبات الحنين كتبتُ بعض ذكريات رحلاتي إلى اليمن.. حَسِبتُها تدويناً لمشاعري.. يُطوى بين أوراقي الشخصيّة، لكن وجدتُني أنشرها، فالحبّ لا يمكن إخفاؤه.. وعلى رأي ابن زيدون: 
يُخفي لواعجه والشوق يفضحهُ أضحى سواء لديه السر والعلن
هذا توثيقٌ لأيّامٍ لا تُنسى في اليمن... قراءة في بلد عربيّ عريق.. بقلم تلميذة في مدرسةِ عمارته المبدعة. 
سأكون دليلكم في رحلة نقوم بها معاً.. إلى مكان طالما تمنّيت لكلّ من أحب أن يحظى بمتعةِ رؤيته يوماً.. حاولتُ أن أختزله لكم كما عرفته في السنوات الطويلة الماضية.. فقد كنتُ وما زلتُ أعتبره إحدى قضاياي الأساسية، ليس فقط من خلال الأبحاث والدراسات التي أعددتها (وأتابع بها رسالة الدكتوراه في مجال هندسة العمارة اليمنية التقليدية) فحسب، بل أيضاً من خلال النشاطات المكثّفة والمحاضرات والمعارض، التي أحاول من خلالها جميعاً المساهمة في تسليط الضوء على هذا البلد العظيم الذي بُخس حقّه، وبالذات على عمارته التي لايمكن أن تكون إلاًّ نتاج حضارة عظيمة. 
ولأنّ "شرط المرافقة الموافقة" -كما اعتاد أبي رحمه الله أن يذكّرنا قبل أيّ سفر- فعليّ أن أعترف لكم مقدّماً أنني لا أستطيعُ أن أتحلّى بموضوعيةِ الباحث وتجرّدهِ حين أتحدثُ عن اليمن.. فأنا مسكونة به.. بصعوبة انتقيتُ هنا -من بحر معلومات هائل- حزمةً، نسّقتها في باقات بسيطة بغية الفائدة والمتعة معاً، ويقيني أن المحبّة الصادقة التي كُتبت بها هذه السطور كانت مفتاح قلوب من أتتني رسائلهم من كلّ مكان في اليمن، هداهد تحمل سلال قشّ يمنيّ ملأى بفل لحجيٍّ وبن يافعيّ، وبلس تعزيّ، وعنب صنعانيّ، وبخور عدنيّ، ولبان مهريّ، وعسل حضرميّ، مشجعين تسليط المزيد من الضوء على حضارة رائعة.. لبلد عريق وشعب طيب.. إنصافاً لحقّ إعلام لم يحظيا بكفايته.. عن جمالٍ أخّاذ توارى -للأسف- وراء أكوام مرعبة من التشويه والجهل. 
لهم.. لمن كتبوا لي جميعاً.. كلّ الامتنان، فرسائلهم كانت زاد رحلاتي و بوصلةً هدتني إليكم...
********************
يقول شاعر اليمن النافذ البصيرة عبد الله البردوني: 
مـن "السعيدة" هذي الأغنيات ومِنْ
ظـلالها هـذه الأطـياف والـصُّوَرُ
من خاطر "اليمن" الخضرا ومهجتها
هـذي الأغاريد والأصداء والفكرُ
من هذه الأرض حيث الضوء يلثمها
وحـيث تـعتنق الأنـسام والـشجرُ
مـا ذلـك الـشدو؟ مَن شاديه؟ إنّهما
مـن أرض بلقيس هذا اللحن والوتر
أجل.. هذه "أطياف وصور" من "السعيدة".. من اليمن، حيث كانتْ لي في "ظلال بلقيس"... أيّام لا تُنسى... وهاكم حكاياتها...
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: "الحب من أوّل... زيارة"..مقدمة كتاب في ظلال بلقيس ريم عبد الغني Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للأنباء
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً