السبئي نت -أحمد ناصر الشريف: مشكلتنا في العالم العربي اننا نتعامل مع قضايانا المعقدة من خلال الوقوف امام نتائجها ولا نتعامل مع الاسباب التي ادت الى نشوئها.. ولذلك لا يتم التوصل الى حلول جذرية لها وانما تظل النار خامدة تحت الرماد وسرعان ما تشتعل من جديد ونعود الى المربع الاول.. وهو ما يؤكد على قصر النظر عند معالجتنا لمشاكلنا وعدم التدخل بجدية لإيجاد حل لها لأن هناك من له مصلحة في ابقاء الاوضاع مخلخلة في الوطن العربي لاشغال الانظمة والشعوب بها ربما تنفيذاً لأجندة خارجية هدفها زعزعة الامن والاستقرار في المنطقة تضمن للخارج التدخل الدائم والمستمر واستنزاف الثروات العربية وجعل العرب تحت رحمته. هذه حقيقة يدركها كل مواطن عربي ايا كان موقعه في القمة او القاعدة.. لكن لأن قرار العرب ليس بأيديهم فليس امامهم خيار آخر غير التسليم بالامر الواقع والخضوع لارادة الغير حيث اصبح الجميع يعيشون تحت نوع من الاستعمار الجديد الذي يمنعهم حتى من التصرف والتحكم في ثرواتهم وهو ما يصعب مقاومته بالسلاح كما هو حال الاستعمار العسكري الذي يمكن مقاومته بأكثر من وسيلة وتحقيق الانتصار عليه.
من كان يصدق ان الوضع في عالمنا العربي سيصل مع بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين الى درجة لم يكن يتصورها عقل من الضعف والهوان والفرقة ليعود العرب عشرات السنين الى الوراء على الرغم من الامكانيات الكبيرة التي يمتلكونها وقادرين بها ان ينافسوا الآخرين ويتقدموا عليهم وليس اللحاق بهم سياسيا وعلميا واقتصاديا.. لكنهم مع الاسف حشروا انفسهم في زاوية صغيرة بسبب ضيق افقهم وضحالة تفكيرهم الذي حصروه في الصراع على السلطة وليس في التنافس على ايجاد سياسات للبناء والتعمير والتقدم العلمي كما يفعل غيرهم واستطاعوا الوصول الى الفضاء بينما نحن حصرنا تنافسنا وصراعاتنا فيما يؤجج الفتن والاحقاد ويعمق الجراحات ويثير في القلوب والنفوس العداوة والبغضاء ضد بعضنا حيث جعلنا من الخلافات المذهبية والحروب الدينية والطائفية والعنصرية هي كل همنا.. بل جعلنا منها مشروعنا السياسي المستقبلي على حساب اهتمامنا بقضايا الاوطان والشعوب ودخلنا بسببها في متاهات لا نهاية لها قد تقود الى ما لا يحمد عقباه.
بينما الآخرون يعملون بصمت على بناء اوطانهم وينتهجون سياسة النفس الطويل لأنهم يعلمون انه مع الصبر والمصابرة والمرابطة يتم جني الثمار بسهولة.. اما العرب فإنهم يتعجلون في زراعتهم ويتعبون لكن الحصاد يذهب لغيرهم ولا يجنون من تعبهم وجهدهم سوى الاشواك التي توضع في طريقهم لتمنعهم من السير قدما الى الامام. فلاهم رحموا انفسهم ولا تركوا رحمة الله تنزل عليهم.. واذا ما استمر هذا ديدنهم فإنهم سيظلون يدورون في حلقة مفرغة لا نهاية لها تلاحقهم لعنة التاريخ ولعنة شعوبهم الى الابد غير مدركين ان التاريخ لا يرحم مهما حاول البعض الانحراف به وتجييره لصالحه لأن حقائق التاريخ اساسا تبقى ثابتة وغير متحركة وترصد كل صغيرة وكبيرة ولا يستطيع احدا ان يطمسها مهما حاول تزييف وعي الناس والالتفاف عليها.. كما تفعل اليوم الانظمة العربية حين تعتبر مطالبة الشعوب بأبسط حقوقها الاساسية والانسانية خروجاً عن طاعتها فتتخذ الاجراءات الصارمة ضد مواطنيها لمعاقبتهم مستغلة غياب سيادة القانون الذي يجب ان يخضع له الكبير قبل الصغير وهو ما حدا بكثير من الحكام ان ينظروا الى شعوبهم نظرة تعالٍ واستكبار مستكثرين على مواطنيهم ان يقولوا: لا.. للسير في الطريق الخطأ.. ولذلك عندما خرجت الشعوب الى الشوارع في العام 2011 تطالب بالتغيير والحكم الرشيد واستطاعت ان تسقط اربعة انظمة مع حكامها خلال عام واحد وتم اعتبار ذلك الخروج العفوي ثورة شعبية ضد الظلم والاستبداد سرعان ما تدخلت القوى السياسية بهدف الالتفاف على مبادئ واهداف تلك الثورات وحصرتها في الوعود بإحداث التغيير.
ولأن الشعوب العربية قليلة الخبرة في الشأن السياسي بفعل تغييبها في الفترات السابقة ولأن الذي قاد هذه الثورات الشعبية هم الشباب الذين تربوا في ظل الانظمة التي كانت قد بدأت تضع مشروعا لتوريث الحكم في الجمهوريات العربية للابناء والاحفاد فقد صدقت وسلمت زمام ثوراتها التي اسقطت الانظمة السابقة لقوى سياسية وحزبية واجتماعية كانت اساساً مشاركة في لعبة الانظمة المطاح بها شعبيا وحلت محلها على اساس انها تمثل ثورة الشباب.. وكان الامل كبيرا بأن يتم قطف الثمار من خلال احداث اصلاحات جذرية في البنية المؤسسية للدولة وصولا الى بناء دول مدنية حديثة يسودها النظام والقانون الذي يعيش في ظله كل المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات.
لكن مع الاسف الشديد فقد انقلبت تلك القوى السياسية التي اوصلتها الجماهير الى الحكم بارادة شعبية على المبادئ والاهداف المعلنة لثورات الشباب واسست لديكتاتوريات جديدة اشد وانكى مما كانت عليه الديكتاتوريات السابقة.. وبدل ما كنا نعيش ثنائية الفساد والدولة فيما مضى صرنا نعيش احادية الفساد بلا دولة في وقتنا الراهن وهو ما سبب صدمة كبيرة للذين ضحوا بدمائهم وارواحهم من اجل الوصول الى صنع مستقبل افضل تسوده العدالة والحرية والكرامة لكل انسان عربي والتخلص من تلك الادران التي ارتبطت بفساد الانظمة السابقة.. لكن كما يقول المثل: يا فرحة ما تمت.. فإن الطبع الذي تطبعنا عليه نحن العرب قد غلب على سلوكنا ونهجنا ويبدو ان من شب على شيء شاب عليه.. ومن الصعب على اي انسان هذا شأنه ان يتم تغييره لاسيما بعد ان ترسخت في نفسه وعقله جذور الفساد التي يستعصي اقتلاعها وهو ما يؤكد مقولة الاستاذ الدكتور محمد عبدالملك المتوكل الشخصية السياسية والاجتماعية اليمنية المشهورة: «ان الدولة الحضارية لا يصنعها عسكر او قوى تقليدية وانما يصنعها عناصر حضارية كالشباب شريطة ان يتحرروا من الحزبية» وياليت شبابنا في العالم العربي يفهمون ويعقلون ويستشعرون بمسؤولياتهم تجاه الشعوب التي وثقت فيهم واعتقدت بأنهم فعلاً سيكونوا صناع التغيير لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن..!