السبئي نت -صلاح الدكاك: التاريخ العربي: شعر أشقر و عيون زرقاء ........لا ريب أن معظمنا يُجْمعُ على أن "التاريخ يكتبه المنتصر"، بيد أن هذا الإجماع لن يبقى إجماعاً –على الأرجح- فيما لو أدخلنا تعديلاً طفيفاً وغير مخل -برأيي- على المقولة الآنفة بحيث تصبح: "التاريخ تكتبه أمريكا الرأسمالية".. أمريكا بوصفها المعادل الموضوعي لـ "المنتصر" الذي آلت إليه مقاليد العالم كقطب وحيد منذ 1990م.. إن هذا الإجماع على المقولة في صيغتها المجردة المتداولة دون تحوير، لا يعود إجماعاً إثر التحوير، لسبب بسيط هو أن أحداً –أياً كنا نخباً أو أفراداً عاديين- لا يحبذ أن يبدو سوى تصوراته المكتسبة عن نفسه وعن محيطه القُطري الضيق والكوني الرحب وعن وجوده وعن اللحظة القريبة زمنياً أو السحيقة الموغلة في الأبد.. إن "المهزوم" هو شخص تُسلبُ منه الجغرافيا فيتشبث بالتاريخ، يُنزع منه سلاحه فيحتفظ بعدوانية المقاتل المهان، يوقع صك الإستسلام ويخلي ساحة المعركة فيعيش بوعد الحرب وعلى إيقاع ذكرياتها، وينسحب من الواقع لينهمك في الخيال.. لكن "المنتصر" لا يقنع من الغنيمة بالجغرافيا والأسلاب بل يذهب إلى أبعد من المحسوس والمرئي ليسطو على الوجدان والمخيلة والتاريخ بما يضمن تجفيف منابع احتمالات عودة "المهزوم" إلى مسرح الصراع مجدداً، إلا بوصفه جندياً في صف "المنتصر" يقاتل ضد ذاته وتاريخه وموقعه الطبقي مفعماً بالإيمان والثقة في أنه يقاتل عدواً ويقتص منه –بثأرية مريضةٍ وعمياء- لهزائمه وإنكساراته السالفة.. ليس هناك - في حقيقة الأمر- أطراف خارج الصراع وأطراف منخرطة فيه، فالجميع يخوضونه غير أن البعض يقفون منه على الضفة الخطأ ليقاتلوا ضد أنفسهم ومصالحهم الوطنية والطبقية، وهؤلاء –في الغالب- هم أطفال أنابيب لماكينة استقطاب وتضليل كونية تتولى بناء وحوسبة وجدانهم الشخصي والعام، باستثمار عقد القهر المترسبة والمتراكمة فيه، ثم ترشح لهم أرض المعركة وتزج بهم في أتونها، بالتضاد لمصالحهم المفترضة كمقهورين.. إن النخبة "لا سيما العربية منها" ليسوا استثناءٌ من حيث قابليتهم للوقوع كفرائس لماكينة الإستلاب تلك، إن لم أقل إنهم الأكثر قابلية قياساً بسواهم من العامة والشرائح الأدنى ثقافة وإطلاعاً.. فالذين يعيشون في عراء المعرفة أوفر مناعةً من سجناء الأطر المعرفية المنيعة والجامدة، إزاء الإنزلاق في أقبية الاستلاب.. العادي حين يقرص الجوع معدته يحمل عدة الشغل ويجلس على الرصيف ليعرض قوة عمله، ويبني تصوراته للأوضاع سلباً وإيجاباً على قاعدة شحة فرص العمل أو وفرتها.. أما النخبوي فيجلس واثقاً على كرسي المحاضر ليؤكد أن "الديمقراطية هي الحل"، أو على منبر الوعظ ليقسم أن "الإسلام هو الحل".. العادي يرى في العدوان على سوريا مؤامرة على المنسوجات القطنية الجيدة والرخيصة وخدمةً لإسرائيل، أما النخبوي فيرى في العدوان "عملاً مشروعاً وتدخلاً إنسانياً لصالح الشعب لا بد منه لترسيخ الحريات والحقوق" أو يرى فيه "جهاداً ضد الروافض سخَّر الله أمريكا لتنهض به انتصاراً لدينه". تؤكد حملات "الإستشراق الأوروبي الممنهجة" منذ ق 18م وحتى ق 20م أن إحتلال التاريخ هو المدخل الأوسع لإحتلال الجغرافيا، وبطبيعة الحال فقد كان "المارش العسكري للكولونيالية الأوروبية" يسير على إيقاع المخرجات العلمية المادية والنظرية التي تغذيه بها طلائع المؤرخين والإنثروبولوجيين وعلماء الإجتماع والمبشرين الدينيين وهي مخرجات تفضي في نهاية المطاف، إلى إعادة صياغة ذاكرة الشعوب المستهدفة بالإستعمار، لضمان تجييرها كقوة مضافة إلى حساب قوة الغازي وتقليص كلفة الغزو إلى الحد الأدنى الممكن مما يضاعف جدوى الريوع المكتسبة ويوارب بشاعة السطو ولا مشروعيته.. لكن لماذا لم تنتفع الذاكرة العربية من فخ "لورانس العرب"؟! الأشهر والأكثر فداحة من حيث نتائجه على المنطقة العربية التي أفاقت إثرها موسدةً على مشرحة "سايكس بيكو" وتحت مباضع التقسيم بلا حيلة؟! الاجابة بإقتضاب هي أن هذه الذاكرة، التي أعطبتها سبعة قرون من الإحتلال العثماني، باتت من حينها - أي منذ "التقاسم الأوروبي الشهير"- ذاكرة مستلبة ومجزأة وجدانياً، وقد هدفت كل حركات التحرر الوطني، على مدى النصف الأول من ق 20م، لاستعادتها وإنعاشها وإكسابها قدرة حيوية تمكنها من التعاطي ايجاباً مع تحديات اللحظة التاريخية الراهنة ترتيباً على وعيها الخاص بمصالحها وقدراتها الكفيلة بنهوضها... وُفِّقت حركات التحرر إلى حد ما وأخفقت إلى حد ما، غير أن المحاولة لا تزال – أو ينبغي- أن تظل جارية. إن "لورانس" كمضاف و "العرب" كمضاف إليه في مُرَكَّبْ "لورانس العرب" يشير بلؤم إلى "وجود عربي ناقص" لا يصبح ذا معنى إلا معرَّفاً بـ "لورانس" عالم الآثار وضابط الإستخبارات البريطاني الذي وضع لاحقاً لمذكراته عن مغامراته في الصحراء العربية عنواناً وقحاً هو "منقذ العرب" وهي ذات الصفة التي تقدم أمريكا الإمبريالية نفسها من خلالها لعرب اليوم، ويؤكدها "يوسف القرضاوي" إذ يقول إن "الله سخَّر أمريكا لتخلص العرب من أنظمتهم المستبدة". تجزم صيغة "لورانس العرب" ضمناً بأن المصالح العربية ليست تضاداً لـ "مصالح الغرب وأمريكا الرأسمالية" بل مرادفة لها إن لم تكن عينها، وإذن فإنه يتحتم علينا ألا نتوهم فروقاً ما، بين "عمامة رجل الدين العربي المسلم وقبعة الكاوبوي" فالدين والتاريخ والخطاب الثقافي والخطاب السياسي والوجدان الخاص والعام للعرب ما هي إلا أوعية للمصالح المشتركة المتماهية الآنفة والتي لا تتباين فيها بين "البيت الحرام والبيت الأبيض" أو "الرياض وتل أبيب".. يقول الكاتب السعودي "جمال خاشقجي": إن الضربة الأمريكية المحتملة لسوريا هي مصلحة خليجية بالأساس لا مصلحة أمريكية" في معرض إجابته على سؤال حول دوافع دول الخليج لاستدعاء ودعم عدوان أمريكي على بلد عربي شقيق باستماتة! لكن لماذا سوريا؟! لأنها - بإعتقادي- الجزء الأوفر عافيةً ومناعةً بين بقية أجزاء الذاكرة العربية المستلبة و المعطوبة. لدينا أبرز ثلاثة نماذج لدول نشأت كحصيلة لمحو ذاكرة المكان وفضِّ الإشتباك الوثيق والحميمي بين تاريخ الإنسان من جهة وبين الجغرافيا من جهة أخرى بوصفها سجلاً لحفريات هذا التاريخ.. هذه النماذج الثلاثة هي: أمريكا، السعودية، وإسرائيل.. وهو ثالوث يمثل - بطبيعة الحال- إنعكاساً لولوج البرجوازيات الوطنية الأوروبية طورها الإمبريالي ضمن أطوار المخاض المتسارع الذي تشهده بلدان مركز الرأسمالية الأوروبية على خلفية الثورة الصناعية الجارية بوتائر حثيثة، حيث يتنامى سُعار الحاجة للخدمات والأسواق ويغدو التدافع المحموم لإجتياح أبعد النقاط في الجغرافيا والسيطرة على الممرات المائية أمراً بديهياً وملحاً.. كشطت الحملات الأوروبية المتفوقة معرفياً وتقنياً الحضارة المسالمة والرفيقة بالبيئة للسكان الأصليين في القارة "المكتشفة" وأبادت ما يزيد على إثنى عشر مليون نسمة منهم.. دائرة معارف "المنتصر" لا تحتوي على معطى معرفي موضوعي وذي قيمة يتيح لنا بلورة صورة عن ماهية تلك "الحضارة البائدة!"، إلى ذلك فهي تجرد أناسها "كطرف مهزوم" من سماتهم الحضارية وتطلق عليهم اسم "الهنود الحمر" تأسيساً على إلتباس ذهني لدى "كريستوفر كولومبس المكتشف الأول للقارة!!".. إن مصطلح "إكتشاف" بذاته هو أحد أفدح المغالطات المعرفية التي سَوَّق لها "المنتصر الإنجلوسكسوني" وكرَّسها كـ "يقين" في المبحث التاريخي الحديث.. و "إكتشاف" لا تعني في الإصطلاح الحديث سوى التسليم ضمناً- بزاوية النظر الإمبريالية التي يُعاد تعريف العالم وفقاً لأطماعها، فالأصقاع الأخرى من العالم تبقى "نكرة" حتى تقع تحت طائلة الإمبريالية.. وحينها –فقط- تصبح "مُعَرَّفة" أي "مكتشفة"!. وكذلك الحال بالنسبة للنموذجين الآخرين فـ "السعودية الوهابية" التي دشنت وجودها، كجرافة بدوية رعناء بكشط آثار الحواضر العربية الإسلامية في العراق والحجاز واليمن وذبح المسلمين "بوصفهم كفاراً بدعوتها" وإصدار "فتاوى دينية" تحرم مهاجمة سفن الإنجليز الناشطة في الخليج، يناظرها نموذج "إسرائيل" المستنبتة كخرافة شرقية مزودة بأصلب مخالب "الحداثة الغربية الرأسمالية" في تربة عربية جرى ويجري تجريف هويتها بشقيها المسيحي والمسلم حتى يتسنى لهذه الخرافة الساذجة والمهلهلة أن تتماسك وتشمخ على رافعة التهويد... كلا النموذجين السالفين هما مثالان عمليان للسطو على الجغرافيا بالسطو على التاريخ بما يؤسس للإمبريالية الأمريكية في المنطقة لا كآخر نبادله المصالح على قاعدة الندية والتعايش الإنساني المشروع، بل كـ "أنا" ينسجنا ويفصلنا من الداخل على مقاس مصالحها ويؤبِّد إعاقتنا عبر ضرب التوجهات الرامية لتحقيق كينونة مستقلة ومتسلحة بمعارف ومخرجات العصر كمساهمة فيها ومنتجة لها.. لربما نحن بحاجة إلى استفراغ كل هذه "الأنا" الملتبسة والتي تصيبنا بتخمة زائفة تثقل حركتنا لكي يكون بوسعنا الإجابة على أسئلة مصيرية من قبيل: من نحن؟! ماذا نريد؟! وكيف نفعل؟! إن جغرافيا عربية بلا وجود عربي وبلا مشروع حضاري عربي هي جغرافيا محتلة و"مجاز" يثري الشعر والأناشيد الوطنية لكنه لا يضيف إلى حساب اللحظة الحاضرة شيئاً ولا قيمة له على الواقعالتاريخ العربي: شعر أشقر و عيون زرقاء...
السبئي نت -صلاح الدكاك: التاريخ العربي: شعر أشقر و عيون زرقاء ........لا ريب أن معظمنا يُجْمعُ على أن "التاريخ يكتبه المنتصر"، بيد أن هذا الإجماع لن يبقى إجماعاً –على الأرجح- فيما لو أدخلنا تعديلاً طفيفاً وغير مخل -برأيي- على المقولة الآنفة بحيث تصبح: "التاريخ تكتبه أمريكا الرأسمالية".. أمريكا بوصفها المعادل الموضوعي لـ "المنتصر" الذي آلت إليه مقاليد العالم كقطب وحيد منذ 1990م.. إن هذا الإجماع على المقولة في صيغتها المجردة المتداولة دون تحوير، لا يعود إجماعاً إثر التحوير، لسبب بسيط هو أن أحداً –أياً كنا نخباً أو أفراداً عاديين- لا يحبذ أن يبدو سوى تصوراته المكتسبة عن نفسه وعن محيطه القُطري الضيق والكوني الرحب وعن وجوده وعن اللحظة القريبة زمنياً أو السحيقة الموغلة في الأبد.. إن "المهزوم" هو شخص تُسلبُ منه الجغرافيا فيتشبث بالتاريخ، يُنزع منه سلاحه فيحتفظ بعدوانية المقاتل المهان، يوقع صك الإستسلام ويخلي ساحة المعركة فيعيش بوعد الحرب وعلى إيقاع ذكرياتها، وينسحب من الواقع لينهمك في الخيال.. لكن "المنتصر" لا يقنع من الغنيمة بالجغرافيا والأسلاب بل يذهب إلى أبعد من المحسوس والمرئي ليسطو على الوجدان والمخيلة والتاريخ بما يضمن تجفيف منابع احتمالات عودة "المهزوم" إلى مسرح الصراع مجدداً، إلا بوصفه جندياً في صف "المنتصر" يقاتل ضد ذاته وتاريخه وموقعه الطبقي مفعماً بالإيمان والثقة في أنه يقاتل عدواً ويقتص منه –بثأرية مريضةٍ وعمياء- لهزائمه وإنكساراته السالفة.. ليس هناك - في حقيقة الأمر- أطراف خارج الصراع وأطراف منخرطة فيه، فالجميع يخوضونه غير أن البعض يقفون منه على الضفة الخطأ ليقاتلوا ضد أنفسهم ومصالحهم الوطنية والطبقية، وهؤلاء –في الغالب- هم أطفال أنابيب لماكينة استقطاب وتضليل كونية تتولى بناء وحوسبة وجدانهم الشخصي والعام، باستثمار عقد القهر المترسبة والمتراكمة فيه، ثم ترشح لهم أرض المعركة وتزج بهم في أتونها، بالتضاد لمصالحهم المفترضة كمقهورين.. إن النخبة "لا سيما العربية منها" ليسوا استثناءٌ من حيث قابليتهم للوقوع كفرائس لماكينة الإستلاب تلك، إن لم أقل إنهم الأكثر قابلية قياساً بسواهم من العامة والشرائح الأدنى ثقافة وإطلاعاً.. فالذين يعيشون في عراء المعرفة أوفر مناعةً من سجناء الأطر المعرفية المنيعة والجامدة، إزاء الإنزلاق في أقبية الاستلاب.. العادي حين يقرص الجوع معدته يحمل عدة الشغل ويجلس على الرصيف ليعرض قوة عمله، ويبني تصوراته للأوضاع سلباً وإيجاباً على قاعدة شحة فرص العمل أو وفرتها.. أما النخبوي فيجلس واثقاً على كرسي المحاضر ليؤكد أن "الديمقراطية هي الحل"، أو على منبر الوعظ ليقسم أن "الإسلام هو الحل".. العادي يرى في العدوان على سوريا مؤامرة على المنسوجات القطنية الجيدة والرخيصة وخدمةً لإسرائيل، أما النخبوي فيرى في العدوان "عملاً مشروعاً وتدخلاً إنسانياً لصالح الشعب لا بد منه لترسيخ الحريات والحقوق" أو يرى فيه "جهاداً ضد الروافض سخَّر الله أمريكا لتنهض به انتصاراً لدينه". تؤكد حملات "الإستشراق الأوروبي الممنهجة" منذ ق 18م وحتى ق 20م أن إحتلال التاريخ هو المدخل الأوسع لإحتلال الجغرافيا، وبطبيعة الحال فقد كان "المارش العسكري للكولونيالية الأوروبية" يسير على إيقاع المخرجات العلمية المادية والنظرية التي تغذيه بها طلائع المؤرخين والإنثروبولوجيين وعلماء الإجتماع والمبشرين الدينيين وهي مخرجات تفضي في نهاية المطاف، إلى إعادة صياغة ذاكرة الشعوب المستهدفة بالإستعمار، لضمان تجييرها كقوة مضافة إلى حساب قوة الغازي وتقليص كلفة الغزو إلى الحد الأدنى الممكن مما يضاعف جدوى الريوع المكتسبة ويوارب بشاعة السطو ولا مشروعيته.. لكن لماذا لم تنتفع الذاكرة العربية من فخ "لورانس العرب"؟! الأشهر والأكثر فداحة من حيث نتائجه على المنطقة العربية التي أفاقت إثرها موسدةً على مشرحة "سايكس بيكو" وتحت مباضع التقسيم بلا حيلة؟! الاجابة بإقتضاب هي أن هذه الذاكرة، التي أعطبتها سبعة قرون من الإحتلال العثماني، باتت من حينها - أي منذ "التقاسم الأوروبي الشهير"- ذاكرة مستلبة ومجزأة وجدانياً، وقد هدفت كل حركات التحرر الوطني، على مدى النصف الأول من ق 20م، لاستعادتها وإنعاشها وإكسابها قدرة حيوية تمكنها من التعاطي ايجاباً مع تحديات اللحظة التاريخية الراهنة ترتيباً على وعيها الخاص بمصالحها وقدراتها الكفيلة بنهوضها... وُفِّقت حركات التحرر إلى حد ما وأخفقت إلى حد ما، غير أن المحاولة لا تزال – أو ينبغي- أن تظل جارية. إن "لورانس" كمضاف و "العرب" كمضاف إليه في مُرَكَّبْ "لورانس العرب" يشير بلؤم إلى "وجود عربي ناقص" لا يصبح ذا معنى إلا معرَّفاً بـ "لورانس" عالم الآثار وضابط الإستخبارات البريطاني الذي وضع لاحقاً لمذكراته عن مغامراته في الصحراء العربية عنواناً وقحاً هو "منقذ العرب" وهي ذات الصفة التي تقدم أمريكا الإمبريالية نفسها من خلالها لعرب اليوم، ويؤكدها "يوسف القرضاوي" إذ يقول إن "الله سخَّر أمريكا لتخلص العرب من أنظمتهم المستبدة". تجزم صيغة "لورانس العرب" ضمناً بأن المصالح العربية ليست تضاداً لـ "مصالح الغرب وأمريكا الرأسمالية" بل مرادفة لها إن لم تكن عينها، وإذن فإنه يتحتم علينا ألا نتوهم فروقاً ما، بين "عمامة رجل الدين العربي المسلم وقبعة الكاوبوي" فالدين والتاريخ والخطاب الثقافي والخطاب السياسي والوجدان الخاص والعام للعرب ما هي إلا أوعية للمصالح المشتركة المتماهية الآنفة والتي لا تتباين فيها بين "البيت الحرام والبيت الأبيض" أو "الرياض وتل أبيب".. يقول الكاتب السعودي "جمال خاشقجي": إن الضربة الأمريكية المحتملة لسوريا هي مصلحة خليجية بالأساس لا مصلحة أمريكية" في معرض إجابته على سؤال حول دوافع دول الخليج لاستدعاء ودعم عدوان أمريكي على بلد عربي شقيق باستماتة! لكن لماذا سوريا؟! لأنها - بإعتقادي- الجزء الأوفر عافيةً ومناعةً بين بقية أجزاء الذاكرة العربية المستلبة و المعطوبة. لدينا أبرز ثلاثة نماذج لدول نشأت كحصيلة لمحو ذاكرة المكان وفضِّ الإشتباك الوثيق والحميمي بين تاريخ الإنسان من جهة وبين الجغرافيا من جهة أخرى بوصفها سجلاً لحفريات هذا التاريخ.. هذه النماذج الثلاثة هي: أمريكا، السعودية، وإسرائيل.. وهو ثالوث يمثل - بطبيعة الحال- إنعكاساً لولوج البرجوازيات الوطنية الأوروبية طورها الإمبريالي ضمن أطوار المخاض المتسارع الذي تشهده بلدان مركز الرأسمالية الأوروبية على خلفية الثورة الصناعية الجارية بوتائر حثيثة، حيث يتنامى سُعار الحاجة للخدمات والأسواق ويغدو التدافع المحموم لإجتياح أبعد النقاط في الجغرافيا والسيطرة على الممرات المائية أمراً بديهياً وملحاً.. كشطت الحملات الأوروبية المتفوقة معرفياً وتقنياً الحضارة المسالمة والرفيقة بالبيئة للسكان الأصليين في القارة "المكتشفة" وأبادت ما يزيد على إثنى عشر مليون نسمة منهم.. دائرة معارف "المنتصر" لا تحتوي على معطى معرفي موضوعي وذي قيمة يتيح لنا بلورة صورة عن ماهية تلك "الحضارة البائدة!"، إلى ذلك فهي تجرد أناسها "كطرف مهزوم" من سماتهم الحضارية وتطلق عليهم اسم "الهنود الحمر" تأسيساً على إلتباس ذهني لدى "كريستوفر كولومبس المكتشف الأول للقارة!!".. إن مصطلح "إكتشاف" بذاته هو أحد أفدح المغالطات المعرفية التي سَوَّق لها "المنتصر الإنجلوسكسوني" وكرَّسها كـ "يقين" في المبحث التاريخي الحديث.. و "إكتشاف" لا تعني في الإصطلاح الحديث سوى التسليم ضمناً- بزاوية النظر الإمبريالية التي يُعاد تعريف العالم وفقاً لأطماعها، فالأصقاع الأخرى من العالم تبقى "نكرة" حتى تقع تحت طائلة الإمبريالية.. وحينها –فقط- تصبح "مُعَرَّفة" أي "مكتشفة"!. وكذلك الحال بالنسبة للنموذجين الآخرين فـ "السعودية الوهابية" التي دشنت وجودها، كجرافة بدوية رعناء بكشط آثار الحواضر العربية الإسلامية في العراق والحجاز واليمن وذبح المسلمين "بوصفهم كفاراً بدعوتها" وإصدار "فتاوى دينية" تحرم مهاجمة سفن الإنجليز الناشطة في الخليج، يناظرها نموذج "إسرائيل" المستنبتة كخرافة شرقية مزودة بأصلب مخالب "الحداثة الغربية الرأسمالية" في تربة عربية جرى ويجري تجريف هويتها بشقيها المسيحي والمسلم حتى يتسنى لهذه الخرافة الساذجة والمهلهلة أن تتماسك وتشمخ على رافعة التهويد... كلا النموذجين السالفين هما مثالان عمليان للسطو على الجغرافيا بالسطو على التاريخ بما يؤسس للإمبريالية الأمريكية في المنطقة لا كآخر نبادله المصالح على قاعدة الندية والتعايش الإنساني المشروع، بل كـ "أنا" ينسجنا ويفصلنا من الداخل على مقاس مصالحها ويؤبِّد إعاقتنا عبر ضرب التوجهات الرامية لتحقيق كينونة مستقلة ومتسلحة بمعارف ومخرجات العصر كمساهمة فيها ومنتجة لها.. لربما نحن بحاجة إلى استفراغ كل هذه "الأنا" الملتبسة والتي تصيبنا بتخمة زائفة تثقل حركتنا لكي يكون بوسعنا الإجابة على أسئلة مصيرية من قبيل: من نحن؟! ماذا نريد؟! وكيف نفعل؟! إن جغرافيا عربية بلا وجود عربي وبلا مشروع حضاري عربي هي جغرافيا محتلة و"مجاز" يثري الشعر والأناشيد الوطنية لكنه لا يضيف إلى حساب اللحظة الحاضرة شيئاً ولا قيمة له على الواقع