728x90 AdSpace

12 سبتمبر 2013

قارئة الفنجان(1)...بقلم ريم عبد الغني

 السبئي نت- بقلم ريم عبد الغني: أتفق مع الكاتبة الأمريكية اليزابيت جيلبرت حين قالت في كتابها "الأكل ..الحب.. الصلاة" أن كل من يعبر في حياتنا مرسل لهدف محدد... إما لنكتشف قدرتنا على العطاء.. أو لامتحان قدرتنا على التسامح... أو ربما لتفجير موهبة كامنة...و..
وهذا ما يجعلني أتساءل كلما عبر طيف ناديا في خاطري.. لماذا مرت هذه السيدة في حياتي إذاً؟
مضى أكثر من عام على آخر مرة رأيتها... وكم يحز في نفسي أنني لم أعرف يومها أنه وداعنا الأخير..
لكن هل كانت هي تعرف أنه وداعنا الأخير؟ وأنها لن تعاود "رحلة الصيف والشتاء" بين صوفيا ودمشق التي اعتادتها إحدى عشر سنة؟
طالما اقتنعتُ انها تعرف كل شيء... تلك السيدة البلغارية التي غادرت باكراً....
ورغم أنها عاشت بيننا أكثر من عقد من الزمان، لكني ،الان فقط، أدركت أنه في حمى الركض والتفاصيل المرهقة... لم يتح لي أن أعرف حقاً من كانت ناديا... 
أستعيد في ذاكرتي ملامحها الجميلة.... كانت ممشوقة كاسمها... عيونها تموج بالحنان والغموض... ابتسامتها الواثقة تعكس كبرياء سيدة لم تك يوما امرأة عادية..
من كانت ناديا إذاً؟ سؤال يعاودني كلما اعتقدت اني نسيته...
لا أقصد بسؤالي عملها المعروف كخبيرة علاج فيزيائي وتبوأها المكان الاقرب للرئيس جيفكوف رئيس بلغاريا لمدة عشرين عاماً.. وهي مهنة هامة في دولة "أرض المعمرين" التي تشتهر بمناخها الصحي وينابيع مياهها المعدنية وشواطئها الرملية الواسعة على البحر الأسود والعلاج الطبيعي في المنتجعات الصحية ولا سيما بالملح والطين الكبريتي..
بل سؤالي حول ما كانت هذه السيدة تعمله في الحقيقة... ما كانت تعرفه وتحفظه من أسرار... وهي التي التقت مئات الشخصيات الهامة في حياتها قرب رئيس بلغاريا..
كيف لم أفكر أبداً بهذه الأسئلة منذ عرفتها أول مرة؟... أما كيف عرفتها... فالصدفة أو لنقل القدر... ألم أقل في بداية حديثي أن لكل شيء سبباً ؟ او ربما كان الحظ .. ألم تردد مراراً وهي تبتسم... بلغتها العربية المهشمة "أنت حظ ناديا"... كانت تعتبرني تميمة حظها..
قدر أو صدفة أو كائن ما كان اسمه.. فقد جمعنا على العشاء ذات ليلة من عام 2000 م بسفير بلغاريا في دمشق والذي كان يوماً سفيراً في عدن.. وسأله زوجي عمن عرفهم في صوفيا من الاصدقاء القدامى وما آل إليه حالهم بعد التغيرات التي حدثت في أوروبا الشرقية إثر انهيار الاتحاد السوفياتي .... وحدثنا سمساروف المتورد الوجه الابيض الشعر -بصوته الجهوري الذي يتناسب مع ضخامة جثته- عنهم واحداً بعد الآخر إلى أن ذكر ناديا... تكلم بمرارة عن ظروفها الصعبة .. وفاة الرئيس جيفكوف بعد عزله ببضعة سنوات بقيت فيها ناديا وفية له مصرة على زيارته رغم المضايقات التي تعرضت لها بسببه.. ثم موت زوجها المفاجئ اثر صدمته بخسارة كل القليل الذي امتلكاه... ووجدت المسكينة نفسها فجأة في حضيض الصفر... لا زوج و لا عمل... لا مستقبل ... ولا شيء ...
وهكذا ،حين اعتقدت أن الدنيا أغلقت جميع أبوابها، تلقت ناديا دعوة لزيارة دمشق من رئيس عرفته قبل 15 سنة زائراً لبلغاريا، ولم تتخيل أنها قد تلتقيه ثانية بعد تغير خارطة العالم ورحيل رئيسها وصديقه جيفكوف... وانهيار عالمها المفجع... ما أغرب القدر...
دعوناها لتقيم بيننا كصديقة ومعالجة ومرافقة.. وهكذا كانت على مدى إحدى عشر سنة...
متنقلة بين سوريا وبلغاريا... تعيش بيننا بهدوء كفرد من الأسرة ... تلبس ثياب نظيفة متواضعة.. تصفف شعرها القصير البني المحمر حول وجهها الأبيض... في حزن عينيها العسليتين الكثير مما لم يكن لدي الوقت لأعرفه... ولا أعتقدها كانت لتفصح عنه لو سألتها.. 
وفي أقل من عام ... بذكائها الوقاد _ورغم أنها يوم أتت لم تكن تعرف كلمة عربية واحدة_ تعلمت ناديا المفردات العربية التي تحتاجها في التواصل مع المحيط مجهزة على قواعد اللغة .. كانت تتكلم بلغة مكسرة ومحببة نفهمها ونتندر بها.. ونتغامز حين تمد يدها مصافحة... وهي تبذل جهداً لتردد كتسجيل صوتي مشروخ...أنا.. إسمي.. ناديا...
كانت تتصرف كدبلوماسية من طراز رفيع.. بتهذيب وأدب واحترام ... لذا كانت ترافقني في معظم الزيارات الرسمية او الدعوات المهمة.. وفي ذات الوقت لم تكن قادرة على الجلوس دون عمل لذا كانت تشغل نفسها بأي عمل حين تكون في البيت... وتسترق الفرصة حين تسنح لها لتسحب كرسيها الى طرف الحديقة تلاحق حزمة من ضوء الشمس لتستلقي داخلها بسعادة... فهناك...في وطنها البارد يفتقدون نعمة الدفء... 
كان كتابها دائما تحت ابطها... ولا شك أن القراءة وخبرة الحياة علماها الكثير، لكنها كانت متواضعة وقليلا ما تتحدث... وإن فعلت فعن ابنها الرسام وحفيدتها المراهقة وأمها التي ما زالت رغم أعوامها الثمانين محتفظة بجمالها وحبها للحياة... تماماً كما يوم كانت راقصة باليه معروفة... قبل نصف قرن...
الصدفة البحتة هي التي جعلتني أكتشف إحدى مهارات ناديا، ويبدو اني "عرفت شيئاً وغابت عني أشياء"...
ماذا اكتشفت؟ هذا ما سأخبركم عنه في الأربعاء القادم...
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً
Item Reviewed: قارئة الفنجان(1)...بقلم ريم عبد الغني Rating: 5 Reviewed By: وكالة السبئي للانباء-سـام
عذراً خاصية التعليقات مغلقة حالياً