هكذا خاطب الشاعر العربي الكبير الراحل نزار قباني " تونس" ذات يوم من أيام العرب المثخنة بنزيف الهوية والانتماء ..قصيدة نزار جاءت بعد اتفاقية "كمب ديفيد" المشؤمة ونقل مقر الجامعة العربية من مصر الى تونس أوائل الثمانينيات من القرن الماضي , يومها كان العقل العربي يرى فيما أقدم عليه الرئيس الراحل أنور السادات جريمة لا تغتفر , ولم يكن يدور بخلد أيا منا أن القادم سيكون أسوى , وأن متواليات الأيام والسنيين ستجعلنا نترحم على الرئيس السادات رغم اختلافنا السياسي والعقائدي مع الرجل الذي يظل أشرف من زعامات اليوم وخاصة التي ولدت من رحم ما يسمى ب" الربيع العربي" ..
نزار تعزل كثيرا بتونس في قصيدة ملحمة وهي أكثر من رائعة , قصيدة حملت من الصور الجمالية ما يعكس رؤية وفهم وقناعات أي قومي عربي مؤمن بهوية الأمة وحتمية وحدتها , كما حملت القصيدة معاناة أمة بكاملها ولم يقتصر الأمر بتونس وحدها رغم أن القصيدة موجهة الى تونس ..
لست أدري أن كان الشاعر العربي الكبير رحمة الله عليه , كان بقصيدة هذه يخاطب تونس بعبارات الرثاء للأمة بدافع حسي وإدراكي مسبق بقدوم دولة " الغنوشي" في تونس بصفة خاصة وإمارات الإخوان على الأمة بصفة عامة ..!
هل كان الشاعر العربي الكبير نزار قباني وهو يسطر قصيدته الشهيرة , يرى واقع الأمة تحت قيادة " دعاة الدين" وتحالفهم مع أعداء الدين ؟ نعم لقد تحالف " دعاة الدين وأعداء الدين " معا في سابقة غير معهودة في تاريخ التحالفات السياسية التاريخية , لأن قاسم مشترك وحيد بين المتحالفين وهو " العداء للعروبة والقومية والهوية والانتماء " ..لهذا جاءت قصيدة شاعرنا الكبير تحمل في ابياتها محاكة لراهن حالنا اليوم مع أن من قراء القصيدة يومها كان يسقطها مباشرة على حال الأمة حينها فالأمر لم يختلف بعد وأن باعدت السنيين بين ميلاد القصيدة وخضوع تونس لحكم " الغنوشي" وقواه الظلامية المتخلفة التي توشك أن تعيد تونس الى عصر الانهيار الأندلسي ..!!
يسجل للرئيس بن علي موقفه الأدبي بترك السلطة على أثر تلفيق حكاية " بوعزيزي" وهي قصة اتضح لا حقا أنها مفبركة فالرجل الذي قيل أن أسمه بوعزيزي واحرق نفسه ظهر حيا يرزق , والأمر لا يهمنا هنا فقط نحاول الاستدلال العابر بين موقف بن علي من رد الفعل على حكاية "البوعزيزي" وبين رد فعل نظام " الغنوشي" من اغتيال هامتين وطنيتين وقوميتين بحجم ومكانة شكري بلعيد _ أولا _ ومحمد البراهمي _ ثانيا , هاتين الجريمتين هزتا تونس وكل الأمة العربية بنخبها وشرائحها الوطنية والقومية , لكنهما لم تهزا " كرسي" حركة "النهضة" ولم يرى فيهما "الغنوشي" ما يستحق التوقف أمامه , بل أن وزير داخلية تونس الذي اغتيل المناضل شكري بلعيد في عهده تم ترقيته ليكون رئيس للوزراء ليغتال مناضل أخر هو المناضل الوطني والقومي محمد البراهمي , ومع هذا خرجت حركة " الغنوشي" لتلقي بالتهمة على شخص واحد يقال إنه متطرف " سلفي" مع أن " الغنوشي" هو أخطر المتطرفين , لكن تبقى المشكلة أو بالأصح الفضيحة متعلقة برد فعل "الغنوشي" و" المرزوقي" والنهضة , فالرجل الذي تم تلفيق التهمة له موجود في أحدى السجون الفرنسية بتهمة الإرهاب منذ العام 2008م ..؟!!
الأمر الذي يدل دلالة قطعية على أن " الغنوشي" وعصابته هم القتلة وهم من يعملون على تصفية الرموز الوطنية والقومية خاصة تلك التي تجهر بصوت الحق وترفض الخنوع والتبعية والمساومة والارتهان , أمثال الشهداء شكري بلعيد ومحمد البراهمي وهما من رموز قوى الحداثة والتقدم التي راهنت وتراهن عليها تونس الخضراء في معركتها ضد قوى الجهل والظلام والتخلف ..لهذا أقول أن قصيدة الشاعر العربي الكبير الراحل نزار قباني جاءت لتحاكي عصور التخلف العربي ومنها عصر وزمن "الغنوشي" , وحقا فأن " العالم العربي إما نعجة مذبوحة أو حاكم قصاب" و " قصاب تونس" اليوم قد يكون الأخطر كونه قدما من عاصمة " الضباب" التي عاش فيها ردحا من الزمن ومنها اطل بثوب المفكر المنفتح والمتحضر الذي له فهم خاص بالدين وقيمه , لكن اتضح أن " الغنوشي" لا يختلف عن " بن لادن" ولا يفرق عن " الظواهري" وليس بعيدا عن " مصعب الزرقاوي" .. بل لا يختلف "الغنوشي" في فهم " الإسلام والحاكمية الإسلامية " عن فهم " جورج بوش الابن" ل " الديمقراطية والليبرالية والعالم الحر "..؟!!
نعم ايها السادة من يريد يعرف وضع تونس اليوم بصفة خاصة والوضع العربي بصورة عامة وبوضوح وشفافية , عليه أن يعيد قراءة قصيدة الشاعر العربي الكبير نزار قباني , وفيها سيجد اجابات على كل التساؤلات الماثلة أمامنا ..واليكم النص الكامل لقصيدة شاعرنا العروبي الكبير الراحل الخالد فينا نزار قباني رحمة الله تغشاه فقد أكثر عروبة وأكثر تدينا من بعض دعاة التدين بل أن نزار اكثر التزاما بالإسلام من " الغنوشي" المتاجر بدين الله ..!!
ياتونس الخضراء جئتك عاشقا *** وعلى جبيني وردة وكتاب
إني الدمشقي الذي احترف الهوى*** فاخضوضرت بغنائه الأعشاب
أحرقت من خلفي جميع مراكبي*** إن الهوى ألا يكون إياب
أنا فوق أجفان النساء مكسر*** قطع فعمري الموج والأخشاب
لم أنس اسماء النساء ..وإنما*** للحسن أسباب ولي أسباب
ياساكنات البحر في قرطاجة*** جف الشذى وتفرق الأصحاب
أين اللواتي حبهن عبادة*** وغيابهن وقربهن عذاب
اللابسات قصائدي ومدامعي*** عاتبتهن فما أفاد عتاب
أحببتهن وهن ما أحببنني*** وصدقتهن ووعدهن كذاب
إني لأشعر بالدوار فناهد *** لي يطمئن وناهد يرتاب
هل دولة الحب التي أسستها*** سقطت علي وسددت الأبواب
تبكي الكؤوس ، فبعد ثغر حبيبتي*** حلفت بألا تُسكر الأعناب
أيصدني نهد تعبت برسمه؟ *** وتخونني الأقراط والأثواب؟
ماذا جرى لممالكي وبيارقي؟*** أدعو رباب فلا تجيب رباب
أأحاسب امرأة على نسيانها*** ومتى استقام مع النساء حساب
ما تبت عن عشقي ولا استغفرته*** ما أسخف العشاق لو هم تابوا
قمر دمشقي يسافر في دمي*** وبلابل وسنابل وقباب
الفل يبدأ من دمشق بياضُه*** وبعطرها تتطيب الأطياب
والماء يبدأ من دمشق فحيثما*** أسندت رأسك جدول ينساب
والشعر عصفور يمد جناحه *** فوق الشآم وشاعر جواب
والحب يبدأ من دمشق فأهلنا *** عبدوا الجمال وذوبوه وذابوا
والخيل تبدأ من دمشق مسارها *** وتشد للفتح الكبير ركاب
والدهر يبدأ من دمشق وعندها*** تبقى اللغات وتحفظ الأنساب
ودمشق تعطي للعروبة شكلها *** وبأرضها تتشكل الأحقاب
بدأ الزفاف فمن تكون مضيفتي *** هذا المساء ومن هو العراب
أأنا مغني القصر يا قرطاجة*** كيف الحضور وما علي ثياب
ماذا أقول ؟ فمي يفتش عن فمي *** والمفردات حجارة وتراب
فمآدب عربية .. وقصائد*** همزية .. ووسائد وحباب
لا الكأس تنسينا مساحة حزننا *** يوما ولا كل الشراب شراب
من أين يأتي الشعر يا قرطاجة*** والله مات وعادت الأنصاب
من أين يأتي الشعر ؟حين نهارنا*** قمع وحين مساؤنا إرهاب
سرقوا أصابعنا .وعطر حروفنا*** فبأي شيء يكتب الكتاب
والحكم شرطي يسير وراءنا*** سرا فنكهة خبزنا استجواب
الشعر رغم سياطهم وسجونهم*** ملك وهم في بابه حجاب
من أين أدخل في القصيدة يا ترى*** وحدائق الشعر الجميل خراب
لم يبق في دار البلابل بلبل*** لا البحتري هنا ولا زرياب
شعراء هذا اليوم جنس ثالث*** فالقول فوضى والكلام ضباب
يتكلمون مع الفارغ فما هم*** عجم إذا نطقوا ولا أعراب
اللاهثون على هوامش عمرنا *** سيان إن حضروا وإن هم غابوا
يتهكمون على النبيذ معتقا *** وهم على سطح النبيذ ذباب
الخمر تبقى إن تقادم عهدها*** خمرا وقد تتغير الأكواب
من أين أدخل في القصيدة ياترى*** والشمس فوق رؤوسنا سرداب
إن القصيدة ليس ما كتبت يدي *** لكنها ما تكتب الأهداب
نار الكتابة أحرقت أعمارنا *** فحياتنا الكبريت والأحطاب
ما الشعر؟ ما وجع الكتابة ؟ ما الرؤى؟*** أولى ضحايانا هم الكتاب
يعطوننا الفرح الجميل وحظهم *** حظ البغايا ما لهن ثواب
ياتونس الخضراء هذا عالم*** يثري به الأمي والنصاب
فمن الخليج إلى المحيط .. قبائل*** بَطِرَت فلا فكر ولا آداب
في عصر زيت الكاز يطلب شاعر*** ثوبا وترفل بالحرير قـ..ب!!
هل في العيون التونسية شاطيء*** ترتاح فوق رماله الأعصاب
أنا يا صديقة متعب بعروبتي*** فهل العروبة لعنة وعقاب
أمشي على ورق الخريطة خائفا*** فعلى الخريطة كلنا أغراب
أتكلم الفصحى أمام عشيرتي*** وأعيد .. لكن ما هناك جواب
لولا العباءات التي التفوا بها*** ما كنت أحسب أنهم أعراب
يتقاتلون على بقايا تمرة*** فخناجر مرفوعة وحراب
قبلاتهم عربية .. من ذا رأى*** فيما رأى قبلا لها أنياب
ياتونس الخضراء كأسي علقم *** أعلى الهزيمة تشرب الأنخاب؟
وخريطة الوطن الكبير فضيحة*** فحواجز ومخافر وكلاب
والعالم العربي إما نعجة*** مذبوحة أو حاكم قصاب
والعالم العربي يرهن سيفه*** فحكاية الشرف الرفيع سراب
والعالم العربي يخزن نفطه*** في خصيتيه وربك الوهاب
والناس قبل النفط أو من بعده *** مستنزفون فسادة ودواب
ياتونس الخضراء كيف خلاصنا*** لم يبق من كتب السماء كتاب
ماتت خيول بني أمية كلها *** خجلا وظل الصرف والإعراب
فكأنما كتب التراث خرافة*** كبرى فلا عمر . . ولا خطاب
وبيارق ابن العاص تمسح دمعها*** وعزيز مصر بالفصام مصاب
من ذا يصدق أن مصر تهودت *** فمقام سيدنا الحسين يباب
ما هذه مصر فإن صلاتها*** عبرية وإمامها كذاب
ما هذه مصر فإن سماءها *** صغرت وإن نساءها أسلاب
إن جاء كافور فكم من حاكم*** قهر الشعوب وتاجه قبقاب
بحرية العينين ياقرطاجة *** شاخ الزمان وأنت بعد شباب
هل لي بعض البحر نصف جزيرة *** أم أن حبي التونسي سراب
أنا متعب ودفاتري تعبت معي*** هل للدفاتر يا ترى أعصاب؟
حزني بنفسجة يبللها الندى*** وضفاف جرحي روضة معشاب
لا تعذليني إن كشفت مواجعي *** وجه الحقيقة ما عليه نقاب
إن الجنون وراء نصف قصائدي *** أوليس في بعض الجنون صواب؟
فتحملي غضبي الجميل فربما*** ثارت على أمر السماء هضاب
فإذا صرخت بوجه من أحببتهم *** فلك يعيش الحب والأحباب
وإذا قسوت على العروبة مرة *** فلقد تضيق بكحلها الأهداب
فلربما تجد العروبة نفسها*** ويضيء في قلب الظلام شهاب
ولقد تطير من العقال حمامة *** ومن العباءة تطلع الأعشاب
قرطاجة :قرطاجة:قرطاجة:*** هل لي لصدرك رجعة ومتاب؟
لا تغضبي مني إذا غلب الهوى *** إن الهوى في طبعه غلاب
فذنوب شعري كلها مغفورة *** والله جل جلاله التواب
