السبئي نت أحمد ناصر الشريف البعض يلوم تلك الشعوب العربية التي كانت متحفزة للقيام بثورات شبابية ضد الأنظمة والحكام على غرار ما حدث في عدد من الدول العربية عام 2011م، حيث تم اسقاط أربعة أنظمة مع حكامها شعبياً.. وتم القضاء نهائياً على مشاريع توريث الحكم التي كان يعد لها في تلك الدول لتتحول أنظمتها الجمهورية الى وراثية، بالإضافة الى كسر حاجز الخوف الذي كان مفروضاً على الشعوب من خلال القمع الذي كانت تمارسه الأجهزة الأمنية المرتبطة بتلك الأنظمة المطاح بها بحجة حمايتها من السقوط.. ويعزو البعض تردد الشعوب التي بدأت فيها مخاضات وتفاعلات متأثرة بما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن الى الفشل الذريع الذي منيت به القوى السياسية التي حلت محل الأنظمة المطاح بها بالرغم من وصولها الى الحكم بإرادة شعبية عبر الانتخابات الحرة وجعلت من نفسها حاملاً للثورات الشبابية.
لكن لأنها تفتقر الى التجربة السياسية وتنقصها الخبرة الإدارية فقد اخفقت في أن تكون بديلاً ناجحاً وتلبي طموحات الشعوب وتطلعاتها في بناء دول حديثة يسودها النظام والقانون بما من شأنه أن يخلق مبدأ المواطنة المتساوية ويحقق الأمن والاستقرار والمشاركة الفعلية في صنع القرار.
ولأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال فقد اهتمت القوى الصاعدة الى الحكم بمصالحها الخاصة جاعلة من الحكم الذي وصلت اليه مغنماً لا مغرماً ونسيت في خضم هذا الاهتمام قضايا الشعوب والأوطان وهو الأمر الذي جعل كل شيء يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، وما يحدث في بلدان الربيع العربي اليوم وخاصة في مصر كبرى الدول العربية خير دليل على فشل هذه القوى السياسية ذات التوجه الديني منذ الأشهر الأولى لتسلمها مقاليد الأمور وهي التي كانت الشعوب العربية تراهن عليها ليتم التغيير المنشود على أيديها.
ومن يتأمل جيداً في نهجها السياسي السائرة عليه سيجد أنها لا تفهم شيئاً في أبجدية العمل السياسي ولم تستفد من معارضتها الطويلة للأنظمة المطاح بها، حيث مايزال خطابها الإعلامي والسياسي هو نفسه لم يتغير فسبب ذلك للشعوب التي سارعت الى انتخابها وإيصالها الى الحكم تعاطفاً معها ومع معاناتها السابقة صدمة كبيرة وهو ما جعلها تندم على هذا التسرع الذي غلبت فيه حساب العواطف على الحسابات السياسية الصحيحة التي تخدم الشعوب والأوطان وتحقق لها تطلعاتها في الحياة الحرة الكريمة.. ونتيجة لهذه الإخفاقات التي لم تسارع القوى السياسية الحاكمة الى تصحيحها والاعتذار للشعوب وأحرارها وإصرارها على أنها تسير في الطريق الصحيح مستغلة ثقة الشعوب بها في الانتخابات والمساومة بها فقد ارتدت الشعوب عن تأييدها لها ووقفت الى جانب المعارضة لتعمل على إسقاطها عبر ثورة شعبية ضدها كما هو حاصل حالياً في مصر، حيث عادت الجماهير بتحريض من المعارضة الى الساحات والميادين للاعتصام فيها مطالبة بإجراء انتخابات مبكرة قد تقلب المعادلة تماماً فيما لو تمت الموافقة عليها من قبل السلطة الحاكمة.
ونعتقد أنه إذا لم يتم التوافق والوصول الى قواسم مشتركة تخرج الشعب المصري من أزمته الطاحنة بين السلطة والمعارضة والابتعاد عن العناد من قبل الطرفين فإن الأمور سوف تتأزم اكثر وتتحول الى حرب شوارع لاسيما بعد أن دخلت على الخط الجماعات الاسلامية المتطرفة التي لا تعمل الا على إثارة النعرات الطائفية والمذهبية وتكفير من يختلف معها والحكم عليه بالقتل والسحل كما حدث مؤخراً في واقعة شنيعة شهدتها إحدى المحافظات المصرية، حيث تم قتل وسحل أربعة مواطنين مصريين على رأسهم شيخ أزهري لمجرد أن مذهبهم الديني يختلف عن مذهب هذه الجماعة المتطرفة بل وصل الأمر أن ترفع شعارات تطالب فيها بهدم القبور ونبشها كما يحدث في ليبيا وسوريا وهدم المساجد التي يوجد بها قبور للأولياء والصالحين لم يعترض عليها أحد من قبل وبعضها يعود عمره الى أكثر من ألف عام.. وهناك من المتطرفين من طالب بهدم الأزهر الشريف بحجة أن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله هو الذي أمر ببنائه ومذهبه الديني ليس سنياً.
مثلهم مثل ذلك الذي سألوه لماذا قتلت فرج فودة؟ فقال: لأنه كافر في كتاباته وسألوه: ومن أي من كتبه عرفت أنه كافر؟ فقال: أنا لا أقرأ ولا أكتب وان كان الأمل كبير في تدخل الجيش تحسم الأمور وتجنيب مصر مالا يحمد عقباه.
هكذا وصل بهم تفكيرهم السطحي الى درجة إثارتهم للفتنة بين أبناء المجتمع الواحد وأبناء الدين الواحد وهي الفتنة التي وصفها الله في كتابه الكريم بأنها أكبر وأشد من القتل ولعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أيقظها وهي نائمة.. لكن هؤلاء لا يهمهم سوى تنفيذ أجندات خارجية لضرب وحدة الأمة الاسلامية وهم يعلمون أنها فريضة معتقدين في ظاهرهم أنهم بهذه الاعمال المشينة يتقربون بها الى الله وهو ما ينطبق عليهم وصف خوارج هذا العصر.
كم كان بودنا لو أن الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي المنتخب من الشعب يتحرر من أجندة الاخوان المسلمين كونه مرشحهم وينحاز الى الشعب المصري وقضاياه بكل فئاته بما فيها تلك المعارضة التي يختلف معها سياسياً بسبب عدم الوفاء بتعهداته التي قطعها على نفسه أثناء حملته الانتخابية وفي خطاب الفوز بالرئاسة الذي ألقاه في ميدان التحرير قبل عام من الآن ووعد يومها بأنه سيكون رئيساً لكل المصريين ولا ينحاز الى جهة بعينها وأن الحكومة سوف تكون توافقية يشارك فيها كل الأطراف السياسية.. ولكنه ما أن تمكن انقلب على وعوده بهدف الإستحواذ على كل شيء وكان أول خطأ يرتكبه إصداره لإعلان دستوري يحمي قراراته من إبطالها قضائياً وكان هذا الإعلان الدستوري هو من تسبب في إشعال فتيل الخلافات التي يدفع ثمنها اليوم إضافة الى إنزال الدستور للاستفتاء قبل موعده وهناك مواد فيه لم يتم التوافق عليها.. نسأل الله لمصر السلامة وأن يحميها من كل مكروه.
